page 31876, entry [9871]Open original source
[٩٦٢١] أحمد بن أبي دؤاد القاضي وهو أحمد بن أبي دواد- اسم أبي دواد: فرج- وقيل: دعميّ «١» - بن جرير «٢» بن مالك ابن عبد الله بن عبّاد بن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن مالك بن قنص «٣» بن منعة بن برجان «٤» بن دوس بن الدّئل بن أميّة بن حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان. قدم دمشق في صحبة المعتصم مجتازا إلى مصر. حماها الله تعالى. قال المأمون «٥» لأحمد بن أبي دؤاد: ما اسم أبيك؟ قال: هو اسمه. يعني الكنية. والصحيح «٦» أن اسمه كنيته. ولي ابن أبي دؤاد قضاء القضاة للمعتصم ثم للواثق، وكان موصوفا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية «٧» ، وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن. [قال أبو بكر الخطيب] : [أخبرني الصيمري، أخبرنا المرزباني، أخبرني الصولي. حدثنا الحسين بن فهم قال] «٨» : قال ابن النطاح: أحمد بن أبي دؤاد من قبيلة يقال لهم بنو زهر، إخوة قوم يعرفون بحذاق. قال الصولي «١» : وذكر أبو تمام الطائي هذا في خطابه لابن أبي دؤاد فقال: فالغيث من زهر سحابة رأفة والرّكن من شيبان طود حديد لأن ابن أبي دؤاد كان غضب عليه فشفع فيه خالد بن يزيد الشيباني فلتلك قال «٢» : والركن من شيبان … وحكى الصولي عن أبي العيناء عنه أنه قال: ولدت سنة ستين ومئة بالبصرة «٣» . [قال أبو بكر الخطيب] «٤» : [أخبرني الصيمري قال: حدثنا المرزباني، حدثني اسماعيل بن محمد عن محمد بن يزيد قال] «٥» : قال أبو الهذيل «٦» : دخلت على ابن أبي دؤاد وابن أبي حفصة ينشده: فقل للفاخرين على نزار ومنها خندف وبنو إياد رسول الله والخلفاء منّا ومنّا أحمد بن أبي دؤاد فقال لي أبو عبد الله: كيف تسمع يا أبا الهذيل؟ فقلت: هذا «يضع الهناء مواضع النّقب» «٧» . [وقال المرزباني: أخبرني علي بن يحيى قال] «٨» : قال أبو هفان «١» : لما قال مروان بن أبي الجنوب «٢» في ابن أبي دؤاد: رسول الله والخلفاء منّا ومنا أحمد بن أبي دؤاد قلت: أنقض عليه: فقل للفاخرين على نزار وهم في الأرض سادات العبادرسول الله والخلفاء منا ونبرأ من دعيّ بني إياد وما منا إياد إذ أقرّت بدعوة أحمد بن أبي دواد فقال «٣» ابن أبي دؤاد: ما بلغ مني أحد ما بلغ هذا الغلام المهزميّ، لولا أني أكره أن أنبّه عليه لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد مثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها، عروة بعروة. قال يعقوب بن أبي إسحاق الصائغ: لما وجّه المأمون بأبي إسحاق المعتصم إلى مصر وعقد له من باب الأنبار «٤» إلى أقصى الغرب قال ليحيى بن أكثم «٥» : ينبغي أن ترتاد لي رجلا لبيبا، له علم وأمانة، أنفذه مع أبي إسحاق، وأولّيه المظالم في أعماله، وأتقدم إليه سرّا بمكاتبتي سرّا بأخباره وما يجري عليه أموره، وبما يظهر ويبطن، وما يرى من أمور قواده وخاصّته، وكيف تدبيره في الأموال وغيرها، فإنّي لست أثق بأحد ممن يتولّى البريد، وما أحب أن أجشمه بتقليد صاحب البريد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، عندي رجل من أصحابه أثق بعقله ورأيه وصدقه، فقال: جئني به في يوم كذا. فصار يحيى بأحمد بن أبي دؤاد إلى المأمون فكلّمه فوجده فهما راجحا فقال له: أريد إنفاذك مع أخي أبي إسحاق وأريد أن تكتب بأخباره سرّا وتفتقد أحواله وأموره وتدبيره وخبر خاصته وخلواته، وتنفذ كتبك بذلك إلى يحيى بن أكثم مع ثقاتك، فقال له أحمد: أبلغ لك في ذلك فوق ما قدرته عندي، فجمع المأمون بين أحمد بن أبي دؤاد وبين المعتصم وقال: قد اخترت لك هذا الرجل، فضمّه إليك، فأخذه المعتصم. فلما بلغوا الأنبار وافت كتب البريد بموافاة المعتصم للأنبار، فقال المأمون ليحيى: ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك؟ فقال يحيى: لعله يا أمير المؤمنين لم يحدث خبر تجب المكاتبة به. وكتب يحيى إلى أحمد يعنّفه ويخبره إنكار أمير المؤمنين تأخّر كتبه، فوقف أحمد على الكتاب واحتفظ به ولم يجب عنه، وشخص المعتصم حتى وافى الرحبة «١» ، ولم يكتب أحمد بحرف واحد من أخبار المعتصم، وكتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم للرحبة وأخبار عسكره، فتضاعف إنكار المأمون على يحيى، وكتب يحيى إلى أحمد وأغلظ له المخاطبة وأسمعه المكروه، فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به. وسار المعتصم من الرحبة حتى وافى الرقة «٢» فتضاعف إنكار المأمون على يحيى وقال له: يا سخين العين «٣» ، هذا مقدار رأيك وعقلك اللئيم إلّا أن تكون غررتني متعمدا. فكتب إلى أحمد كتابا يشتمل على إيعاد، وإرهاب، وتحذير، وتخويف، وخاطبه بأفحش مخاطبة؛ فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به. وأمر المأمون عمرو بن مسعدة «٤» أن يكتب إلى المعتصم يأمره بالبعثة بأحمد بن أبي دؤاد مشدودة يده إلى عنقه مثقلا بالحديد محمولا على غير وطاء «٥» ، فورد الكتاب على المعتصم. ودخل أحمد بن أبي دؤاد إليه وهم بالرّقّة ما جاوزوها، فرأى المعتصم كئيبا، مغموما، فقال: أيها الأمير، أراك مفكرا، وأرى لونك حائلا. فقال: نعم، الكتاب ورد عليّ من أجلك، ونبذ إليه بالكتاب، فقرأه أحمد، فقال له المعتصم: تعرف لك ذنبا يوجب ما كتب به أمير المؤمنين؟ قال: ما اقترفت ذنبا، إلّا أن أمير المؤمنين لا يستحلّ هذا مني إلّا بحجة، فما الذي عند الأمير فيما كتب به إليه؟ فقال: أمر أمير المؤمنين لا يخالف، لكني أعفيك من الغلّ والحديد وأحملك على حال لا توهنك «١» ، وأوجهك مع غلام من غلماني أتقدم إليه بترفيهك وأن لا يعسفك «٢» ، فشكره وقال: إن رأيت أن تأذن لي في المصير إلى منزلي ومعي من يراعيني «٣» إلى أن أعود فافعل. فقال له: امض ووجّه معه خادما، فصار أحمد إلى منزله واستخرج الكتب الثلاثة ورجع إلى المعتصم فأقرأه إياها، وقال: إنما بعثت لأكتب بأخبارك وأتفقّد أحوالك، وأكاتب يحيى بذلك ليقرأه على أمير المؤمنين، فخالفت ذلك لما رجوته من الحظوة عندك ولما أمّلته منك، فاستشاط المعتصم غضبا، وكاد يخرج من ثيابه غيظا، وتكلم في يحيى بكلّ مكروه، وتوعّده بكلّ بلاء، وقال لأحمد: يا هذا، لقد رعيت «٤» لنا رعاية لم يتقدمها إحساننا إليك، وحفظت علينا ما نرجو أن يتسع لمكافأتك عليه، ومعاذ الله أن أسلمك أو تنالك يد ولي قدرة على منعها منك، أو أوثر خاصة أو حميما عليك ما امتد بي عمر، فكن معي فأمرك نافذ في كلّ ما ينفذ فيه أمري، ولم يجب المأمون على كتابه، ولم يزل معه إلى أن ولي الخلافة، وإلى أن ولي الواثق، وإلى أيام المتوكل، فأوقع به. نقلته مختصرا. قال أبو نصر بن ماكولا «٥» : دؤاد: بضم الدال المهملة وفتح الواو المخففة: أحمد بن أبي دواد قاضي المعتصم والواثق، [واسم أبي دواد فرج] «٦» كان موصوفا بجودة الرأي والكرم، وهو الذي امتحن العلماء بالقول في القرآن، وبدعوتهم إلى خلق القرآن «٧» . [قال أبو بكر الخطيب] «١» : [أخبرني الصيمري، أخبرنا المرزباني أخبرني محمد بن يحيى، قال] «٢» : كان يقال «٣» : أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ثم ابن أبي دؤاد، لولا ما وضع [به] «٤» نفسه من محبة المحنة لا جتمعت الألسن عليه، ولم يضف إلى كرمه كرم أحد. وكان شاعرا مجيدا فصيحا بليغا «٥» . قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسا أفصح ولا أنطق من ابن أبي دواد «٦» . حدث حريز «٧» بن أحمد بن أبي دواد أبو مالك قال «٨» : كان أبي إذا صلّى رفع يده إلى السماء وخاطب ربه وأنشأ يقول: ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنّما