page 31938, entry [9905]Open original source
[٩٦٥٠] أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر أبو عبد الرحمن النّسائي القاضي الحافظ أحد الأئمة والأعلام، صنف السّنن وغيرها. [أحد الأئمة المبرزين والحفاظ المتقنين والأعلام المشهورين، طاف البلاد، وسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة من جماعة يطول ذكرهم قد ذكرنا روايته عنهم في تراجمهم. وروى القراءة عن أحمد بن نصر النيسابوري المقرىء، وأبي شعيب صالح بن زياد السوسي] «٤» . [قال أبو أحمد بن عدي الحافظ: سمعت منصورا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين. وقال أيضا: أخبرني محمد بن سعد الباوردي قال: ذكرت لقاسم المطرز أبا عبد الرحمن النسائي، فقال: هو إمام، أو يستحق أن يكون إماما، أو كما قال. وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أخبرنا أبو علي الحافظ حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي الإمام في الحديث بلا مدافعة. وقال أيضا: سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم، فيبدأ بأبي عبد الرحمن. وقال في موضع آخر: سمعت أبا علي الحافظ يقول: رأيت من أئمة الحديث أربعة في وطني وأسفاري منهم … وأبو عبد الرحمن النسائي بمصر. وقال أيضا: سمعت جعفر بن محمد بن الحارث يقول: سمعت مأمون المصري الحافظ يقول: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان وكيلجة وغيرهم، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ، فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، فكتبوا كلهم بانتخابه] «١» . [قال الذهبي] : [كان من بحور العلم مع الفهم والاتقان والبصر ونقد الرجال، وحسن التأليف. جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز ومصر، والعراق والجزيرة والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن. وكان شيخا مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن التشبيه. قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [سورة طه، الآية: ١٤] مخلوق فهو كافر، فقال ابن المبارك: صدق. قال النسائي: بهذا أقول. وعن النسائي قال: أقمت عند قتيبة بن سعيد سنة وشهرين. وكان النسائي يسكن بزقاق القناديل بمصر. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من سرية، وكان يكثر أكل الديوك، تشترى له وتسمّن وتخصى] «١» . قدم دمشق قديما، وسمع بها وروى عن جماعة، وروى عنه جماعة «٢» . حدث بمصر عن هشام بن عمّار بسنده عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وبحاجته، فقال: «سلني» . قلت: مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذلك، قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» [١٣٩٧٤] . وحدث أبو عبد الرحمن النسائي في شعبان سنة ثمانين ومئة بدمشق عن أبي عبد الله محمد بن رافع بسنده عن عبد الله بن مسعود يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» [١٣٩٧٥] . قال محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون «٣» : سمعت أبا بكر بن الإمام الدمياطي يقول لأبي عبد الرحمن النسائي: ولدت في سنة أربع عشرة- يعني ومئتين- ففي أي سنة ولدت يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أشبه أن يكون في سنة خمس عشرة يعني ومئتين، لأنّ رحلتي الأولى إلى قتيبة كانت في سنة ثلاثين ومئتين، أقمت عنده سنة وشهرين. قال أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون «١» : كنت يوما في دهليز الدار التي كان أبو عبد الرحمن يسكنها في زقاق القناديل «٢» ، ومعي جماعة ننتظره لينزل ويمضي إلى الجامع ليقرأ علينا حديث الزهري، فقال بعض من حضر: ما أظنّ أبا عبد الرحمن إلّا يشرب النبيذ، للنضرة التي في وجهه والدم الظاهر مع السن، وقال آخرون: ليت شعرنا، ما يقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقلت: أنا أسأله عن الأمرين وأخبركم. فلما ركب مشيت إلى جانب حماره، وقلت له: تمارى بعض من حضر في مذهبك في النبيذ، فقال: مذهبي أنه حرام بحديث أم سلمة عن عائشة: «كل شراب أسكر فهو حرام» «٣» ، فلا يحلّ لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا. قلت: فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: لا يصحّ عن النبي ﷺ في إباحته ولا تحريمه شيء، ولكنّ محمد بن كعب القرظي حدث عن جدك «٤» ابن عباس: أسق حرثك من حيث شئت، فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله. قال: وكان أبو عبد الرحمن يؤثر لباس البرود النوبية الخضر، ويقول: هذا عوض عن النظر إلى الخضرة من النبات فيما يراد لقوة البصر. وكان يكثر الجماع، مع صوم يوم وإفطار يوم، وكان له أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من جارية أو اثنتين، يشتري الواحدة بالمئة ونحوها، ويقسم لها كما يقسم للحرائر. وكان قوته في كل يوم رطل خبز جيد لا يأكل غيره، كان صائما أم مفطرا، وكان يكثر أكل الديوك الكبار، تشترى له وتسمّن ثم تذبح فيأكلها، ويذكر أنّ ذلك ينفعه في باب الجماع. وسمعت قوما ينكرون عليه كتاب «الخصائص» لعلي ﵁ وتركه لتصنيف فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يكن في ذلك الوقت صنّفها فحكيت له ما سمعت فقال: دخلنا إلى دمشق والمنحرف عن علي بها كثير، فصنف كتاب «الخصائص» رجاء أن يهديهم الله، ثم صنّف بعد ذلك فضائل أصحاب رسول الله ﷺ وقرأها على الناس. وقيل له، وأنا حاضر: ألا تخرّج فضائل معاوية؟ فقال: أيّ شيء أخرج؟ «اللهم لا تشبع بطنه» «١» ؟ [١٣٩٧٦] . وسكت، وسكت السائل. قال بعض أهل العلم: وهذه أفضل فضيلة لمعاوية لأن النبي ﷺ قال: «اللهم إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فمن لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة» «٢» [١٣٩٧٧] . قال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الصوفي «٣» : سألت أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ فقلت: إذا حدث محمد بن إسحاق ابن خزيمة وأحمد بن شعيب النسائي حديثا من تقدّم منهما؟ قال: النسائي لأنه أسند، على أني لا أقدم على النسائي أحدا، وإن كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير. قال علي بن عمر الحافظ غير مرة «٤» : أبو عبد الرحمن مقدّم «٥» على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. قال محمد بن طاهر «٦» : سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقّه. فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعّفه، فقال: يا بني، إنّ لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطا أشدّ من شرط البخاري ومسلم «٧» . قال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ» : سمعت مشايخنا بمصر يعترفون «١» لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ولمواظبته على الحج والجهاد. وأنه خرج إلى الفداء مع والي مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالسة السلطان الذي خرج معه والانبساط بالمأكول والمشروب في رحلته، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد ﵁ بدمشق من جهة الخوارج. كان ابن الحداد كثير الحديث، ولم يحدّث عن أحد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله «٢» . خرج «٣» أبو عبد الرحمن من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية بن أبي سفيان وما روي من فضائله. فقال: معاوية «٤» لا يرضى رأسا برأس حتى يفضّل؟ فما زالوا يدفعون في حضنيه «٥» حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة وتوفي بها سنة ثلاث وثلاث مئة وهو مقتول «٦» . قال «٧» : وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان، وإنما تدل على الكف عن ذكره بكل حال. فقد «٨» روي عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه سئل عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله ﷺ فقال: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الباب. قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة. [قال الطبراني في معجمه: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي القاضي بمصر، فذكر حديثا. وقال أبو عوانة في صحيحه: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قاضي حمص، حدثنا محمد بن قدامة، فذكر حديثا. قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه. قال ابن الأثير في أول جامع الأصول: كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعا متحريا. وقال ابن الأثير: سأل أمير أبا عبد الرحمن عن سننه: أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فاكتب لنا منه الصحيح، فجرد المجتنى. وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، يعني عن قتيبة، عن ابن لهيعة قال: فما حدّث بها. قال الدارقطني: خرج حاجا فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل وتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال. قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه: كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا، خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفي بفلسطين في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث] «١» . خرج النسائي من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة. وقيل مات بالرملة ودفن ببيت المقدس «١» . [قال ابن حجر] «٢» : [قال الذهبي في مختصره: عاش ثمانيا وثمانين سنة، وكأنه بناه على ما تقدم من مولده، فهو تقريب] «٣» .