page 32765, entry [10284]Open original source
[٩٩٨٤] محمد المعتصم بن هارون الرشيد ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور أبو إسحاق الهاشمي [روى عن أبيه، وأخيه المأمون يسيرا. روى عنه إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون] «١» . بويع له بالخلافة بعد أخيه المأمون بعهد منه «٢» ، قدم دمشق عدة دفعات مع أخيه المأمون، ووحده قبل الخلافة، ثم قدمها في خلافته. حدّث هشام بن محمد الكلبي «٣» : أنه كان عند المعتصم في أوّل أيام المأمون- حين قدم المأمون بغداد- فذكر قوما بسوء السّير، فقلت له: أيّها الأمير إن الله تعالى أمهلهم فطغوا وحلم عنهم فبغوا؛ فقال: حدّثني أبي الرشيد، عن جدّي المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي ابن عبد الله بن عباس، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [سورة الإسراء، الآية: ٦٠] فقيل له: أي الشّجر هي يا رسول الله حتى نجتنبها؟ فقال: «ليست بشجرة نبات، إنّما هم بنو فلان «١» ، إذا ملكوا جاروا وإذا ائتمنوا خانوا» ثم ضرب بيده على ظهر العبّاس، قال: «فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يديه» [١٤٢٨٧] . قال: هذا حديث منكر. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليكوننّ من ولده- يعني العبّاس بن عبد المطلب- ملوك يلون أمر أمّتي يعزّ الله بهم الدين» [١٤٢٨٨] . حدث المعتصم، عن المأمون، عن آبائه إلى ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «لا تحتجموا يوم الخميس فإنه من يحتجم فيه فيناله مكروه فلا يلوم إلا نفسه» [١٤٢٨٩] . [وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، حدثني علي بن الحسين الحافظ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثنا ابن خلاد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال: كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: أنت في عافية، فقال: كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعا: «٢» «من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه، مات فيه» [١٤٢٩٠] . قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق. ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي عن أحمد بن محمد بن الليث عن منصور بن النضر، عن إسحاق] «٣» . [قال أبو بكر الخطيب] «١» : [محمد أمير المؤمنين المعتصم بالله ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، يكنى، أبا إسحاق] «٢» . وأمّ المعتصم أمّ ولد اسمها ماردة، لم تدرك خلافته، والمعتصم يقال له: الثمانيّ «٣» ، لأنه ولد [بالخلد في] «٤» سنة ثمانين ومئة، في الشهر الثامن، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وفتح ثمانية فتوحات، وولد له ثمان بنين، وثمان بنات، ومات وعمره ثمان وأربعون سنة، وخلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان، وقتل ثمانية أعداء: بابك، ومازيار، وياطس «٥» ورئيس الزّنادقة، والأفشين، وعجيفا، وقارن، وقائد الرّافضة «٦» . وكان المعتصم أبيض، أصهب اللحية طويلها، مربوعا، مشرب اللّون «٧» . وبويع للمعتصم يوم مات المأمون سنة ثمان عشرة ومئتين، ودخل بغداد «٨» على بغل كميت بسرج مكشوف وعليه قلنسوة لاطئة وسيف بمعاليق، فأخذ على باب الشّام حتى عبر الجسر، ثم دخل من باب الرّصافة فأخذ يمنة حتى دخل الدّار التي كان ينزلها المأمون من باب العامّة. كان «٩» مع المعتصم غلام يتعلّم معه في الكتّاب، فمات الغلام، فقال له الرّشيد: مات غلامك؟ قال: نعم، واستراح من الكتّاب! قال الرشيد: وإن الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟ دعوه إلى حيث انتهى، ولا تعلّموه شيئا؛ فكان يكتب كتابا ضعيفا، ويقرأ قراءة ضعيفة. قال الزّبير بن بكار: لمّا قدمت إلى الرّشيد لأحدّث أولاده بالأخبار التي صنّفتها، أعجل المعتصم في القصر فعثر، فكادت إبهامه تنقطع، فقام وهو يقول «١» : يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرّجل فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته بالرّجل تبرا على مهل كذا، وقد وهم، فإن الزّبير لم يكن في زمن الرّشيد يقرأ عليه، فإنه