page 3214, entry [803]Open original source
إرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب من أنبياء بني إسرائيل ويقال إنه الخضر ﵇ جاء فبعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا ﵇ بدمشق وهو يفور فقال أيها الدم دم يحيى بن زكريا فتنت بنو إسرائيل والناس فيك فسكن الدم ورسب حتى غاب (١) وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة يحيى بن زكريا ﷺ أجمعين أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم أنا أبو الحسن بن أبي الحديد أنا جدي أبو بكر أنا محمد بن يوسف بن بشر أنا محمد بن حماد أنا عبد الرزاق أنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرق الكتب وقف في ناحية الجبل فقال إنى يحيى الله هذه بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم رد الله روحه على رأس سبعين سنة حين أماته الله فعمروها ثلاثين سنة تمام المائة فلما تمت المائة رد الله تعالى روحه وقد عمرت على حالها الأول فجعل ينظر إلى العظام كيف يلتئم بعضها إلى بعض ثم نظر إلى العظام تكسى عصبا ولحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير فقال انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه قال وكان طعامه تينا (٢) في مكتل وقلة فيها ماء ثم سلط الله عليهم الوصب فلما أراد الله أن يرد عليهم التابوت أوحى إلى نبي من أنبيائهم إما دانيال وإما غيره إن كنتم تريدون أن يرفع عنكما المرض فاخرجوا عنكم هذه التابوت قالوا بآية ماذا قال بآية أنكم تأتون ببقرتين صعبتين لم يعملا قد (٤) قط فإذا نظرنا إليهما وضعتا أعناقهما للنير حتى يشد عليهما ثم يشد التابوت على عجل ثم يعلق على البقرتين ثم يخليان فيسيران حيث يريد الله ﵎ أن يبلغهما ففعلوا ذلك ووكل الله ﵎ أربعة من الملائكة يسوقونهما فسارت البقرتان حتى إذا بلغتا القدس كسرتا نيرهما فذهبتا فنزل إليهما داود ومن معه فلما رأى داود التابوت حجل إليها فرحا بها قال عبد الصمد فقلنا لوهب ما حجل إليها قال شبيه بالرقص (٥) فقالت له امرأته لقد خففت حتى كاد الناس أن يمقتوك لما صنعت فقال أتبطئيني عن طاعة ربي تعالى لا تكون لي زوجة أبدا بعدها ففارقها أخبرنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا قالوا أنا أبو جعفر بن المسلمة أنا أبو طاهر المخلص أنا أحمد بن سليمان نا الزبير بن بكار قال وحدثني علي بن المغيرة أن بخت نصر لما أمر بغزو بلاد الروم وإدخال الجنود عليهم فيها وقتل مقاتلتهم لانتهاكهم معاصي الله واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياءه وردهم رسالاته أمر إرميا بن حلقيا وكان نبي بني إسرائيل فيما ذكر لنا في ذلك الزمان أن ائت معد بن عدنان الذي من ولده محمد خاتم النبيين فأخرجه عن بلاده واحمله معك إلى الشام وتول أمره قبلك قال ويقال بل حمل عدنان قال وقال ناس حمله بورح بن تاربا كاتب إرميا بن حلقيا ويقال كان بحران الجزيرة أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم قراءة أنا رشا بن نظيف أنا الحسن بن إسماعيل أنا أحمد بن مروان نا محمد بن أحمد نا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه قال (١) أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له إرميا حين ظهرت فيهم المعاصي أن قم بين ظهرانى قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون وإني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها أما خيارهم (٢) فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي خزنوا (٣) المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا يرحمون بكاءهم ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب (١) كأمثال العجاج (٢) كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر (٣) العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة فياويل إيليا وسكانها كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السباء وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا وبعد صهيل الخيل عواء الذياب وبعد شرافات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج وهج العجاج وبالعز الذل وبالنعمة العبودية ولأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب وبالمشي على الزرابي الخبب ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهم ضاحية للشمس ولأدوسنهم بألوان العذاب ثم لآمرن السماء فلتوكنن طبقا من حديد والأرض سبيكة من نحاس وإن أمطرت لم تنبت الأرض وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة فإن دعوني لم أجبهم وإن سألوا لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم أخبرنا أبو سعد بن البغدادي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الطهراني (٤) وأبو عمرو بن مندة قالا أنا الحسن بن محمد بن أحمد بن يوه (٥) أنا أحمد بن محمد بن عمر اللنباني (٦) نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني لي بن أبي مريم عن أحمد بن جناب عن عبد الله بن عبد الرحمن قال قال إرميا أي رب أي عبادك أحب إليك قال أكثرهم لي ذكرا الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق الذين لا يعرض لهم وساوس الغناء ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه وإذا روي عنهم سروا بذلك أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمد الفقيه أنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم أنا أبو محمد عبد الله بن الوليد نا أحمد بن علي نا أحمد بن الحسن نا المقدام بن داود نا علي بن معبد نا يزيد بن محمد عن أبي عباس الشامي قال قال الله ﵎ لإرميا بن حلقيا من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك في الرحم قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ أشدك نبيتك ولأمر عظيم اجتبيتك فقال إرميا يا رب