page 31168, entry [9522]Open original source
شاعر من الماذرائيين (١) الكتاب الذين كانوا بمصر قدم دمشق وأقام بها مدة مختفيا بدير مران (٢) لأجل ضمان ضمنه بمصر حكى عنه أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء الشاعر (٣) قرأت على أبي غالب بن البنا عن أبي جعفر بن المسلمة أنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين الثوري المحتسب قرأءة عليه نا أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي قال (٤) تأخرت بدمشق عن سيف الدولة مكرها وقد سار عنها في بعض وقائعه وكان الخطر شديدا على من أراد اللحاق به من أصحابه حتى إن ذلك مرديا إلى النهب وطول الاعتقال فاضطررت إلى إعمال الحيلة في ذلك يخدمه من بها من رؤساء الدولة الأخشيدية وكان انقطاعي منهم إلى ابي بكر علي بن صالح الروذباري لتقدمه في الرياسة ومكانه من الفضل والصناعة فأحسن تقبلي (٥) وبالغ في الإحسان إلي وعملت تحت الضرورة في المقام فتوفرت على قصد البقاع الحسنة والمتنزهات المطروقه تسليا وتعللا فلما كان في بعض الأيام عملت على قصد دير مران وهذا الدير مشهور الموقع منها في الجلالة وحسن المنظر فاستصحبت بعض من كنت آنس به وتقدمت بحمل ما يصلحنا وتوجهنا فلما نزلناه قدمنا أمرنا وأخذنا في شأننا (١) وكنت اخترت من رهبانيته لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع وسماحة الأخلاق حسب ما جرى الرسم به في غيشان (٢) الاعمار وطروق الديرة من التطرف بعشرة أهلها والأنسة بسكانها فانصرفت في نظره إلى بعض الرهبان فوجدته إلى خطابة متوثبا ولنظري إليه مترقبا فلما أخذته عيني اكب يزعجني بخفي الغمز ووحي الإيماء فاستوحشت لذلك وأنكرته ونهضت عجلا واستحضرته فأخرج إلي رقعة مختومة وقال لي قد سقط فرض الأمانة مما تضمنته هذه الرقعة ووني وسقط ذمام كاتبها في سترها بك عني ففضضتها فإذا فيها بأحسن خط وأملحه وأقواه وأوضحه بسم الله الرحمن الرحيم لم ازل فيما تؤديه هذه المخاطبة يا مولاي بين حزم يحث على الانقباض عنك وحسن ظن يحض (٣) على التجاور (٤) عن نفيس الحظ منك إلى أن استنزلتني الرغبة على حكم الثقة بك من غير خبرة فرفعت بيني وبينك سجف الحشمة فأطعت بالآنبساط أوامر الأنسة وانتهزت في التوصل إلى مودتك فائت الفرصة والمستماح منك جعلني الله فداك زوره أرتجع ما اغتصبه الأيام من المسرة مهنأة بالانفراد إلا من غلامك الذي هو مادة مسرتك (٥) * وما ذاك عن خلق يضيق بطارق * ولكن لأخذي باجتناب العوائق * فإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولا ولديك نفاقا فمنه غفل الدهر عنها وفارق مذهبة بما أهداه إلي منها وإن جرى على رسمه في المضايقة فيما أوثره وأهواه وأترقبه من قربك وأترجاه فذمام المروءة يلزمك رد هذه الوقعة وسترها وتناسبها واطرح ذكرها إن شاء الله إذا بأبيات تتلو الخطاب وهي * هل لك في صاحب تناسب بال * غربة أخلاقه وبالأدب أوحشه القرب فاستراح إلى * قربك مستنصرا على النوب فإن تقبلت ما حباك به * لم تشن الظن فيك بالكذب وإن أبى الدهر دون بغيتنا (١) * فكن كمن لم يقل ولم يجب * قال أبو الفرج فورد علي ما حيرني (٢) وتحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها الكتابة خطا ونظما ونثرا فشاهدت بالفراسة منألفاظه وخبرت أخلاقه قبل الخبرة من رقعته وقلت للراهب ويحك من هذا وكيف السبيل إليه فقال أما ذكر حاله فإليه إذا اجتمعنا وأما السبيل إلى لقائه