page 11269, entry [22735]Open original source
محمد بن نصر بن صغير بن خالد، أبو عبد الله القيسراني، الأديب، صاحب الديوان المشهور، وحامل لواء الشعر في زمانه. ولد بعكا، ونشأ بقيسارية فنسب إليها، وسكن دمشق وامتدح الملوك والكبار، وتولى إدارة الساعات التي على باب الجامع، وسكن فيها في دولة تاج الملوك وبعده، ثم سكن حلب مدة، وولي بها خزانة الكتب، وتردد إلى دمشق، وبها مات، وقد قرأ الأدب على توفيق بن محمد، وأتقن الهندسة، والهيئة، والحساب، والنجوم، وصحب أبا عبد الله ابن الخياط الشاعر، فتخرّج به في القريض، وانطلق لسانه بشعر أرقّ من نسيم السحَر، وألذّ من سماع الوتر، ودخل بغداد، ومدح صاحب ديوان الإنشاء بها سديد الدولة محمد ابن الأنباري. ومن شعره: مَن لقلبٍ يألَفُ الفكَرا … ولعينٍ ما تذوق كَرا ولصبٍ بالغرامِ قَضَى … ما قضى من حُبّكم وطَرا ويحَ قلبي من هَوى قمر … أنكرتْ عيني لَهُ القَمَرا حالفتْ أجفانَه سِنَة … قتلتْ عُشّاقَه سَهَرا يا خليليَّ اعذرا دنِفًا … يصطفي في الحب من عذرا وذَرَاني من ملامكُما … إنّ لي في سَلْوتي نَظَرا (¬١) وله: سقى اللَّه بالزَّوْراء من جانب الغرب … مهًا وردت ماء الحياة من القلبِ عفائف إلّا عَنْ مُعاقرة الهَوَى … ضعائف إلّا عَنْ مغالبةِ الصبِ تظلّمت من أجفانِهنّ إلى النَّوَى … سِفَاهًا، وهل يُعدى البعادُ عَلَى القُرب ولمّا دنا التّوديعُ قلتُ لصاحبي … حَنَانَيْكَ، سِر بي عَنْ ملاحَظَة السِّرْبِ إذا كانت الأحداق نوعًا من الظُبى … فلا شكّ أنّ اللَّحْظ ضربٌ من الضَّرْبِ تقضّى زماني بين بينٍ وهجرةٍ … فَحَتّامَ لا يصْحُو فؤادي من الحب وأهوى الّذي أهوى لَهُ البدرُ ساجدًا … ألستَ تَرى في وجهه أثَرَ التربِ وأَعجب ما في خمر عينيه أنها … تضاعف سُكري كلما قللتُ شُرْبي وما زال عُوّادي يقولون: من بِهِ … وأَكتُمُهُم حتَى سألتُهُم: مَن بي فصرت إذا ما هزّني الشوق هزة … أحلت عذولي في الغرام على صحبي وعند الصبا منّا حديثٌ كأنَّه … إذا دار بين الشّرب رَيْحانة الشُّرْب تنمُّ عَلَيْهِ نفحةٌ بابِليَّةٌ … نمت من ثناياها إلى البارد العَذْبِ تُراحُ لها الأرواحُ حتّى تظنّها … نسيمَ جمال الدّين هبّ عَلَى الرَّكْبِ (¬٢) وخرج إلى مديح الوزير جمال الدّين أَبِي المحاسن عليّ بْن محمد. ومن شعره: يا هِلالًا لاح في شفقِ … أعْفِ أَجْفاني من الأرقِ فُكَّ قلبي يا مُعَذِّبَه … فَهْوَ من صدغيك في حلقِ وله في خطيب: شُرح المنبرُ صدْرًا … لِتَلَقِّيك رحيبا أتُرَى ضَمَّ خطيبًا … منكَ، أمْ ضُمِّخ طِيبا؟ (¬١) قَالَ ابن السّمعانيّ: هُوَ أشعر رَجُل رأيته بالشّام، غزير الفضل، لَهُ معرفة تامَّة باللّغة والأدب، وله شِعْر أرقُّ من الماء الزلال، سألته عن مولده، فقال: سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعكّا (¬٢). وقال الحافظ ابن عساكر (¬٣): لمّا قدِم القَيْسَرانيّ دمشق آخر قدمة نزل بمسجد الوزير ظاهر البلد، وأخذ لنفسه طالَعًا، فلم ينفعه تنجيمه، ولم تَطُلْ مدّتُه، وكان قد أنشد والي دمشق قصيدةً، مدحه بها يوم الجمعة، فأنشده إياها وهو محموم، فلم تأتِ عَلَيْهِ الجمعة الأخرى، وكنت وجدتُ أخي قاصدًا عيادته فاستصحبني معه، فقلت لأخي في الطريق: إني أظن القيسراني سيلحق ابن منير كما لحق جريرُ الفرزدق، فكان كما ظننت، فلما دخلنا عَلَيْهِ وجدناه جالسًا، ولم نر من حاله ما يدلّ عَلَى الموت، وذكر أنّه قد تناول مُسهلًا خفيفًا، فَبَلَغَنَا بعد ذَلكَ أنّه عمل معه عملًا كثيرًا، فمات ليلة الأربعاء الثّاني والعشرين من شعبان، ودُفن بباب الفراديس. قلت: وفي أولاده جماعة وزراء وفُضلاء. ٤٧٨ -