إني ضعيف إلا ما قويتني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني فقال الله ﷿ يا إرميا ألم تعلم أن الأمر أمري وأن الأمور تصدر عن مشيئتي وأن الأمر والخلق كله لي وأن القلوب والألسنة كلها لي وبيدي أقلبها كيف شئت فبعظمتي أنه لا يعلم ما في غد غيري ولا تتم إلا لي وكيف تخاف الضعف وأنت معي وأنا الله الذي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وأنا الله الذي ذلت لطاعتي خوفا واعترافا لأمري ولن يصل إليك شئ معي إني باعثك إلى خلق من خلقي لتبلغهم رسالتي وتستحق بذلك مثل أجر من أطاعك (١) منهم لا ينقص لك من أجورهم شيئا فإن أنت قصرت عنها استحققت بذلك مثل وزر من تركت في عمائه منهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقم فيهم ثم قل إن الله ذكركم بصلاح آبائكم فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر أبناء الأنبياء ونسلهم كيف وجد آباؤهم غب طاعتي وكيف وجدوا هم غب معصيتي هل علموا أن أحدا أطاعني فشقي بطاعتي وأن أحدا عصاني فسعد بمعصيتي إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها وإن هؤلاء القوم تركوا ما أكرمت عليه آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم من دوني ويحكمون فيهم بغير كتابي فأجهلوهم أمري وأيسوهم وغروهم مني فبطروا نعمتي وأمكنوا مكري وبدلوا كتابي ونسوا عهدي وضيعوا أمري حتى دان لهم العباد بالطاعة التي لا تنبغي لجبار غيري وهم يحرفون بذلك كتابي ويفترون من أجله على رسلي جرأة وغرة وفرية علي وعلى رسلي أخبرنا أبو العلاء زيد وأبو المحاسن مسعود ابنا علي بن منصور بن علي بن منصور بن الراوندي (١) الشروطيان بالري قالا أنا أبو منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم المقومي القزويني (٢) أنا قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد قراءة عليه نا أبو جعفر محمد بن يعقوب الحديدي المروزي نا أحمد بن محمد بن عمير نا أبو يحيى محمد بن يحيى بن خالد بن يزيد قال كتب رجل إلى بعض الأدباء يسأله أن يكتب إليه بشئ ينتفع به فكتب إليه أما لآخرتك فإن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه يقال له إرميا وعزتي وجلالي لو أن المعصية كانت في بيت من بيوت الجنة لأوصلت الخراب إلى ذلك البيت أما ما لدنياك فإن الشاعر يقول ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها * فكيف ما انقلبت يوما به قلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت * يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا * أخبرنا أبو محمد بن طاوس أنا أبو الحسن عاصم بن الحسن بن محمد أنا أبو سهل محمود بن عمر بن جعفر أنا علي بن الفرج بن علي العكبري نا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكندي عن عبد الله بن أبي الهزيل قال ضرا بخت نصر أسدين فألقاهما في جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب فأوحى الله إلى إرميا وهو بالشام أن اعدد طعاما وشرابا لدانيال فقال يا رب أنا بأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق فأوحى الله إليه أن اعدد ما أمرناك فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت ففعل وأرسل الله من حمله وحمل ما أعد حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال دانيال فقال من هذا قال أنا إرميا قال ما جاءك قال أرسلني إليك ربي قال وقد ذكرني ربي قال نعم قال دانيال الحمد الله الذي لا ينسى من ذكره والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة عن أبي بكر الخطيب نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني (١) لفظا بأصبهان نا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة أنا سهل بن سعيد بن حكيم نا إبراهيم بن عبد المؤمن نا محمد بن أبان نا يحيى بن آدم البلخي وعبد الرحمن بن جابر عن نصر بن مشارس عن جويبر بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس في قوله تعالى " ولقد آتينا موسى الكتاب " (٢) يعني به التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة " وقفينا من بعده بالرسل " (٣) يعني رسولا يدعى أشمويل بن بابل ورسولا يدعى منشايل ورسولا يدعى شعيا بن امضيا ورسولا يدعى حزقيل ورسولا يدعى إرميا بن حلقيا وهو الخضر ورسولا يدعى داود بن أيشا وهو أبو سليمان وهو من المرسلين ورأس العابدين ورسولا مرسلا يدعى المسيح عيسى ابن مريم فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله وانتخبهم للأمة بعد موسى بن عمران وأخذ عليهم ميثاقا غليظا أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد ﷺ وصفة أمته أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي أنا أبو عبد الله بن أبي الحديد أنا محمد بن عوف بن أحمد المزني (٤) أنا أبو علي الحسين بن إبراهيم بن جابر الفرائضي نا عبد الصمد بن عبد الله نا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا احمد القارئ يقول قال إرميا إلهي أتراك مخرب بيت قدسك (٥) منزل وحيك ومهلك أبناء أحبابك وأنبيائك قال فأوحى الله إليه يا إرميا إن الذين ذكرتني بهم إنما أكرمهم بطاعتي ولو أنهم عصوني لأنزلتهم منزلة العاصين إني إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري أخبرنا أبو الحسن بركات بن عبد العزيز بن الحسين البزاز وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر الرزاز قالا أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ نا أبو الحسن محمد (٦) بن أحمد بن رزقويه نا أحمد بن سندي الحداد نا الحسن بن علي بن علوية نا إسماعيل بن عيسى نا إسحاق بن بشر القرشي أنا إدريس هو ابن عبد الكريم عن وهب وهو ابن منبه وسعيد عن قتادة عن الحسن قالا إن إرميا كان غلاما من أبناء الملوك وكان زاهدا ولم يكن لأبيه ابن غيره وكان أبوه يعرض عليه النكاح فكان يأبى مخافة أن يشغله