نجح الأمور بقوّة الأسبابفاليوم حاجتنا إليك وإنّما يدعى الطبيب لساعة «٩» الأوصاب قال محمد بن بوكرد «١٠» : لم يكن لقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد أخ من الإخوان إلّا بنى دارا على قدر كفايته، ثم وقف على ولد الإخوان ما يغنيهم أبدا، ولم يكن لأحد من إخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له. [قال أبو بكر الخطيب] : [أخبرنا الصيمري حدثنا المرزباني، أخبرني الصولي، حدثني أحمد بن إسماعيل حدثني سعيد بن حميد قال] «١» : دخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام؟ قال: إنما يعتب على واحد، وأنت الناس جميعا فكيف يعتب عليك؟ فقال: من أين هذه يا أبا تمام؟ قال: من قول الحاذق- يعني: أبو نواس- للفضل به الربيع: وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد قال علي الرازي «٢» : رأيت أبا تمام عند ابن أبي دؤاد، ومعه رجل ينشد عنه: لقد أنست مساوىء كلّ دهر محاسن أحمد بن أبي دؤاد وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواك راحلتي وزادي يقيم «٣» الظنّ عندك والأماني وإن قلقت ركابي في البلاد فقال ابن أبي دؤاد: هذا المعنى تفردت به أو أخذته؟ قال: هو لي وقد ألمحت فيه بقول أبي نواس «٤» : وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني قال مسبّح بن حاتم «٥» : لقيني قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد فقال بعد أن سلّم عليّ: ما يمنعك أن تسألني؟ فقلت له: إذا سألتك فقد أعطيتك ثمن ما أعطيتني. فقال لي: صدقت. وأنفذ إليّ خمسة آلاف درهم. قال أبو خليفة الفضل بن الحباب «١» : كان في جوارنا رجل حذّاء «٢» فاحتاج في أمر له أن يتظلم إلى الواثق [فشخص إلى سرّ من رأى، ثم عاد] «٣» فأخبرنا أنه رفع قصته إليه فأمر بردّه إلى ابن أبي دؤاد مع جماعة من المتظلمين قال: فحضرت إليه ينظر في أمور الناس، وتشوّفت «٤» لينظر في أمري فأومأ إليّ بالانتظار، فانتظرت حتى لم يبق أحد فقال لي: أتعرفني؟ قلت: ولا أنكر القاضي. قال: ولكني أعرفك، مضيت يوما في الخلاء «٥» فانقطعت نعلي، وأعطيتني شسعا لها، فقلت لك: إنّي أجيئك بثواب ذلك، فتكرهت قولي، وقلت: وما مقدار ما فعلت، امض في حفظ الله، والله لأصلحنّ زمانك كما أصلحت نعلي، ثم وقع لي في ظلامتي، ووهب لي خمس مئة درهم، وقال: زرني في كل وقت. قال: فرأيناه بمتسع الحال بعد أن رأيناه مضيّقا. حدث أبو مالك حريز بن أحمد بن أبي دؤاد قال «٦» : قال الواثق يوما لأبي- تضجرا «٧» بكثرة حوائجه-: يا أحمد، قد اختلت بيوت الأموال بطلبائك «٨» ، اللائذين بك والمتوسلين إليك فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتّصال الألسن بحلو المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله، والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوّي من همتك، فتناولنا بما أحببت. [قال أبو بكر الخطيب] «٩» : [أخبرني الحسين بن علي الحنفي، حدثنا محمد بن عمران الكاتب، حدثنا الصولي] «١» ، حدثنا الحارث بن [أبي] «٢» أسامة «٣» : أمر الواثق لعشرة من بني هاشم بعشرة آلاف درهم على يد ابن أبي دؤاد، فدفعها إليهم فكلمه نظراؤهم ففرق فيهم عشرة آلاف درهم لعشرة مثل أولئك من عنده على أنها من عند الواثق، فبلغه ذلك فقال له: يا أبا عبد الله، مالنا أكثر من مالك، فلم تغرم وتضيف ذلك إلينا؟ فقال: والله، يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أجعل ثواب حسناتي لك، وأجهد في عمل غيرها لفعلت، وكيف أبخل بمال أنت ملكتنيه، على أهلك الذين يكثرون الشكر، ويتضاعف بهم الأجر؟ قال: فوصله بمئة ألف درهم، ففرّق جميعها في بني هاشم. قال محمد بن عمرو الرومي «٤» : ما رأيت قط أجمع رأيا من ابن أبي دؤاد، ولا أحضر حجة، قال له الواثق: يا عبد الله، رفعت إليّ رقعة وفيها كذب كبير، قال: ليس بعجب أن أحسد على منزلتي من أمير المؤمنين، فيكذب عليّ قال: زعموا فيها أنك ولّيت القضاء رجلا ضريرا. قال: قد كان ذاك، وأمرته أن يستخلف، وكنت «٥» عازما على عزله حين أصيب ببصره، فبلغني أنه عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت ذلك له. قال: وفيها أنك أعطيت شاعرا ألف دينار- يعني أبا تمام «٦» - قال: ما كان ذلك ولكن أعطيته دونها، وقد أثاب رسول الله ﷺ كعب بن زهير الشاعر، وقال في آخر «٧» : «اقطع عني لسانه» . وهذا شاعر طائي مدّاح لأمير المؤمنين مصيب محسن، لو لم أرع له إلّا قوله للمعتصم صلوات الله عليه في أمير المؤمنين أعزه الله «٨» : واشدد «١» بهارون الخلافة إنّه سكن لوحشتها ودار قرار ولقد علمت بأنّ ذلك معصم ما كنت تتركه بغير سوار قال: فوصل أبا تمام بخمس مئة دينار. قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي «٢» : قال أبو تمام حبيب بن أوس «٣» : أيسلبني ثراء المال ربّي وأطلب ذاك من كفّ جماد زعمت إذا بأنّ الجود أمسى له ربّ سوى ابن أبي دؤاد [قال أبو بكر الخطيب] «٤» : [أخبرني محمد بن الحسين القطان، أخبرنا محمد بن الحسن النقاش، أن أحمد بن يحيى ثعلبا أخبرهم قال] «٥» : أخبرنا ابن الأعرابي قال «٦» : سأل رجل قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد أن يحمله على عير فقال: يا غلام، أعطه عيرا وبغلا وبرذونا وفرسا وجارية ثم قال: أما والله لو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك. [فشكر له الرجل، وقاد ذلك له ومضى] «٧» . قال أبو العيناء «٨» : ما رأيت في الدنيا أحدا أحرص على أدب من ابن أبي دؤاد، ولا أقوم على أدب منه، وذلك أنّي ما خرجت من عنده يوما قط فقال: يا غلام خذ بيده، بل كان يقول: يا غلام أخرج معه، فكنت أنتقد «٩» هذه الكلمة عليه، فلا يخلّ بها ولا أسمعها من غيره. قال عون بن محمد الكندي «١» : عهدي بالكرخ ببغداد وإن رجلا لو قال: ابن أبي دؤاد مسلم قتل في مكانه، ثم وقع الحريق في الكرخ وهو الذي ما كان مثله قط، فكلم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس وقال: يا أمير المؤمنين، رعيتك في بلد آبائك ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر فاعطف عليهم بشيء يفرّق فيهم يمسك أرماقهم، ويبنون به ما انهدم عليهم، ويصلحون به أحوالهم، فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن فرّقها عليهم غيري خفت ألا تقسم بالسويّة، فائذن لي في تولّي أمرها ليكون الأجر أكبر والثناء أوفر «٢» . قال: ذلك إليك، فقسمها على مقادير الناس، وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط، واحتاج إلى زيادة فازدادها من المعتصم. وغرم من ماله في ذلك غرما كبيرا، فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها. قال عون: فلعهدي بالكرخ بعد ذلك وإن إنسانا لو قال: زرّ ابن أبي دؤاد وسخ لقتل. حدث علي بن الحسين الأسكافي قال «٣» : اعتل أحمد بن أبي دؤاد فعاده المعتصم فقام فتلقاه وقال له: قد شفاني الله بالنظر إلى أمير المؤمنين، فدعا له بالعافية وقال له: إنّي نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار فقال له: يا أمير المؤمنين، اجعلها لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا «٤» ، فقال: نويت أن أتصدّق بها ها هنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها، ثم نهض فقال له: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين، فإنك كما قال النّمريّ لأبيك الرشيد: إنّ المكارم والمعروف أودية أحلّك الله منها حيث تجتمع من لم يكن بأمين الله معتصما فليس بالصّلوات الخمس ينتفعفقيل للمعتصم في ذلك، لأنه عاده وليس يعود إخوته وأخلاء «٥» أهله، فقال المعتصم: كيف لا أعود رجلا ما وقعت عيني عليه قط إلّا ساق إليّ أجرا، أو أوجب لي شكرا، أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه قط. قال محمد بن عبد الملك الزيات «١» : كان رجل من ولد عمر بن الخطاب لا يلقى أحمد بن أبي دؤاد في محفل ولا وحده إلّا لعنه ودعا عليه، وابن أبي دؤاد لا يردّ عليه شيئا. قال: فعرضت لذلك الرجل حاجة إلى المعتصم فسألني أن أرفع له قصته إليه، فمطلته واتقيت «٢» ابن أبي دؤاد، فلما ألحّ عليّ عزمت على أن أوصل قصته، وتذممت من مطلبي «٣» . فدخلت ذات يوم على المعتصم وقصته معي واعتنمت غيبة ابن أبي دؤاد فرفعت قصته إليه، فهو يقرأها إذ دخل ابن أبي دؤاد والقصة في يد المعتصم، فلما قرأها دفعها إلى ابن أبي دؤاد، فلما نظر إليها، واسم الرجل في أولها قال: يا أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، يا أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، ينبغي أن يقضى لولده كلّ حاجة له، فوقّع له أمير المؤمنين بقضاء الحاجة. قال محمد بن عبد الملك: فخرجت والرجل جالس فدفعت إليه القصة وقلت له: تشكّر لأبي عبد الله القاضي فهو الذي اعتنق «٤» قصتك، وسأل أمير المؤمنين في قضاء حاجتك. قال: فوقف حتى خرج ابن أبي دؤاد، فجعل يدعو له ويتشكر له، فقال له: اذهب عافاك الله فإنّي إنما فعلت ذلك لعمر بن الخطاب لا لك. قال إسحاق بن إبراهيم «٥» : كنت عند الواثق يوما، وهو بالنجف «٦» ، فدخل ابن أبي دؤاد، فقعد معنا نتحدث ولم يك خرج الواثق بعد، فقال لي أحمد بن أبي دؤاد: يا إسحاق قلت: لبيك، قال: أعجبني هذان البيتان، قلت: أنشدني فما أعجبك من شيء ففيه السرور، فأنشدني: ولي نظرة لو كان يحبل ناظر بنظرته أنثى لقد حبلت منّي فإن ولدت ما بين تسعة أشهر إلى نظري أنثى فإن ابنها ابني «١» فقلت: قد أجاد، ولكني أنشدك بيتين أرجو أن يعجباك قال: هات، فأنشدته: ولما رمت بالطّرف غيري ظننتها كما أثّرت بالطّرف توثر بالقلب وإنّي بها في كل حال لواثق ولكنّ سوء الظّن من شدّة الحبّقال: أحسنت يا إسحاق، وخرج الواثق فقال: فيم أنتم! فحدثه ابن أبي دؤاد وأنشده، فأمر له «٢» بعشرة آلاف درهم، وأمر لابن أبي دؤاد بثلاثين ألفا، فلما رجعت إلى منزلي أصبت في منزلي أربعين ألفا فقلت: ما هذا؟ فقيل وجّه إليك أبو عبد الله بهذا. [قال أبو بكر الخطيب] «٣» : [أخبرني الحسين بن علي النخعي، حدثنا محمد بن عمران، أخبرني ابن دريد] «٤» قال الحسن بن خضر «٥» : كان ابن أبي دؤاد مألفا «٦» لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم إليه جماعة يعولهم ويمونهم. فلما مات اجتمع ببابه جماعة منهم فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم وتاريخ الأدب ولا نتكلم فيه؟ إنّ هذا لوهن وتقصير، فلما طلع سريره قام ثلاثة نفر فقال أحدهم: اليوم مات نظام الفهم واللّسن ومات من كان يستعدى «٧» على الزّمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت شمس المعارف «٨» في غيم من الكفن وتقدم الثاني فقال: ترك المنابر والسّرير تواضعا وله منابر لو يشا وسرير ولغيره يجبى الخراج وإنما تجبى إليه محامد وأجور وقام الثالث فقال: وليس نسيم المسك «١» ريح حنوطه ولكنّه ذاك الثّناء المخلّف وليس صرير النّعش ما تسمعونه «٢» ولكنها أصلاب قوم تقصّف قال الحسن بن ثواب «٣» : سألت أحمد بن حنبل عمن يقول القرآن مخلوق قال: كافر. قلت فابن أبي دؤاد؟ قال: كافر بالله العظيم. قلت: بماذا كفر؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال الله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [سورة البقرة، الآية: ١٢٠] فالقرآن من علم الله، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. قال علي بن الموفق «٤» : ناظرت قوما أيام المحنة. قال: فنالوني بما أكره، فعدت إلى منزلي وأنا مغموم بذلك، فقدمت إليّ امرأتي عشاء، فقلت لها: لست آكل، فرفعته، ونمت فرأيت النبي ﷺ في النوم داخل المسجد وفي المسجد حلقتان يعني: إحداهما فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، والأخرى فيها ابن أبي دؤاد وأصحابه، فوقف بين الحلقتين وأشار بيده فقال: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ [سورة البقرة، الآية: ١٢٠] وأشار إلى حلقة ابن أبي دؤاد فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [سورة الأنعام، الآية: ٨٩] وأشار إلى الحلقة التي فيها أحمد بن حنبل. قال محمد بن يحيى الصولي: كان المتوكل يوجب لأحمد بن أبي دؤاد ويستحيي أن ينكبه، وإن كان يكره مذهبه، لما كان يقوم به من أمره أيام الواثق، وعقد الأمر له والقيام به من بين الناس، فلما فلج أحمد بن أبي دؤاد في جمادى الآخرة «٥» سنة ثلاث وثلاثين ومئتين أول ما ولي المتوكل الخلافة ولّى المتوكل ابنه محمد بن أحمد أبا الوليد القضاء ومظالم العسكر مكان أبيه، ثم عزله عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة أربعين ومئتين، ووكل بضياعه وضياع أبيه ثم صولح على ألف ألف دينار، وأشهد على ابن أبي دؤاد وابنه بشراء ضياعهم وحدرهم إلى بغداد، وولى يحيى بن أكثم ما كان إلى ابن أبي دؤاد «١» . وهجاهما علي بن الجهم وغيره، [ومما قاله علي بن الجهم يهجو أحمد بن أبي دؤاد، يشمت به لما نفاه المتوكل] «٢» : [يا أحمد بن أبي دؤاد دعوة بعثت إليك جنادلا وحديدا ما هذه البدع التي سميتها بالجهل منك العدل والتوحيدا أفسدت أمر الدين حين وليته ورميته بأبي الوليد وليدا] «٣» [وقال علي بن الجهم لما فلج أحمد بن أبي دؤاد] «٤» : [لم يبق منك سوى خيالك لامعا فوق الفراش ممهدا بوساد فرحت بمصرعك البرية كلها من كان منهم موقنا بمعاد إن الأسارى في السجون تفرجوا لما أتتك مواكب العواد] «٥» قال محمد بن الواثق «٦» الذي يقال له المهتدي بالله «٧» : كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ مخضوب «٨» مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه- يعني ابن أبي دؤاد- قال: فأدخل الشيخ [والواثق] «٩» في مصلّاه. قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدّبك مؤدّبك. قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [سورة النساء، الآية: ٨٦] والله ما حييتني بها ولا أحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم، فقال له: كلّمه. فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني- يعني ولي السؤال- فقال له: سل، فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه؟ فقال: سبحان الله شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟!. قال: فخجل، وقال: أقلني: قال: والمسألة بحالها، قال: نعم، قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر، وعثمان، وعلي، والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه؟. فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه، قال: أفلا وسعك ما وسعهم. قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت، سبحان الله شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه؟ أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثم دعا عمارا الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربع مئة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدا. ومما قيل في ابن أبي دؤاد: إلى كم تجعل الأعراب طرّا ذوي الأرحام منك بكلّ واد تضمّ على لصوصهم جناحا لتثبت دعوة لك في إيادفأقسم أنّ رحمك في إياد كرحم بني أميّة من زيادقال عبد العزيز بن يحيى المكي «١» : دخلت على أحمد بن أبي دؤاد، وهو مفلوج، فقلت: إني لم آتك عائدا، ولكني جئت لأحمد الله على أن سجنك في جلدك. قال أبو يوسف يعقوب بن موسى بن الفيرزان «١» ابن أخي معروف الكرخي قال «٢» : رأيت في المنام كأني وأخا لي نمرّ على نهر عيسى «٣» على الشط، وطرف عمامتي بيد أخي هذا، فبينا نحن نمشي إذا امرأة تقول لصديقي هذا: ما تدري ما حدث الليلة؟ أهلك الله ابن أبي دؤاد. فقلت أنا لها: وما كان سبب هلاكه؟ قالت: أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات. قال يوما سفيان بن وكيع لأصحابه «٤» : تدرون ما رأيت الليلة؟ - وكانت الليلة التي رأوا فيها النار ببغداد وغيرها- قال: رأيت كأن جهنم زفرت فخرج منها اللهب، أو نحو هذا الكلام. فقلت: ما هذا؟ قال: أعدّت لابن أبي دؤاد. قال المغيرة بن محمد المهلبي «٥» : مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد- وهو وأبوه منكوبان- في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومئتين، ومات أبوه في المحرم سنة أربعين ومئتين يوم السبت لتسع «٦» بقين منه فكان بيته وبين ابنه شهر أو نحوه، ودفن في داره ببغداد وصلّى عليه ابنه العباس. [قال أبو روق الهزاني: حكى لي ابن ثعلبة الحنفي عن أحمد بن المعذل أن ابن أبي دؤاد كتب إلى رجل من أهل المدينة: إن تابعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت حسن المكافأة. فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة، الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، تعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه. ولا نعلم خالقا إلّا الله، وما سواه مخلوق إلّا القرآن، فإنه كلام الله] «١» . [قال أبو بكر الخطيب] «٢» : [أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق حدثنا إبراهيم الختلي، حدثنا أبو يعقوب- يعني ابن أخي معروف الكرخي قال: أخبرني من أثق به من إخواننا قال: رأيت في المنام كأن أبي التقم يدي اليمني فقال لي أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ منهم ابن أبي دؤاد إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ قال: إسحاق. وحدثني أبو عبد الله البراثي- صديقنا وكان من الأبدال- قال رأيت قبل دخول الناس بغداد كأن قائلا يقول لي: ما علمت ما فعل الله بابن أبي دؤاد؟ حسر لسانه فأخرسه، وجعله للناس آية. قرأت على محمد بن الحسين القطان عن دعلج بن أحمد عن أحمد بن علي الأبار، حدثنا الحسن بن الصباح قال: سمعت خالد بن خداش قال: رأيت في المنام كأن آتيا أتاني بطبق فقال: اقرأه فقرأت، بسم الله الرحمن الرحيم، ابن أبي دؤاد يريد أن يمتحن الناس فمن قال: القرآن كلام الله كسي خاتما من ذهب فصه ياقوتة حمراء، وأدخله الله الجنة وغفر له، أو قال: غفر له، ومن قال: القرآن مخلوق جعلت يمينه يمين قرد، فعاش بعد ذلك يوما أو يومين ثم يصير إلى النار] «٣» . [قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الوليد يقول: استتيب ابن أبي دؤاد من القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات. يتوب ثم يرجع] «٤» . [قال ابن خلكان] «١» : [قيل: إن أصلهم من قرية قنسرين، واتجر أبوه إلى الشام وأخرجه معه وهو حدث فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام حتى بلغ ما بلغ وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء. فصار إلى الاعتزال. وقال إبراهيم بن الحسن: كنا عند المأمون فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دؤاد، فعدهم واحدا واحدا بأسمائهم وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلا فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه ومن كلام أحمد: ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير] «٢» .