page 436, entry [1804]Open original source
١٧١٨ - شاهين: الأمير شجاع الدين الرومي، ثم القاهري، الجمالي الحنفي، أحد الأمراء العشراوات الماضي شقيقه سنقر. ولد تقريبا في سنة ثمان وثلاثين، وملكه الجمالي- كما تقدم-في ثلاث وخمسين، وقد بلغ فتعلم الكتابة وأجادها، وحج في سنة اثنتين وستين وفهم، وتطلع إلى الترقي. فأخبرني أنه قرأ على الزين قاسم بن قطلوبغا شرحه لمختصر المنار في أصولهم وعليه وعلى الصلاح الطرابلسي القدوري، وعلى النجم بن قاضي عجلون في الصرف والعربية، وكذا على البدر بن خطيب الفخرية فيها، وعلى البدر المارداني في الفرائض والحساب، وتردد إليه كثيرون من فضلاء المذاهب كالسيد شيخ القجماستية وعباس المغربي وغيرهما، فكان يتدرب بمذاكرتهم. بل قرأ على الفخر الديمي البخاري، وكذا الشفاء غير مرة وغير ذلك، وتميز وشارك في الفضائل، وظهرت براعته، وعمل شادية عدة سنين، بل ندبه السلطان للوقوف على عمارته في البندقانيين والخشابين، وقبل ذلك في مكة ونواحيها وكإجراء عين عرفة وعمارة مسجدي نمرة والخيف فشكر، وكانت له في كله اليد البيضاء وحمدت مباشرته بالنسبة لغيره لعقله ورفقه وفهمه وعدم هرجه وسكونه، وهو في كل ذلك راغب في لقاء الفضلاء، محب في الاستكثار من الفضائل إلى أن استقر به الأمر في مشيخة الخدام بالمدينة النبوية سنة إحدى وتسعين عقب شغورها بموت قاتم قليلا، وأرسل مملوكه جان بلاط نائبا عنه حتى ورد هو في آخر السنة مع الركب، فباشرها. وقام بإعادة المنارة الرئيسية بعد نقضها حتى بلغ الماء لميلان كان بها. ونقض علو القبة الشريفة لشقوق كان بها وإعادتها مع قرب عمارتها بل أضاف لضريح السيد حمزة من جهته اليمنى رحابا واسعة بها، وأدخل البئر. وكذا رمم حصن أمير المدينة وبعض السور المحيط للاحتياج لذلك، وبعد انتهاء هذه المآثر والقرب رسم بتوجيهه لنيابة جده، وأضاف لذلك في ثاني سنيها عمارة بالمسجد المكي كعلو بئر زمزم ورفرف المقام الحنفي. ثم سقاية العباس وساعده فيها أخوه، واجتهد بعد في إجراء عين حنين. وراسل سنة خمس في الاستعفاء من جدة أنفه من الجمع بين الأمرين المتنافرين، فصرف عنهما معا، ففي جدة بتنم، ورسم له بتدريبه في مباشرتها، وفي المشيخة بالطواشي أياس الأشرفي الأبيض، وقدم فباشر، ولم يلبث أن مات بالمدينة في رجب سنة ست وتسعين. وأعيد صاحب الترجمة بعد شغورها قليلا إلى أن عين لإمرة الركب الأول في السنة المشار إليها، وتعب كثيرا ممن كان معه، ثم رجع بالركب، وترك مملوكه بالمدينة. فباشر سنة سبع إلى أن ورد مولاه مع الركب في آخرها، فباشر على عادته، ورسخت قدمه، وابتنى بها دارا بلصق المدرسة الشهابية المقاربة لباب جبريل أحد أبواب المسجد النبوي، ثم رغب عنها لصاحب الحجاز، ثم عوض عنها بقربها دارا لسكناه وجعلها متصلة بدار المشيخة القديمة. وفي سنة ثمان وتسعين حصلت صاعقة رمت جانبا من المنارة الرئيسية فسقط على سطح المسجد بعض أحجارها بحيث خسف بعض المباني التي علوّ موقف الزائرين، فبادر لتنظيفها