عن عبادة ربه فألح عليه أبوه فكره أن يعصي أباه فزوجه في أهل بيت من عظماء أهل مملكته فلما أن دخلت عليه امرأته قال لها يا هذه إني أسر إليك أمرا فإن كتمتيه علي وسترتيه سترك الله في الدنيا والآخرة وإن أنت أفشيتيه فضحك الله في الدنيا والآخرة قالت فإني سأكتمه عليك قال فإني لا أريد النساء قال فأقامت معه سنة ثم إن أباه أنكر ذلك فسأله فقال يا أبه ما طال ذلك بعد فدعا امرأته فسألها فقالت مثل ذلك ففرق بينهما وزوجه امرأة في بيت أشرافهم فأدخلت عليه فاستكتمها أمره مثل ما استكتم الأولى فلما مضت سنة فسأله أبوه مثل ما سأل فقال ما طال ذلك يا أبه فسأل المرأة فقالت كيف تحمل المرأة من غير زوج ما مسني فغضب أبوه فهرب منه حتى بعثه الله نبيا مع ناشية الملك وجاءه الوحي قال ونا إسحاق قال ونا إدريس عن وهب بن منبه إن الله تعالى لما بعث إرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل وعملوا بالمعاصي فقتلوا الأنبياء طمع بخت نصر فيهم وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم لما أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله إلى إرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي فقام إرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال يا رب وودت أن أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي فقيل له ارفع رأسه فرفع رأسه قال فبكى ثم قال يا رب من تسلط عليهم قال عبدة النيران لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي قم يا إرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك فرحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ نبأتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك (١) ولأمر عظيم اجتبيتك فقم مع الملك ناشية تسدده وترشده فكان معه يرشده (٢) ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث في بني إسرائيل (٣) ونسوا ما نجاهم الله من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله تعالى إلى إرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل (٣) قم فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم إحداثهم فقال إرميا يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني فقال الله له أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن الخلق والأمر كله لي وأن القلوب والألسنة كلها بيدي أقلبها كيف شئت فتطيعني فأنا الله الذي ليس شئ مثلي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وأنه لا يخلص التوحيد ولا تتم القدرة إلا لي لا يعلم ما عندي وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها ففعلت (٤) أمري وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي (٥) وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لأمري وإني معك ولن يصل إليك شئ معي وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب بذلك أجر من اتبعك ولا ينتقص من أجورهم شيئا وإن تقصر عنها تستحق بذلك مني وزر من تركته في عماءة (٦) ولا ينتقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم ان الله ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم (٧) يا معشر أبناء الأنبياء وتسألهم كيف وجد (٨) آباؤهم مغبة طاعتي وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي وهل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني (١) ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي وغروهم عني فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكري وغوتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي فهم يحرفون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم علي وغرة بي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني هل ينبغي لي أن يكون لي شريك في ملكي وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهي (٢) لا تنبغي (٣) إلا لي وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني ويطيعونهم في معصيتي ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي فهم جهلة بما يعملون (٤) لا ينتفعون بشئ مما علموا من كتابي (٥) وأما أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون يخوضون مع الخائضين يتمنون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آباءهم وكيف كان جهدهم في أمري حتى اغتر المغترون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني ويرجعون فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض فألبسهم العافية وأظهرهم على العدو ولا يزدادو إلا طغيانا وبعدا مني فحتى متى هذا أبي يسخرون أم بي يتمرسون (١) أم إياي يخادعون أم علي يجترئون فإني أقسم بعزتي لأتيحن لهم فتنة يتحير فيها الحليم (٢) ويضل فيها رأى ذوي الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرأفة والرحمة وآليت أن يتبعه عدد سود مثل الليل المظلم له فيه عساكره مثل قطع السحاب ومواكب (٣) مثل العجاج وكأن خفيق راياته طيران النسور وحمل فرسانه كصوت العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعيثون في الأرض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقون ولا يرحمون ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل رهيب الأسد يقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهرة عليها المنكر لا يعرفونها فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري ويتهجدون فيها وتعبدون لكسب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل لأبدلن ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغناء الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء ألوان البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء وبالأزواج الطيبة والأدهان جيف