page 13975, entry [28361]Open original source
محمد (¬٢) بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل، الحافظ الحجة الإمام ضياء الدين، أبو عبد الله السعدي، المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي، صاحب التصانيف النافعة. ولد بالدير المبارك في سنة تسع وستين وخمسمائة. وسمع من أبي المعالي بن صابر، ومحمد بن حمزة بن أبي الصقر، وأبي المجد الفضل بن الحسين البانياسي، وأبي الحسين أحمد ابن الموازيني، والخضر بن طاوس، ويحيى الثقفي، وأبي الفتح عمر بن علي الجويني، وابن صدقة الحراني، وإسماعيل الجنزوي، وخلق. ولزم الحافظ عبد الغني وتخرج به، وحفظ القرآن، وتفقه. ورحل أولاً إلى مصر سنة خمس وتسعين، فسمع: أبا القاسم البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، والأرتاحي، وبنت سعد الخير، وعلي بن حمزة، وجماعة. ورحل إلى بغداد بعد موت ابن كليب؛ فلهذا روى عن أصحابه، وفاته الأخذ عنه، وقد أجاز له ابن كليب ومن هو أكبر من ابن كليب كشهدة، والسلفي، وسمع من المبارك ابن المعطوش، وهو أكبر شيخ له ببغداد، وأبي الفرج ابن الجوزي، وعبد الله بن أبي المجد، وبقاء بن حند (¬٣)، وعبد الله بن أبي الفضل بن مزروع، وعبد الرحمن بن محمد ابن ملاح الشط، وطائفة من أصحاب قاضي المرستان، وابن الحصين، وعرض القرآن على عبد الواحد بن سلطان. ثم دخل أصبهان بعد موت أبي المكارم اللبان، وسمع من أبي جعفر الصيدلاني، وأبي القاسم عبد الواحد الصيدلاني، وخلف بن أحمد الفراء، والمفتي أسعد بن محمود العجلي، وأبي الفخر أسعد بن سعيد بن روح، وأسعد بن أحمد الثقفي الضرير، وإدريس بن محمد آل والويه، وزاهر بن أحمد الثقفي هو أخو أسعد، والمؤيد ابن الأخوة، وعفيفة الفارفانية، وأبي زرعة عبيد الله بن محمد اللفتواني، وخلق سواهم، وبهمذان من عبد الباقي بن عثمان بن صالح، وجماعة، ورجع إلى دمشق بعد الستمائة. ثم رحل إلى أصبهان ثانياً فأكثر بها وتزيد، وحصل شيئاً كثيراً من المسانيد والأجزاء. ورحل منها إلى نيسابور فدخلها ليلة وفاة منصور الفراوي، فسمع من المؤيد الطوسي، وزينب الشعرية، والقاسم الصفار. ورحل إلى هـ اة فأكثر بها عن أبي روح عبد المعز، وجماعة. ورحل إلى مرو فأقام بها نحواً من سنتين. وأكثر بها عن أبي المظفر ابن السمعاني، وجماعة. وسمع بحلب، وحران، والموصل. وقدم دمشق بعد خمسة أعوام بعلم كثير وكتب وأصول نفيسة فتح الله عليه بها هبةً ونسخاً وشراءً. وسمع بمكة من أبي الفتوح ابن الحصري وغيره. ورجع ولزم الاشتغال والنسخ والتصنيف. ويسمع في خلال ذلك على الشيخ الموفق ويأتيه. وأجاز له: السلفي، وشهدة، وأحمد بن علي ابن الناعم، وأسعد بن يلدرك، وتجني الوهبانية، وابن شاتيل، وعبد الحق اليوسفي، وأخوه عبد الرحيم اليوسفي، وعيسى الدوشابي، ومحمد بن نسيم العيشوني، ومسلم ابن ثابت النخاس، وأبو شاكر السقلاطوني، وعبد الله بن بري النحوي، وأبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي، وخلق كثير. ذكره ابن الحاجب تلميذه فقال: شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته، ونسيج وحده علماً وحفظاً وثقة ودينًا، من العلماء الربانيين، وهو أكبر من أن يدل عليه مثلي. كان شديد التحري في الرواية، ثقة فيما يؤديه، مجتهداً في العبادة، كثير الذكر، منقطعاً عن الناس، متواضعاً في ذات الله، صحيح الأصول، سهل العارية. ولقد سألت في رحلتي عنه جماعةً من العارفين بأحوال الرجال، فأطنبوا في حقه ومدحوه بالحفظ والزهد، حتى أنه لو تكلم في الجرح والتعديل لقبل منه. سألت أبا عبد الله البرزالي عنه، فقال: حافظ، ثقة، جبل، دين. وذكره ابن النجار في تاريخه فقال: كتب وحصل الأصول، وسمعنا بقراءته الكثير. وأقام بهراة ومرو مدةً، وكتب الكتب الكبار بهمة عالية، وجد واجتهاد، وتحقيق وإتقان. كتبت عنه ببغداد، ودمشق، ونيسابور. وهو حافظ متقن، ثبت، حجة، عالم بالحديث والرجال. ورع، تقي، زاهد، عابد، محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله. ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم. سألته عن مولده فقال: في جمادى الأولى سنة تسع وستين. ورأيت بخطه: مولدي في سادس جمادى الآخرة، فالله أعلم. قلت: الثاني هو الصحيح، فإنه كذلك أخبر لعمر ابن الحاجب. قلت: سمعت الحافظ أبا الحجاج المزي - وما رأيت مثله - يقول: الشيخ الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني، ولم يكن في وقته مثله. وحكى النجم ابن الخباز عن العز عبد الرحمن بن محمد ابن الحافظ قال: ما جاء بعد الدارقطني مثل شيخنا الضياء. وقال الشرف أبو المظفر ابن النابلسي: ما رأيت مثل شيخنا الضياء. ذكر تصانيف الضياء: كتاب الأحكام يعوز قليلاً في ثلاث مجلدات، فضائل الأعمال في مجلد، الأحاديث المختارة خرج منها تسعين جزءاً، وهي الأحاديث التي تصلح أن يحتج بها سوى ما في الصحيحين، خرجها من مسموعاته. كتاب فضائل الشام ثلاثة أجزاء، كتاب فضائل القرآن جزء، كتاب الجنة، كتاب النار، كتاب مناقب أصحاب الحديث، كتاب النهي عن سب الأصحاب، كتاب سير المقادسة كالحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، والشيخ أبي عمر، وغيرهم في عدة أجزاء. وله تصانيف كثيرة في أجزاء عديدة لا يحضرني ذكرها. وله مجاميع ومنتخبات كثيرة. وله كتاب الموافقات في نيف وخمسين جزءاً. وبنى مدرسةً على باب الجامع المظفري، وأعانه عليها بعض أهل الخير، وجعلها دار حديث، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان، ووقف بها كتبه وأجزاءه. وفيها من وقف الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد الغني، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي. وقد نهبت في نكبة الصالحية، نوبة غازان (¬١)، وراح منها شيء كثير. ثم تماثلت وتراجع حالها. وفيها - بحمد الله - الآن جملة نافعة للطلبة. وكان ﵀ ملازماً لجبل الصالحية، قل أن يدخل البلد أو يحدث به. ولا أعلم أحداً سمع منه بالمدينة، وإن كان فنزر يسير. أخذ عنه: جماعة من شيوخه، وروى عنه: الحافظ أبو عبد الله البرزالي، والحافظ أبو عبد الله ابن النجار، وجماعة. ومن شيوخنا: أبو العباس ابن الظاهري، وأبو الفداء إسماعيل ابن الفراء، والتقي أحمد بن مؤمن، والشمس محمد بن حازم، والشيخ علي بن بقاء، والنجم موسى الشقراوي، والنجم إسماعيل ابن الخباز، وداود بن حمزة، ومحمد بن علي ابن الموازيني، وعثمان الحمصي، والشهاب أحمد الدشتي، وأبو علي ابن الخلال، وعيسى المطعم، وأبو بكر بن عبد الدائم، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وزينب بنت عبد الله ابن الرضي، والقاضي المجد سالم بن أبي الهيجاء، ومحمد بن يوسف الذهبي، ومسند الشام القاضي تقي الدين سليمان فأكثر عنه، فإني سمعته يقول: سمعت من شيخنا الضياء ألف جزء. وقرأت بخط المحدث محمد بن الحسن بن سلام قال: محمد بن عبد الواحد شيخنا، ما رأينا مثله في ما اجتمع له. كان مقدماً في علم الحديث، فكأن هذا العلم قد انتهى إليه وسلم له. ونظر في الفقه وناظر فيه. وجمع بين فقه الحديث ومعانيه. وشدا طرفاً من الأدب، وكثيراً من اللغة والتفسير. وكان يحفظ القرآن واشتغل مدة به، وقرأ بالروايات على مشايخ عديدة، وكان يتلوه تلاوةً عذبة. وجمع كل هذا مع الورع التام، والتقشف الزائد، والتعفف والقناعة، والمروءة، والعبادة الكثيرة، وظلف النفس وتجنبها أحوال الدنيا ورعوناتها، والرفق بالغرباء والطلاب، والانقطاع عن الناس، وطول الروح على الفقير والغريب. وكان محباً لمن يأخذ عنه، مكرماً لمن يسمع عليه. وكان يحرض على الاشتغال، ويعاون بإعارة الكتب. وكنت أسأله عن المشكلات فيجيبني أجوبةً شافية عجز عنها المتقدمون، ولم يدرك شأوها المتأخرون. قرأت عليه الكثير، وما أفادني أحد كإفادته. وكان ينبهني على المهمات من العوالي، ويأمرني بسماعها، ويكرمني كثيراً، وقرأت عليه صحيح مسلم. كانت له أريضة بباب الجامع ورثها من أبيه، وكان يبني فيها قليلاً قليلاً على قدر طاقته، فيسر بناء كثير منها بهمته وحسن قصده وإجابة دعوته، ونزل فيها المشتغلين بالفقه والحديث، وكان ما يصل إليه من رمق يوصله إليهم ويصرفه عليهم. ورام بعض الكبار مساعدته ببناء مصنع للماء فأبى ذلك وقال: لا حاجة لنا في ماله. وكان من صغره إلى كبره موصوفاً بالنسك، مشتغلاً بالعلم. قلت: توفي في يوم الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة وأيام ﵀ ورضي عنه -. ٢٥٧ -