page 421, entry [1738]Open original source
١٦٥٣ - سليمان: أبو الربيع الغماري. المالكي، كان من شأنه التجرد والتقلل من الدنيا والتعبد بحيث يأخذ في الموسم قوته كفافا ويتصدق بما زاد، وكان الشيخ عمر الخراز يشتري له إدامه ويحاول هو ذلك بنفسه، ولم يزل كذلك حتى كف بصره. فعرض عليه القيام بما يحتاج من الإدام فأبي وكان يضع القدر على كانون فحم ويضع فيها ما تيسر، فإذا طابت أكل مما وجده فيها ما تيسر، فإذا طابت أكل ما وجده فيها على أي وجه كان، وينزل البئر فيملأ الإبريق بنفسه فيقول له القيم أو غيره ممن يعتقده: يا سيدي أنا أكفيك ذلك فيأبي. ولم يزل على طريقته حتى مات. قاله ابن فرحون قال: وأخبرني الجمال المطري أن السنة التي جاء فيها التتر إلى أطراف الشام وتحرك عليهم فيها الملك الناصر: أيقن الناس أنه لا يكون في تلك السنة حاج، وأن المسلمين اشتغلوا بأنفسهم، فهم الأشراف والمجاورين والخدام وقالوا: نغتالهم ونقتلهم ونطيب المدينة مهم، وجال الكلام بين الناس حتى أرجفوا بالمجاورين والخدام، قال الجمال فجئته وهو في الحرم فقلت له: يا سيدي ما ترى ما الناس من الوعيد والتهديد؟ فقل لي: ما يقولون فقلت: كذا كذا. فقال: إنهم يكذبون بل هذه السنة أمن السنين، والسلطان طيب وسيحج في هذه السنة. وكانت سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. قال: فلم نلبث إلا قليلا، إذ جاء الخبر بحج السلطان من الشام، وجاءت الإقامات وتهدمت الإرجافات، وقوي حال أهل السنة والجماعة بعد تلك المخافة. وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن سالم المكي: أنه كان ساكنا في المدرسة الشهابية في بيت بإزاء صاحب الترجمة، قال: فكنت أدرس التنبيه، فأرفع صوي لكوني جهور به لا أحسن أقرأ إلا كذلك ولا أحفظ إلا أن رفعت صوتي، قال: فتشوش الشيخ من رفع صوتي، وقال لي: فقلت له: يا سيدي. ما أقدر إلا هكذا، فقال لي: فاخفض قليلا فلم أفعل، فأصابني عارض من نزلة منعتني أن أتكلم، فمر علي فقال لي: يا محمد ما ترفع صوتك، فقلت بالإشارة يا سيدي أنا تائب إلى الله، ففرج الله عني في الحين. وكان صاحب الترجمة فقيه المدينة ومفتيها على مذهب مالك، وكان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل: هل سألت الشيخ أبا عبد الله بن فرحون؟ -يعني والدي-فإن قال لا يقول له: اذهب واسأله، وأخبرني بما يقول لك، وإن قال: سألته، يقول له: فماذا قال لك؟ فإذا أخبره، نظر، فإن كان مما اتفقا عليه أمر السائل به، وإن كان مخالفا ما قال، قال له: اذهب حتى أجتمع به، فيجتمعان ويحرران المسألة ثم يأمران جميعا السائل بما يتفقان عليه، ولم يزالا كذلك حتى توفي الشيخ قبل والدي بمدة طويلة. وجاءت إلى السراج وظيفة التدريس بدرس سلار، فكتب عن والدي وطلع إلى صاحب الترجمة، وقال له: خذ هذه الوظيفة فدرس فيها، فقال له يا سراج الدين وأين أنت عن الشيخ أبي عبد الله بن فرحون؟. والله إنه أعلم وأحق بها مني، وامتنع منها حتى رجع إلى السراج يطلب لها والدي، وكان ذلك منه لشيء حسن من وقوعه، فوقع ما توقع والله غالب على أمره. وأخبرني الشيخ عمر الخراز: أنه حضر موته، فكان يقرأ القرآن، فلما فاضت روحه كان يقرأ آية في سورة يوسف انتهت قراءته إليها، وهي قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾. وكان لي منه نصيب وافر ودعاء كثير، أرجو من الله أن يحقق لي قبوله، وذكره المجد فقال: كان من العباد المتكلمين والزهاد المتقللين، والأولياء المحققين والأسخياء المتصدقين. أضر في أواخر عمره، فعرض عليه الخدمة والقيام بنحو الطعام والإدام، وما لا بد منه للضرير من طبخ أو ملء إبريق من البئر. فامتنع وأبى كل الإباء ولم يجعل بينه وبين الله سببا، باشر بنفسه خدمة نفسه فثبت الله لذلك قدمه، وحفظه عن إخلال أعمال العميان وعصمه، وسلك في طريقته أحسن المسالك، وكان إليه مرجع الفتيا على مذهب مالك وتستنير بأنوار كراماته دياجير الحوالك، وذكره ابن صالح في تاريخه، وأنه مات بالمدينة ودفن بالبقيع. وأنه كان بالمدرسة الشهابية.