القتلى وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب وبعد البروج المشيدة مساكن السباع وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب وبعد ضوء السراج دخان الحريق وبعد الأنس الوحشة والقفاز ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار والأرواح السموم ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق (١) لوصل ذلك إليه إني إنما أكرم من أكرمني وإنما أهين من هان عليه أمري ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن طبقا من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص لهم منه شئ نزعت منه البركة وإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عنهم وإن قالوا اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك وذلك بأنك اخترتنا لنفسك وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها وربيتنا وأباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا فأنت أولى (٢) المنعمين أن لا تغير وإن غيرنا ولا تبدل وإن بدلنا وأن يتم (٣) نعمته وفضله ومنه وطوله وإحسانه فإن قالوا ذلك قلت لهم إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي فإن قبلوا أتممت وإن استزادوا زدت وإن شكروا أضاعف وإن بدلوا غيرت وإن غيروا غضبت وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شئ لغضبي قال كعب قال إرميا برحمتك أصبحت أتكلم بين يديك وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك ولن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولا والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير تنكير ولا تغيير مني فإن تعذبني فبذنبي وإن ترحمني فذلك ظني بك ثم قال يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمهلك (٤) هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتك هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيك وقوم داود صفيك يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد أورشلم وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأمة نجيك موسى وقوم خليفتك داود تسلط عليهم عبدة النيران قال الله تعالى يا إرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فإني إنما كرمت (١) هؤلاء القوم على طاعتي ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي قال إرميا يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به وموسى قربته نجيا فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا فأوحى الله إليه يا إرميا إني قدستك في بطن أمك وأخرتك إلى هذا اليوم فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل لكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل إني كنت لهم بمنزلة الراعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل غرة (٢) وأتبع بهم الخصب حتى صاورا كباشا ينطح بعضها بعضا فيا ويلهم إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الشجر حتى عجت السماء إلي منها وعجت الأرض والجبال ونفرت (٣) منها الوحوش بأطراف وأقاصيها وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب وقال إسحاق قال هؤلاء المسمون بأسنادهم لما بلغهم إرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه واتهموه قالوا كذبت وعظمت (٤) على الله الفرية فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده فمن يعبده حتى لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب لقد أعظمت على الله الفرية قال ابن سندي وسقط من كتابي كلام هو ولقد اعتراك الجنون فأخذوه وقيدوه وسجنوه فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال الله تعالى " فجاسوا خلال الديار " (١) قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب فتخللوا الأزقة فذلك قوله تعالى " فجاسوا خلال الديار " وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين فقتل منهم الثلث وسبى الثلث وترك الزمنى (٢) والشيوخ والعجائز ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان وأوقف النساء في الأسواق محسرات وقتل المقاتلة وخرب الحصون وهدم المساجد وحرق التوراة وسأل عن دانيال الذي كان كتب له الكتاب فوجده قد مات وأخرج أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وبنشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم فلما بلغ (٣) منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا معه فبلغ عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين (٤) ألف غلام وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير فكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود وأحد (٥) عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه ابن يامين وثمانية آلاف من سبط أشر (٦) بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون ونفتالى (٧) بن يعقوب وأربعة عشر ألفا (٨) من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط نشيا (١) خير بن يعقوب وألفين من سبط رالون (٢) بن يعقوب وأربعة آلاف بن سبط روبيل ولاوي واثنا عشر ألفا من سائر بني إسرائيل فانطلق حتى قدم أرض بابل قال إسحاق قال وهب بن منبه لما فعل بخت نصر ما فعل قيل له كان لهم لا حب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كتابهم فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه فأمر بخت نصر فأخرج إرميا من السجن فقال له أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم قال نعم قال فإني علمت ذلك قال أرسلني الله إليهم فكذبوني قال كذبوك وضربوك وسجنوك قال نعم قال بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك قال له إرميا إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام إرميا مكانه بأرض إيلياء (٣) (٤) ٥٩٠ -