فمتسهل إن شئت (٣) قلت دلني قال وتتصيد عذرا تفارق أصحابك منصرفا فإذا حصلت بظاهر الدير عدلت بك إلى باب خفي تدخل منه فرددت الرقعة عليه وقلت ارفعها إليه ليتأكد أنسة لي وسكونه إلي وعرفه أن التوفر على إعمال الحيلة في المصير إلى حضرته على ما أوثره أولى من التشاغل بإصدار جواب أو قطع وقت بمكاتبته ومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به وأنكروا ذلك فاعتذرت إليهم بشئ عرض لي واستدعيت ما أركبه وتقدمت إلى من كان معي ممن يخدم بالتوفر على خدمتهم وقد كنا عملنا على المبيت فاجتمعوا على تعجيل الانصراف وخرجت من باب الدير ومعي صبي مملوك كنت آنس بخدمته وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي وتلقاني الراهب فعدل بي إلى الطريق الضيق الذي وصفه وأدخلني إلى الدير من باب غامض وصار لي إلى باب قلاية (٤) متميز عما يجاوره من الأبواب نظافة وحسنا فقرعه بحركات مختلفات كالعلامة فابتدرنا منه غلام وتلوته (٥) والراهب إلي صحن القلاية فإذا أنا إلي بيت فضي الحيطان رخامي الأركان حلوقي الجدران يضمن طارقه خيش ريح تظاهر بخيش يمده بالماء من كثافته مفروش بحصر مستعملة له وفي صدره مقعد ببامان (٦) مقرون في دقة الدبيقي وبياضه وسامد (٧) ما تجاوره من الفرش طبري فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيبة حسن الصورة ظاهر النبل والهيئة متزي (١) من اللباس بزي غلامه فلقيني حافيا يعثر في سراويله واعتنقني ثم قال لي إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك استحسنته من وجهه مصانعا عما ترد عليه من قبح وجهي فاستظرفت اختصاره الطريق إلى بسطي وارتجاله النادرة على نفسه حرصا في تأنيسي وأفاض في شكري على المسارعة إلى أمره وأنا واصل خلل سكناته بالتعبد له والمبالغة في الاعتداد به بتفضله وقال لي أنت يا سيدي مكدود بمن كان معك والاستمتاع بمحادثتك لا يتم إلا بالتوصل إلى راحتك وقد كان الأمر على ما ذكر فاستلقيت يسيرا ثم نهضت فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي ألفتها في دور أكابر الملوك وجلة الرؤساء وأحضرنا خادم له لم أر أحسن وجها ولا سوادا منه طبقا يضم ما يتخذ للعشاء مما خف وظرف فقال لي الأكل مني يا سيدي للجوع ومنك للممالحة والمساعدة فنلنا شيئا وأقبل الليل ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاء أدى إلينا محاسن الغوطه وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني والنسيم العطري واقتعدنا غارب اللذة وجرينا في ميدان المفاوضة فلم يزل يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار ونخلط ذلك من المزاح بأطرفه ومن التودد بألطفه ثم قال لي أنا والله يا سيدي احب ترفيهك ولا أبطأ عما أنت متوفر عليه فقد عرفت الاسم والنسب والصناعة واللقب وقد كنت أوثر أن نسمة ليلتنا بشئ يكون لها طررا ولذكرها معلما فأخذت دواة وكتبت ارتجالا * وليلة أوسعتني * حسنا ولهو وأنسا إذا طلع الدير سعدا * لم يبق مذ لاح (٢) نحسا * * فصار للروح مني * روحا وللنفس نفسا * فطرب على قولي للروح روحا وللنفس نفسا واخذ الأبيات وجعل يرددها ثم جذب دواة وكتب إجازة لها * ولم أكن لغريمي * والله أبذل فلسا لو ارتضى لي خصمي * بدير مران حبسا * ودفعه إلى فقلت له إذا ما كان والله أحد يؤدى حقا ولا باطلا وعرفت في الجمله أنه مستتر عن دين قد ركبه وقال لي قد خرج لك أكثر الحديث فإن عذرت وإلا ذكرت الحال