page 33144, entry [10498]Open original source
[١٠١٨٥] يوسف بن دوناس بن عيسى أبو الحجاج المغربي الفندلاوي الفقيه المالكي قدم الشام حاجا، فسكن بانياس مدة، وكان خطيبا بها، ثم انتقل إلى دمشق واستوطنها، ودرّس بها مذهب مالك، وحدّث بالموطّأ، وبكتاب التلخيص لأبي الحسن القابسي. علقت عنه أحاديث يسيرة. كان شيخا حسن المفاكهة «٢» حلو المحاضرة، شديد التعصّب لمذهب أهل السنّة، كريم النفس، مطّرحا للتكلف، قويّ القلب. سمعت أبا تراب بن قيس بن حسين البعلبكّي يذكر: أنه كان يعتقد اعتقاد الحشوية «٣» ، وأنّه كان شديد البغض ليوسف الفندلاوي لما كان يعتمده من الردّ عليهم، والتنقّص لهم، وأنه خرج إلى الحجاز، وأسر في الطريق، وألقي في جبّ، وألقي عليه صخرة، وبقي كذلك مدة يلقى إليه ما يأكل، وأنه أحسّ ليلة بحسّ، فقال: من أنت؟ فقال: ناولني يدك، فناوله يده، فأخرجه من الجبّ، فلما طلع إذا هو الفندلاوي، فقال: تب مما كنت عليه، فتاب، وصار من جملة المحبين له. وكان ليلة الختم في شهر رمضان يخطب خاطب في حلقته بالمسجد الجامع، ويدعو بدعاء الختم، وعنده الشيخ أبو الحسن علي بن المسلم «١» ، فرماهم بعض من كان خارج الحلقة بحجر، فلم يعرف من هو لكثرة من حضر، فقال الفندلاوي: اللهم اقطع يده. فما مضى إلّا يسير حتى أخذ خضير الركابي من حلقة الحنابلة، ووجد في صندوقه مفاتيح كثيرة قد أعدها لفتح الأبواب للتلصص «٢» ، فأمر شمس الملوك «٣» بقطع يديه، ومات من ذلك «٤» . قتل الفندلاوي- ﵀ يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بالنّيرب «٥» تحت الرّبوة. وكان قد خرج مجاهدا للفرنج- خذلهم الله- وفي هذا اليوم نزلوا على دمشق حماها الله «٦» ، ورحلوا بكرة يوم الأربعاء الذي يليه بعد أربعة أيام من نزولهم، وكان نزولهم بأرض قينية» ، وكان رحيلهم لقلة العلوفة، والحذر من العساكر المتواصلة لنجدة أهل دمشق من الموصل وحلب- ودفن تحت الرّبوة على الطريق، ثم نقل إلى مقبرة الباب الصغير، فدفن بها، وكان خروجه إليهم راجلا. فبلغني أن الأمير أمر «٨» المتولي لقتالهم ذلك اليوم لقيه قبل أن يتلاقوا وقد لحقه مشقة من المشي، فقال له: أيها الشيخ الإمام، ارجع، فأنت معذور للشيخوخة، فقال: لا أرجع، بعنا واشترى منا، يريد قول الله ﷿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] [سورة التوبة، الآية: ١١١] فما انسلخ النهار عنه حتى حصل له ما تمنى من بلوغ الشهادة التي توصله إلى ما يرجو من السعادة. قال أحمد بن محمّد القيرواني: رأيت الشيخ الإمام حجة الدين في المنام جالسا في مكانه الذي كان يدرس فيه بالجامع، فأقبلت إليه وقبّلت يده، فقبّل رأسي، وقلت له: يا مولاي الشيخ، والله ما نسيتك، وما أنا فيك إلا كما قال الأول: فإذا نطقت فأنت أوّل منطقي وإذا سكتّ فأنت في إضماري فقال لي: بارك الله فيك. ثم قلت له: يا مولاي الشيخ الإمام، أين أنت؟ فقال: في جنات عدن، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ «١» [سورة الحجر، الآية: ٤٧] .