مباشرا ذلك بنفسه، وأصلح بعضه ثم رسم بإصلاح المنارة، فأصلح ما أمكنه من ذلك، وترك الباقي إلى مجيء مهندسها أو غيره، وأصلح بعلو سطح مسجد قباء ساتر الكرسي «الذي» جدده ابن الزمن، كان قد تداعى للسقوط، وكذا جدد سقف مسجد القبلتين والمسجد الذي جمع فيه ومحل عتبان بن مالك ومسجد بني قريظة من العوالي. وفي سنة اثنتين وتسعين حين جاء على ولاية المشيخة عين في مدرسة السلطان غالب صوفيتها، وفوض إليه فيها النظر في القبة التي على الحجرة النبوية حين تشققت من أعاليها وفي المنارة الرئيسية، فأحكم الأمر في ذلك ونمت أمواله بحدائق اشتراها كبئر بضاعة أحد الآبار النبوية، وجل «بها» النفع سوى ما يستأجره منها وما هو تحت نظره، واقتدى في هذا ونحوه بعمر بن عبد العزيز كاتب الحرم، وعظم شأنه بالأقطار الحجازية عند أمرائها وأشرافها وقضاتها وعربها وقبائلها، بحيث كان الانفراد بذلك مع إمساكه، ولكنه في الجملة أبسط من أخيه. وسار يعمل المولد في ليلته بالروضة النبوية بين العشائين، ثم بمنزله بعد العشاء ويقرأ الشمس المسكين بين يديه من محل جلوسه بصحن المسجد الشريف في السير والحديث والتفسير ونحو ذلك، ويحضر ذلك من شاء الله من القضاة وغيرهم، ولا يخلو غالب أوقاته عن تلاوة أو مطالعة مع سبع يقرؤه كل ليلة في جماعة بعد صلاة العشاء. وكان قبل ذلك يتذاكر في شرح الهداية مع الشمسي بن جلال وقبله قليلا مع الطرابلسي ويجود القرآن قبله وبعده مع الشمس البكري، ويتخاصم بمجلسه أو بحضرته الطلبة بالكلمات الفاحشة المنكرة والمشافهات القبيحة. ولا ينكر عليهم. ولما كنت بالحضرة الشريفة تكدر بين الخطيب الوزيري والشريف السمهودي من ذلك وقالوا: لو لم يكن يرضيه ما جسر الخطيب عليه، وكان يرغبني في الزيارة النبوية ويفهم تلقنه للأخذ، فلما قدمتها في أثناء سنة ثمان وتسعين وكانت معاملة قانم معي أحسن بل لا نسبة لهذا به. نعم عنده من تصانيفي أشياء، والله يحسن العاقبة. وتزوج ابنة استاذه بعد موت زوجها الأمير خير بك الظاهري خشقدم، ثم فارقها بعد أن أولدها ما أثكلاه، وبعد مدة تزوج ابنة أخيها الكمالي بعد موت والدها، وكذا زوج ابنته من مستولدة له بمملوكه جان بلاط، وكان العقد في ثامن شعبان سنة ثمان وتسعين بسكن أبيها. أقول: وذكر المؤلف في تاريخه باختصار مما تقدم مع عظمته، وذكر وظائفه وعمائره بالحرمين الشريفين، وهو كفؤ في كل ما كان يفوض إليه حسن النظر والتأمل وإنفاد أوقاته بالعبادة والتلاوة وسماع الحديث والمطالعة والتطلع إلى الترقي في الفضائل، وعنده من تصانيفي عدة لما حواه من كتب العلم. وبالجملة فهو نادرة في أبناء جنسه، حسنة من حسنات الدهر، ومحاضرته جيدة وأدبه كثير، وعقله شهير، وأهل طيبة مسرورون به، انتهى. وقد عاش بعد المؤلف نحو عشرين سنة حتى جاوز عمره ثمانين سنة، وضعفت بنيته وقلت حركته، ومعها كان يحج في كل عام، ويباشر وظيفته مع جميع الأنعام حتى عزل عنها في موسم سنة ثلاثة عشر وتسعمائة بقانصوه القيم الجاركسي، ونوبه في موسمه بالقاهرة.