كان ميتا إذ ذاك، وإنما قرىء عليه في أيام المتوكّل والّذي عثر المعتزّ بن المتوكّل. [قال أبو بكر الخطيب] «٢» : [حدثني أبو القاسم الأزهري وعبيد الله بن علي بن عبيد الله الرقي، قالا: حدثنا عبيد الله بن محمد المقرىء، حدثنا محمد بن يحيى النديم حدثنا عبد الواحد بن العباس بن عبد الواحد قال: سمعت العباس بن الفرج يقول:] «٣» . كتب ملك الرّوم كتابا إلى المعتصم يتهدّده فيه، فأمر بجوابه، فلمّا قرىء عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب؛ بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [سورة الرعد، الآية: ٤٢] «٤» . قال الخطيب «٥» : غزا المعتصم بلاد الرّوم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، فأنكى في العدوّ نكاية عظيمة، ونصب على عمّورية «٦» المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها، ودخلها عنوة «١» ، فقتل فيها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستّون بطريقا، وطرح النّار في عمّورية من سائر نواحيها فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق، وهو باق إلى الآن، منصوب على أبواب دار الخلافة، وهو الباب الملاصق مسجد الجامع في القصر. وكان المعتصم قبل وصوله عمّورية خرّب ما مرّ به من قراهم، وهربت الرّوم في كلّ وجه؛ وقيل: وخرّب أنقرة «٢» ، وتوجه قافلا، فضرب رقاب أربعة آلاف ونيّف من الأسارى، ولم يزل يقتل الأسارى في مسيره ويحرق ويخرّب حتى ورد بلاد الإسلام؛ وأتي فيها ببابك «٣» أسيرا، فأمر بقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه، وصلبه في سنة ثلاث وعشرين ومئتين؛ وكانت الرّوم أغارت على زبطرة «٤» في سنة اثنتين وعشرين ومئتين، فقتلوا وأسروا من وجدوا بها، وخرّبوها «٥» ، فدخل قائد له في جماعة في درب الحديد، ودخل المعتصم من درب الصّفصاف في جماعة لم تدخل أرض الرّوم قبلهم، ولقي أفشين الطّاغية، فظفّره الله به، وولّى الطّاغية منهزما مفلولا، وسار المعتصم إلى عمّورية، ووافاه أفشين عليها، فأسر وغنم، وحاصرها ونصب عليها المجانيق، فهتك سورها وفتحها عنوة «٦» ، فقتل وسبى ما لا يحصى عدده، وشعّث حائطها، وحرّق وخرّب داخلها، وخرج سالما هو وجيوشه، وخرج معه بياطس «٧» بطريقها وأسرى كثر، وأقام فيها بعد فتحه ثلاثة أيام، ورحل في الرّابع، وقد ظفر قبل ذلك ببابك الخرّمي «٨» وأصحابه، فقدّم أسيرا فأمر بقتله. ولمّا «٩» تجهّز المعتصم لغزو عمّورية حكم المنجّمون على ذلك الوقت أنه لا يرجع من غزوه، فإن رجع كان مفلولا خائبا، لأنه خرج في وقت نحس، فكان من فتحه العظيم ما لم يخف، حتى وصف ذلك أبو تمام الطّائي في قوله «١» : أين الرّواية أم «٢» أين النّجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرّصا «٣» وأحاديثا ملفّقة ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب عجائبا زعموا الأيّام مجفلة عنهنّ في صفر الأصفار أو رجب وخوّفوا النّاس من دهياء مظلمة إذا بدا الكوكب الغربيّ ذو الذّنب وصيّروا الأبرج العليا مرتّبة ما كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ما دار في فلك منها وفي قطب لو بيّنت قطّ أمرا قبل موقعة ما حلّ «٤» ما حلّ بالأوثان والصّلب قال يحيى بن معاذ «٥» : كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم، وهو يريد بلاد الرّوم؛ قال: فمررنا براهب في صومعته فوقفنا عليه فقلنا: أيّها الرّاهب، أترى هذا الملك يدخل عمّورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنى؛ قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه، فقال: أنا والله صاحبها، أكثر جندي أولاد زنى، إنما هم أتراك وأعاجم. وكان المعتصم يقول: إذا لم يعدّ الوالي للأمور أقرانها قبل نزولها أطبقت عليه ظلم الجهالة عند حلولها. قال ابن أبي داود «٦» «٧» : كان المعتصم يخرج ساعده إليّ فيقول: يا أبا عبد الله عضّ ساعدي بأكثر من قوّتك؛ فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك؛ فيقول: إنه لا يضرّني؛ فأروم «١» ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فضلا عن الأسنان. وانصرف يوما من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظما بالخيم، فيها الجند، فمرّ المعتصم بامرأة تبكي، وتقول: ابني ابني؛ وإذا بعض الجند قد أخذ ابنها؛ فدعاه المعتصم وأمره أن يردّ ابنها عليها؛ فأبى، فاستدناه فدنا منه فقبض عليه بيده، فسمع صوت عظامه، ثم أطلقه من يده، فسقط، وأمر بإخراج الصّبيّ إلى أمّه. قال عمرو بن محمد الرّومي: كان على بيت مال المعتصم رجل من أهل خراسان يكنى أبا حاتم؛ فخرجت لي جائزة فمطلني بها، وكان ابنه قد اشترى جارية مغنّية اسمها قاسم، بستّين ألف درهم، قال: فعملت فيها شعرا، وجلست ألاعب المعتصم بالشّطرنج في يوم الجمار، وكان يشرب يوما ويستريح يوما ليلعب فيه، ونلعب بين يديه، فجعلت أنشده: لتنصفنّي يا أبا حاتم أو لنصيرنّ إلى حاكم فتعطي الحقّ على ذلّة بالرّغم من أنفك ذا الرّاغم يا سارقا مال إمام الهدى سيظهر الظّلم على الظّالم ستّون ألفا في شرا قاسم من مال هذا الملك النّائم! فقال لي: ما هذا الشّعر؟ فتفازعت كأني أنشدته ساهيا، وتلجلجت؛ فقال: أعده؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني؛ وإنّما أريد أن يحرص على أن يسمعه؛ فقال: أعده ويلك؛ فأعدته؛ فقال: ما هذا؟ فقلت: أظنّ صاحب بيت المال مطل بعض هؤلاء الشّعراء بشيء له، فعمل فيه هذا الشّعر؛ قال: فما معنى قاسم؟ قلت: جارية اشتراها بستّين ألف درهم؛ قال: وأراني أنا الملك النائم؟ صدق والله قائل هذا الشّعر، والله لو عرفته لوصلته لصدقه؛ رجل مملق ولّيته بيت المال لتعسّر رزقه منذ سنين، من أين لابنه هذا المال؟ ثم قال لإيتاخ: قيّد صاحب بيت المال وابنه حتى نأخذ منهما مئتي ألف درهم وولّ بيت المال غيره. قال محمد بن عمرو الدّومي «١» : لله درّ المعتصم ما كان أعقله! كان له غلام يقال له عجيب لم ير النّاس مثله [قط] «٢» وكان مشغوفا به، فحارب بين يديه يوما فحسن بلاؤه، فقال لي المعتصم: يا محمد «٣» جليس الرّجل صديقه وذو نصحه، ولي عليك حقّ الرئاسة والإحسان، فاصدقني عمّا أسألك عنه؛ فقلت: لعن الله من يقم نفسه إلا مقام العبد النّاصح الذي يرى فرضا عليه أن يضيف كلّ حسن إليك، وينفي كلّ عيب عنك؛ قال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب «٤» ، لحبّ أمير المؤمنين الرّشيد [لي] «٥» وميلي إلى اللّعب وأنا حدث، فما أبالي ما قالوا «٦» ، وقد قاتل عجيب بين يديّ، وأنت تعلم وجدي به وقد جاش طبعي بشيء قلته فإن كان مثله يجوز فاصدقني حتى أذيعه، وإلّا طويته «٧» . فقلت: والله لأخبرت ما أمرت؛ فأنشدني «٨» : لقد رأيت عجيبا يحكي الغزال الرّبيبا الوجه منه كبدر والقدّ يحكي القضيبا وإن تناول سيفا رأيت ليثا حريبا وإن رمى بسهام كان المجدّ «٩» المصيبا طبيب مابي من الحب ب لا عدمت الطّبيبا إني هويت عجيبا هوى أراه عجيبا فحلفت له أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، وطابت نفسه؛ فقلت له: تحتاج إلى لحن فيه؛ فقال: ما أحب ذلك لئلّا يمرّ ذكر عجيب؛ قلت: فلا تذكر البيتين اللّذين فيهما ذكر عجيب؛ قال: أمّا ذا فنعم، فغنّى به مخارق ووصلني بخمسين ألفا. وممّا أنشد للمعتصم بالله: أيا منشىء الموتى أعذني من التي بها نهلت نفسي سقاما وعلّت لقد بخلت حتى لو أنّي سألتها قذى العين من سافي التّراب لضنّت فإن بخلت فالبخل منها سجيّة وإن بذلت أعطت قليلا وضنّت قال علي بن يحيى المنجّم «١» : لمّا أن استتمّ المعتصم عدّة غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا، وعلّق له خمسون ألف مخلاة على فرس وبرذون وبغل، وذلّل العدوّ بكلّ النّواحي، أتته المنيّة على غفلة؛ فقيل «٢» : إنه قال في حمّاة التي مات فيها: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [سورة الأنعام، الآية: ٤٤] . قال الخطيب «٣» : ولكثرة عسكر المعتصم وضيق بغداد عنه، وتأذّي النّاس به بنى المعتصم سرّ من رأى «٤» ، وانتقل إليها، فسكنها بعسكره فسمّيت العسكر «٥» ، في سنة إحدى وعشرين ومئتين. قال حمدون بن إسماعيل: دخلت على المعتصم في يوم خميس، وهو يحتجم، فلمّا رأيته وقفت واجما وتبيّن له ذلك فيّ؛ فقال: يا حمدون لعلّك ذكرت الحديث الذيحدّثتك به في حجامة الخميس وكراهتها، والله ما ذكرت ذلك حتى شرط الحجّام، قال: فحمّ من عشيّته، وكانت المرضة التي مات فيها. ولمّا احتضر المعتصم جعل يقول «١» : ذهبت الحلية ليست حيلة؛ حتى أصمت «٢» . وسمع يقول «٣» : اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي. وجعل يقول «٤» : أوخذ [وحدي] «٥» من بين هذا الخلق؟ وقال «٦» : لو علمت أن عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت. وتوفي سنة ثمان وعشرين ومئتين؛ وقيل سنة سبع وعشرين؛ ودفن بسرّ من رأى، وهو ابن ستّ وأربعين سنة، أو سبع وأربعين سنة، أو تسع وأربعين سنة «٧» . [وقال الصولي: سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك أستيسان، وملك الشياصح، وملك فرغانة، وملك طخارستان، وملك كابل. وقال الصولي: وكان نقش خاتمه: الحمد لله الذي ليس كمثله شيء. وأخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله: يا دار غيرك البلى ومحاك يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟ فتطير المعتصم، وتطيّر الناس وتغامزوا، وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك، وخرب المعتصم القصر بعد ذلك. وأخرج عن إبراهيم بن العباس قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه. وكان أول من ثرد الطعام وكثّره حتى بلغ ألف دينار في اليوم وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي. وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول: من طلب الحق بما له وعليه أدر له. وأخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال: وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد؟ إن المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع من لم يكن بأمين الله معتصما فليس بالصلوات الخمس ينتفع إن أخلف القطر لم تخلف فواضله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسعفقال أبو وهيب: فينا من يقول خيرا منه فيك، وقال: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر تحكي أفاعيله في كل نائبة اليث والغث والصمامة الذكر] «١» [وأولاده: هارون الواثق، وجعفر المتوكل، وأحمد المستعين، قيل: هو ابن ابنه، وقضاته: أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن سماعة، ووزراؤه، الفضل بن مروان، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، وحاجبه: وصيف مولاه. وهو أول من تسمى بخليفة الله. وهو أول من تزيا بزي الأتراك ولبس التاج ورفض زي العرب وترك سكنى بغداد] «١» . [كان ذا قوة وبطش وشجاعة وهيبة، لكنه نزر العلم. قال خليفة: حج بالناس ستة مئتين «٢» . امتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، وأخذ بذلك المؤذنين وفقهاء المكاتب، ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عاما. أمر المعتصم بهدّ طوانة التي بذّر المأمون في بنائها من عامين بيوت الأموال «٣» . في رمضان سنة عشرين كانت محنة الإمام أحمد في القرآن، وضرب بالسياط حتى زال عقله، ولم يجب، فأطلقوه. وغضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان، وأخذ منه نحوا من عشرة آلاف ألف دينار ونفاه واستوزر محمد بن الزيات. واعتنى باقتناء المماليك الترك، وبعث إلى النواحي في شرائهم، وألبسهم الحرير والذهب. كان المعتصم ذا سطوة إذا غضب لا يبالي من قتل] «٤» . [كان المعتصم يحب العمارة، ويقول: إن فيها أمورا محمودة، فأولها عمران الأرض التي يحيا بها العالم. وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش. كان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهما فلا تؤامرني فيه. وكان المعتصم يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده. زوّج المعتصم الحسن ابن الأفشين بأترجة بنت أشناس، وقال أبياتا يصف حسنهما وجمالهما واجتماعهما، وهي: زفت عروس إلى عروس بنت رئيس إلى رئيس أيهما كان ليت شعري أجل في الصدر والنفوس أصاحب المرهف المحلى أم ذو الوشاحين، والشموس] «١» [كان من أهيب الخلفاء وأعظمهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن. قال نفطويه: وحدّثت أنه كان من أشد الناس بطشا، وأنه جعل زند رجل بين أصابعه، فكسره. وقال: فمما يروى من كلامه: إذا شغلت الألباب بالآداب، والعقول بالتعليم، تنبهت النفوس على محمود أمرها، وأبرز التحريك حقائقها] «٢» .