لتعرفها على صورتها فتبينت ما يؤثره من كتمان نفسه فقلت له يا سيدي كل ما لا يتعرف بك نكرة وقد أعنت المسشاهدة عن الاعتذار ونابت الخبرة عن الاستخبار وجاء الخادم ببردعة فرشها بازاء بردعته فنهضت إليها وقام يتفقد أمري بنفسه وغلب علي النوم إلى أن أيقظني هو السحر فأردت توديعه وحاذرت إزعاجه فخرجت ولقيني الخادم يريد إنباهه وتعريفه انصرافي فأقسمت عليه أن لا يفعل ووجدت غلامي قد بكر بالدابة كما أمرته فركبت منصرفا ومحدثا نفسي بالعودة إليه والتوفر على مواصلته وأخذ الحظ منه ومتوهما أن ما كنت فيه مناما (١) لطيبه وقرب أوله من آخره واعترضتني اشغال أدت إلى اللحاق بحضرة سيف الدولة فسرت على أتم حسرة بما فاتني من لقائه ومعرفة حقيقه خبره وقلت في ذلك * ويوم كأن الدهر سامحني (٢) به * فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا * إلى دير مران المعظم والعمر بحيث هواء الغوطتين معطر ال * نسيم بأنفاس الرياحين والزهر فمن روضة بالحسن ترفد روضة * ومن نهر بالفيض يجري على نهر وأهدت لي الأيام فيه مودة * دعتني في ستر فلبيت في ستر أتى من شريف الطبع أصدق رغبة (٣) * تخاطبني من منطق النظم في والنثر فكان جوابي طاعة لا مقالة * ومن ذا الذي لا يستجيب إلى اليسر فلاقيت ملء (٤) العين نبلا وهيئة * محلى السجايا بالطلاقة والبشر فأحشمني بالبر حتى ظننته * يريد اختداعي عن جناني ولا أدري ونزه عن غير الصفاء اجتماعنا * فكنت وإياه كقلبين في صدر مضي وكأني كنت فيه مهوما (٥) * يحدث عن طيف الخيال (٦) الذي يسري وهل يحصل الإنسان من كل ما به * تسامحه الأيام إلا على الذكر * ولم أزل على أتم قلق وأعظم حسرة وأشد تلهف على ما سلبته من عظم النعمة بفراق الفتى لا سيما ولم أحصل منه على حقيقة علم ولا يقين خبر يؤدياني إلى الطمع في لقائه ويعقدان الأماني بترجي مشاهدته إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق فما بدات بشئ قبل المصير إلى الدير فوقفت بظاهره وانفدت ممن أحضرني الراهب وقال لي ما اراك تسألني عن صديقك والله ما لي فكر ينصرف عنه ولا أسف يتجاوز ما حرمته منه ولا سررت بعودي إلى هذا البلد إلا من أجله ولذلك بذات قصدك فاذكر لي خبره فقال أما الآن فنعم هذا فتى من المادرائيين جليل القدر عظيم النعمة كان ضمن من السلطان بمصر ضياعا بمال عظيم فخاس به ضمانه لصعود الخصب والسعر وأشرف على الخروج من نعمته فاستتر واشتد البحث عنه فخرج مختفيا إلى أن ورد هذا البلد بزي تاجر وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن أخدمه فإني يوما عنده إذ ظهر لي وقال لصديقه إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان علي مأمونا فذكر له صديقه مذهبي وأظهرت المسرة بما رغب فيه من الأنس بي وأنا لا أعرفه غير أن صديقي أمرني بخدمته وبالجد في ذلك تأكيدا عرفت منه جلالة قدره وكبر محله وحصل في قلايتي يواصل الصوم إلى أن ورد عليه غلمانه بالبغال والآلة الحسنة وكتب أهله باجتماعهم على الإخشيذ وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال عنه وبعوده إلى بلده فلما عمل على المسير قال لغلامه سلم جميع ما بقي معك من نفقتك إلى الراهب ليصرفها في مصالح الدير إلى أن تواصل بفقده من مستقرنا وسار وما له حسرة غيرك ولا أسيف إلا إليك بقطع الأوقات بذكرك وهو بمصر على أفضل حال وأجملها ما يخل بتفقدي ولا يغفل عني فتعجلت بعض السلوة بما عرفته من حقيقة خبره ٩٢٨٦ -