page 129, entry [332]Open original source
٢٥٨ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن الشهيد الناطق: ابن عبد الله بن القاسم بن عبد الرحمن، الشهيد الناطق بن عبد الله بن القاسم، قاضي الحرمين، وخطيبهما، المحب، أبو البركات بن القاضي الكمال أبي الفضل بن القاضي الشهاب أبي العباس، القرشي الهاشمي العقيلي، النويري، المكي الشافعي، الماضي جده، والآتي ولده العز محمد، قال المجد: نسب كأن عليه من شمس الضحى … فورا، ومن وضح النهار بياضا ولد في أوائل شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بمكة، وأمه أم الخير جويرية، ابنة الزين أحمد بن الكمال محمد بن المحب الطبري، وسمع بها من الشيخ خليل المالكي الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وغيره، ومن العز بن جماعة: المناسك الكبرى له، وجزء ابن نجيد، والأربعين التساعبات له، ومن الموفق الحنبلي: جزء ابن نجيد، ومن الكمال بن حبيب: سنن ابن ماجة، ومن الجمال بن عبد المعاطي: الكثير، وبالمدينة: من البدر بن فرحون: الموطأ، وأجاز له الشهاب الحراري، وشهاب الحنفي، وعلي بن الزين بن القسطلاني، وأم الهدى عائشة ابنة الخطيب تقي الدين عبد الله بن المحب الطبري، وأخذ الفقه عن أبيه، والشهاب بن ظهيرة، وعنه أخذ الفرائض، ولازمه كثيرا والنحو عن أبي العباس بن عبد المعاطي، وأكثر من ملازمته، وحصل كثيرا، ودرس، وأفتى، وحدّث بالحرمين وممن سمع منه: التقي بن فهد وناب عن أبيه في القضاء والخطابة بمكة في سنة ثلاث وسبعين، ثم ولي قضاء المدينة وخطابتها وإمامتها على قاعدة من تقدمه في سنة خمس وسبعين، بعد وفاة البدر بن الخشاب، وأتاه الخبر بذلك إلى مكة في سابع عشر من رجب منها، فتوجه إليها، ومعه عمه القاضي نور الدين علي بن أحمد النويري، وبلغوها في مستهل شعبان، وباشر جميع ما فوض إليه، ولقي من أهلها أذى كثيرا بالقول، فقابل كثيرا منه بالصفح والإحسان، ثم صرف عن الخطابة والإمامة مدة يسيرة بالشهاب الصقلي، ثم أعيدتا إليه، إلى أن صرف عن الجميع، في جمادي الأولى سنة ثمان وثمانين، لما ولي قضاء مكة وخطابتها بعد عزل الشهاب بن ظهيرة على ما كان عليه، وجاءه الخبر بذلك، وهو بالمدينة، فتوجه إلى مكة ودخلها في العشر الأخير من رمضانها، وباشر ما فوض إليه من الحكم والخطابة وغيرهما، ثم أضيف إليه-في السنة التي تليها-تدريس درس شبر الجمدار، ثم تدرس المجاهدية بمكة أيضا، واستمر على ذلك حتى مات، وكان كثير التودد إلى الناس، مجملا لهم، مع عقل تام، وديانة وصيانة وعفاف، لكونه نشأ على ذلك من صغره، ولديه فضائل ومعرفة بالأحكام، ورزق فيها من صغره السداد، مع الهيبة والحرمة، ولما كان بالمدينة كان نقمة على الرافضة، وله في إهانتهم-لإعزاز السنة-أخبار كثيرة، لم يحترم منهم في ذلك كبير أحد، حتى إنه كان يغلظ لأميرهم عطية بن منصور، صاحب المدينة، كل ذلك مع حظ وافر من العبادة والذكر، وصحبة أهل الخير وخدمتهم، والإحسان إليهم، وكان ذلك دأبه من الصغر، وفيه مكارم، ولما كان قاضيا بالمدينة، أرسل إليه والده كتابا يذكر فيه: أني سألت الشيخ طلحة الهتار-أحد كبار صلحاء اليمن-أن يدعو لك، فقال لي الشيخ طلحة: إنه رأى النبي ﷺ، وقال له: يا سيدي يا رسول الله، خاطرك مع أحمد بن أبي الفضل، فقال له النبي ﷺ: هو في كنفي، وأرجو يا ولدي أن تكون في كنف النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، مات في ليلة الأربعاء تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة ودفن بالمعلاة عند أبيه، وكثر التأسف عليه لمحاسنه، ﵀ وإيانا، وذكره شيخنا في أنبائه، ودرره، وسبقه المجد، فقال: حفظ القرآن المجيد في صباه، وهبّ عليه من الله قبول القبول وحباه، وحفظ في الفقه والحديث والأصول، والقراءات كتبا، ورفع العلم قدره، حتى قرع من المعالي كتبا، فلما جمع مجاميع الفضائل والمعاني، وسمع من محاسنه ما أطرب النفوس بما أزرى على المباني، ناب عن والده في الحكم والخطابة بحضرة أول بيت، ومنع لنا قبل استكمال العقد الثاني، فلما ناجاه من عمره العشرون فاجأه من مصره الميسرون، وأحضروا له تقليدا بالقضاء والخطابة والإمامة بالمدينة الشريفة النبوية صلى الله على ساكنها وسلم، فأحي به ما دثر من أكثم يحيى بن أكتم، وتذكر الناس بولايته ولاية معاذ وعتاب، وسوار، وكبار الحكام الذين ولوا في عنفوان الأعمار، فتوجه إلى المدينة الشريفة في موكب من العز حفيل، والسعد يجاري عنانه، وهو بإنجاح القصد له كفيل، فباشر الوظيفة كأحسن من باشر، وعاشر الموالف والمخالف بالإحسان، فيا حسن ما عاشر، ثم بعد قليل أكثروا من القال والقيل، وحرمت عليه الأعداء المقيل، وتوسلوا إلى التهجين بكل ما إليه سبيل، وأنهوا لأرباب الدول ما في شرحه تطويل، ولم يبرح بمن ساد على الإفساد تعويل، فوقع الاتفاق على تشريكه مع شخص من أكابر مشايخ صقيل، فاستقل أحمد بالحكم والزعامة، وباشر الصقيلي الخطابة والإمامة، واستقر فيها سنة، ولم يجر الدهر لحصانه رسنه، فرجع إلى مصره، ورجع على آخره، وفجع بموته أهل نصره، وظهر له-بعد اشتهاره بالفقر-أموال، وأعاد الله الوظيفتين إلى أحمد على أحمد منوال، والويل لمن ماله من الله من وال، ومن له من التقوى لباس فماله من التقوال باس، واستقر فيها استقرار الدوحة في اللجة، وإذا ذكرته في المنصب تداور الأبخرة في الفجة، وقطع من المنافقين أظفار الثغار والشفار، واستدركهم أطباء اللطف والرفق والوقار، ولم يعاملهم بسطوة تبدي لهم شوكة واقتدار، بل لاطف وحاسن ووافق، ودارى، فظفر بالمطلوب، وأحبته القلوب، والموالف غالب والمخالف مغلوب، والله المسؤول أن يحييه حياة السعداء، وينحيه هيئات البعداء وأن يجعل خير عمره آخره، وخاتم عمله محاسنه ومفاخره، ثم انتقل إلى مكة حاكما وخطيبا في سنة تسع وثمانين، وأما ترجمة والده وجده الإمام ابن الإمام فقد ذكرناهما بالموضع اللائق من كتابنا «مهيج ساكن الغرام إلى البلد الحرام».