page 31844, entry [9843]Open original source
[٩٥٩٥] أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطّيّب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي من أهل الكوفة. قدم دمشق ومدح بها. قال أبو بكر الخطيب «١» : بلغني أنه ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاث مئة، ونشأ بالشام، وأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، ونظر في أيام الناس، وتعاطى قول الشعر من حداثته حتى بلغ فيه الغاية التي فاق أهل عصره، وعلا شعراء وقته. واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف بسيف الدولة وانقطع إليه وأكثر مديحه. ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافورا «٢» الخادم، وأقام هناك مدة. ثم [خرج من مصر و] «٣» ورد العراق ودخل بغداد، وجالس بها أهل الأدب، ة وقرىء عليه ديوانه. قال أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم الفرضي «٤» قال: لما ورد المتنبي بغداد سكن في ربض حميد» . قال: فمضيت إلى الموضع الذي نزل فيه لأسمع منه شيئا من شعره، فلم أصادفه، فجلست أنتظره وأبطأ عليّ، فانصرفت من غير أن ألقاه، ولم أعد إليه بعد ذلك. وقد كان القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي سمع منه ديوانه ورواه عنه «٦» . قال أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي الزيدي «٧» : كان المتنبي وهو صبي نزل في جواري بالكوفة، وكان يعرف أبوه بعيدان «٨» السقا يستقي لنا ولأهل المحلّة، ونشأ هو محبا للعلم والأدب [فطلبه] «١» وصحب الأعراب في البادية، فجاءنا بعد سنين بدويا قحا. وقد كان تعلم الكتابة والقراءة، فلزم أهل العلم والأدب. وأكثر ملازمة الوراقين وكان علمه من دفاترهم. [قال الزيدي] : «٢» فأخبرني وراق كان يجلس إليه قال: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عيدان «٣» قطّ. كان عندي اليوم فأحضر رجل كتابا من كتب الأصمعي يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ينظر فيه طويلا فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر «٤» ، فقال له ابن عيدان: فإن كنت قد حفظته في هذه المدة فما لي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب. قال: فأقبل يتلوه إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كمه، وقام فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل قد وهبته لي. قال: فمنعناه منه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه. وكان عيدان والد المتنبي يذكر أنه من جعفيّ، وكانت جدة المتنبي همدانية صحيحة النسب لا شك فيها «٥» . وكانت صالحة من صلحاء النساء الكوفيات. [قال ابن العديم] «٦» : [أنبأنا «٧» تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن عمي قال: قال لنا هبة الله بن عبد الله بن أحمد الواسطي: قال لنا أبو بكر الخطيب: عيدان، بكسر العين وبالياء المعجمة باثنتين من تحتها، هو والد أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، كان يعرف بعيدان السقاء] . قال التنوخي «٨» : قال أبي «٩» : فاتفق مجيء المتنبي بعد سنين إلى الأهواز منصرفا من فارس [فذكرته «١» بأبي الحسن «٢» ، فقال: تربي وصديقي وجاري بالكوفة وأطراه ووصفه] وسألته عن نسبه، فما اعترف لي به. وقال: أنا رجل أخيط «٣» القبائل، وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بينها وبين القبيلة التي انتسبت إليها، وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني. قال «٤» : واجتمعت بعد موت المتنبي بسنين مع القاضي أبي الحسن ابن أم شيبان الهاشمي الكوفي، وجرى ذكر المتنبي فقال: كنت أعرف أباه بالكوفة شيخا يسمى عيدان يستقي على بعير له، وكان جعفيا صحيح النسب. قال: وقد كان المتنبي لما خرج إلى كلب وأقام فيهم ادّعى أنه علوي حسنيّ، ثم ادّعى بعد ذلك النبوّة، ثم عاد يدّعي أنه علوي، إلى أن أشهد «٥» عليه بالشام بالكذب في الدعوتين، وحبس دهرا طويلا وأشرف على القتل، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق. قال أبو علي بن أبي حامد «٦» : سمعت خلقا بحلب يحكون- وأبو الطّيّب بها إذ ذاك- أنه تنبّأ في بادية السماوة «٧» ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية، فقاتله وأسره وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه دهرا طويلا فاعتلّ وكاد أن يتلف، فسئل في أمره فاستتابه وكتب عليه وثيقة أشهد عليه فيها ببطلان ما ادّعاه ورجوعه إلى الإسلام [وأنه تائب منه ولا يعاود مثله] «١» وأطلقه. [قال] : وكان قد تلا على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه، وكانوا يحكون له سورا كثيرة منها: والنجم السيار، والفلك الدوّار، والليل والنهار، إنّ الكافر لفي أخطار، امض على سننك، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضل عن سبيله. وهي طويلة. قال: وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة ونحن إذ ذاك بحلب نذكر هذا القرآن وأمثاله فينكره ويجحده. قال: وقال له ابن خالويه النحوي «٢» يوما في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن متنبي معناه كاذب، ومن رضي أن يدعى بالكذب فهو جاهل، فقال له: أنا لست أرضى أن أدعى بهذا وإنما يدعوني به من يريد الغضّ مني، ولست أقدر على الامتناع «٣» . [قال أبو بكر الخطيب] : [قال لنا التنوخي، قال لي أبي: فأما أنا، فإني سألته بالأهواز في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة عند اجتيازه بها إلى فارس، في حديث طويل جرى بيننا، عن معنى المتنبي، لأني أردت أن أسمع منه هل تنبأ أم لا؟ فأجابني بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء كان في الحداثة أوجبته الصورة، فاستحييت أن أستقصي عليه وأمسكت] «٤» . قال أبو علي بن [أبي] «٥» حامد «٦» : قال [لي] «٧» أبي: ونحن بحلب، وقد سمع قوما يحكون عن المتنبي هذه السورة «٨» ، فقال: لولا جهله!! أين قوله: امض على سننك.. إلى آخر الكلام، من قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر، الآية: ٩٤] إلى آخر القصة، وهل تتقارب الفصاحة أو يشتبه الكلامان؟! وعيدان: بكسر العين وبالياء المعجمة باثنتين من تحتها هو والد أبي الطيب المتنبي، وكان يعرف بعيدان السقاء. [قال ابن العديم] : [قدم الشام في صباه وجال في أقطارها، وصعد بعد ذلك إلى الديار المصرية، وكان بها في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ثم قدم حلب وافدا على الأمير سيف الدولة أبي الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، ومادحا له، فأكرمه ونفق عليه، وصار خصيصا به، ملازما له حضرا وسفرا إلى أن خرج من حلب غضبان بسبب كلام وقع بينه وبين ابن خالويه في مجلس سيف الدولة فضربه ابن خالويه بمفتاح. وكان ابن خالويه مؤدب ولدي الأمير سيف الدولة أبي المكارم وأبي المعالي، فظفرت بجزء بخط ابن خالويه ذكر فيه ما يحفظه الأميران المذكوران، فذكر أنواعا من الفقه والأدب وأشعار العرب وقال في جملتها: ويحفظان من شعر الشاعر المعروف بالمتنبي كذا وكذا قصيدة، وعينها، ولم يذكر أنهما يحفظان لغيره من العصريّين شيئا، وهذا يدل على عظم قدره وجلالة أمره في ذلك الزمان. روى عن أبي الطيب: القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، وأبو الفتح عثمان بن جني النحوي، وأبو محمد الحسن بن علي بن الصقر الكاتب، وأبو الحسن علي بن أيوب بن الحسين بن الساربان، والأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه، وأبو عبد الله بن باكويه الشيرازي، وأبو الحسن علي بن عيسى الربعي، وأبو القاسم بن الحسن الحمصي، وعبد الصمد بن زهير بن هارون بن أبي جرادة، ومحمد بن عبد الله بن سعد النحوي، وعبد الله بن عبيد الصفري الشاعر الحلبي، وعبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الجوع الوراق المصري، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله ابن المغربي، وأبو بكر الطائي، وأبو القاسم النيلبختي، وأبو محمد الحسن بن عمر بن إبراهيم، وأبو العباس بن الحوت، وجماعة سواهم. [قال ابن أبي الجوع الوراق المصري: سألت أبا الطيب المتنبي عن مولده ومنشئه؟ فقال: ولدت بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة في كندة، ونشأت بها ودخلت مدينة السلام، ودرت الشام كله سهله وجبله. قال علي بن أيوب بن الحسن بن الساربان: ولد أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن المتنبي بالكوفة في محلة كندة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقال الشعر وهو صبي في المكتب] «١» . [التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاثمائة، ومدح كافورا الإخشيدي وأنوجور ابن الأخشيذ، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليله عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة، ووجه كافور خلفه رواحله إلى جهات شتى فلم يلحق، وكان كافور قد وعده بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خانه، وعوتب فيه فقال: يا قوم، من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ أما يدعي المملكة بعد كافور؟ فحسبكم] «٢» . [قال السمعاني: أنشدنا الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه قال: أنشدنا المتنبي: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بدّ قال: قيل للمتنبي: على من تنبأت؟ قال: على الشعراء. فقيل: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت] «٣» . ولما هرب المتنبي الشاعر من مصر، وصار إلى الكوفة، وقام بها وصار إلى ابن العميد «٤» فمدحه «٥» ، فقيل إنه صار إليه منه ثلاثون ألف دينار «٦» . وقال له: تمضي إلى عضد الدولة «١» فمضى من عنده إليه، فمدحه ووصله بثلاثين ألف دينار، وفارقه على أن يمضي إلى الكوفة يحمل عياله ويجيء معهم إليه، وسار حتى وصل إلى النعمانية «٢» بإزاء قرية تقرب منها قال لها بنورا «٣» ، فوجد أثر خيل هناك، فتنسّم خبرها، فإذا خيل قد كمنت له فصادفته لأنه قصدها، فطعن طعنة نكس عن فرسه، فلما سقط إلى الأرض نزلوا فاحتزوا رأسه ذبحا، وأخذوا ما كان معه من المال وغيره، وكان مذهبه أن يحمل ماله معه أين توجّه، وقتل ابنه معه وغلام من جملة خمسة غلمة كانوا معه، وإن الغلام المقتول قاتل حتى قتل «٤» . [قال أبو بكر الخطيب] «٥» : [حدثني علي بن أيوب قال: خرج المتنبي من بغداد إلى فارس، فمدح عضد الدولة وأقاء عنده مديدة، ثم رجع يريد بغداد، فقتل في الطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وثلاثمئة] «٦» . [قال «٧» أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين بن الساربان قال: وخرج يعني المتنبي من شيراز لثمان خلون من شعبان قاصدا إلى بغداد ثم إلى الكوفة حتى إذا بلغ دير العاقول «٨» وخرج منه قدر ميلين، خرج عليه فرسان ورجاله من بني أسد وشيبان فقاتلهم مع غلامين من غلمانه ساعة فقتلوه، وقتل معه أحد الغلامين وهرب الآخر، وأخذوا جميع ما كان معه، وتبعهم ابنه المحسّد «١» طلبا لكتب أبيه فقتلوه أيضا، وذلك كله يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. مدح «٢» عضد الدولة بن بوبه الديلمي فأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصدا إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه عرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضا جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فقتل المتنبي وابنه محسّد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية، في موضع يقال له: الصافية، وقيل: حيال الصافية، من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين] . [ذكر ابن رشيق في كتاب العمدة قال: إن أبا الطيب لما فرّ حين رأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني والحرب والضرب والقرطاس والقلم فكرّ راجعا حتى قتل، وكان سبب قتله هذا البيت] «٣» . [قال أبو القاسم عن أبي غالب شجاع بن فارس بن الحسين الذهلي قال: أنشدني الحكيم أبو علي الحسين بن عبد الرحمن الثقفي النيسابوري لأبي القاسم المظفر الزوزني الكاتب يرثي المتنبي: لا رعى الله سرب هذا الزمان إذ دهانا في مثل ذاك اللسان ما رأى الناس ثاني المتنبي أي ثان برى لبكر الزمانكان في نفسه الكبيرة في جي ش وفي كبرياء ذي سلطان كان في لفظه نبيا ولكن ظهرت معجزاته في المعاني «٤» ] وكان قتل المتنبي يوم الاثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. وحدث أنه لما نزل المنزل الذي رحل منه فقتل جاءه قوم خفراء فطلبوا منه خمسين درهما ليسيروا معه فمنعه الشحّ والكبر، وتقدّموه فكان من أمره ما كان.