page 11079, entry [22249]Open original source
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فيها جاءت من الفرنج ثلاثة ملوك إلى بيت المقدس، وصلوا صلاة الموت، وردوا إلى عكا، وفرّقوا في العساكر سبعمائة ألف دينار، وعزموا على قصد الإسلام، وظن أهل دمشق أنهم يقصدون قلعتين بقرب دمشق، فلم يشعروا بهم في سادس ربيع الأول إلا وقد صبّحوا دمشق في عشرة آلاف فارس، وستين ألف راجل، فخرج المسلمون فقاتلوا، فكانت الرّجّالة الذين برزوا لقتالهم مائة وثلاثين ألفًا، والخيالة طائفة كبيرة، فقُتل في سبيل الله نحو المائتين، منهم الفقيه يوسف الفندلاوي، والزاهد عبد الرحمن الحلحولي، فلما كان في اليوم الثاني، خرجوا أيضًا، واستشهد جماعة، وقتلوا من الفرنج ما لا يُحصى، فلما كان في اليوم الخامس، وصل غازي بن أتابك زنكي في عشرين ألف فارس، ووصل أخوه نور الدين محمود إلى حماه رديفًا له، وكان في دمشق البكاء والتضرّع وفرش الرماد أيامًا، وأُخرج مُصحف عثمان إلى وسط الجامع، وضجّ النساء والأطفال مكشّفين الرؤوس، فأغاثهم الله. وكان مع الفرنج قسيس ذو لحية بيضاء، فركب حمارًا، وعلّق في حلقه الصليب، وفي يديه صليبين، وقال للفرنج: أنا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق، ولا يردّني أحد، فاجتمعوا حوله، وأقبل يريد البلد، فلما رآه المسلمون صدقت نيّتُهم، وحملوا عليه، فقتلوه، وقتلوا الحمار، وأحرقوا الصلبان، وجاءت النجدة المذكورة، فهزم الله الفرنج، وقُتل منهم خلق. قال ابن الأثير (¬١): سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير، عازمًا على قصد الإسلام، واجتمعت معه فرنج الشام، وسار إلى دمشق، وبها مجير الدين أبَق بن محمد بن بُوري، وأتابكه معين الدين أُنُر، وهو الكل، وكان عادلًا، عاقلًا، خيّرًا، استنجد بأولاد زنكي فنجدوه، ورتب أمور البلد، وخرج بالناس إلى قتال الفرنج، فقويت الفرنج، وتقهقر المسلمون إلى البلد، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأيقن الناس بأنه يملك البلد، وجاءت عساكر سيف الدين غازي، ونزلوا حمص، ففرح الناس وأرسل معين الدين يقول للفرنج الغرباء: إن ملك الشرق قد حضر، فإن رحلتم، وإلا سلّمت دمشق إليه، وحينئذ تندمون، وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم: بأي عقل تساعدون هؤلاء الغرباء علينا، وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية؟ وأنا إذا رأيت الضعفَ عن حفظ البلد سلّمته إلى ابن زنكي، وأنتم تعلمون أنه إن ملَك لا يبقى لكم معه مقام بالشام، فأجابوه إلى التخلي عن ملك الألمان، وبذل لهم حصن بانياس، فاجتمعوا بملك الألمان، وخوّفوه من عساكر الشرق وكثرتها، فرحل وعاد إلى بلاده، وهي وراء القسطنطينية. قلت: إنما كان جل قدومه لزيارة القدس، فلما ترحّلوا سار نور الدين محمود إلى حصن العزيمة (¬١)، وهو للفرنج، فملكه، وكان في خدمته معين الدين أنُر بعسكر دمشق. وفيها كان أول ظهور الدولة الغورية قصد سوري بن الحسين مدينة غزنة وملكها ثم حاربه بهرام شاه وأسره وقتله، ثم غضبت لقتله الغورية، وحشدوا وجمعوا، وكان خروجهم في سنة سبعٍ وأربعين. وفيها نقب الحبس رضو ن، الذي كان وزير الحافظ صاحب مصر، وهرب على خيل أعدّت له، وعبر إلى الجيزة، وكان له في الحبس تسع سنين، وقد كنا ذكرنا أنه هرب إلى الشام، ثم قدم مصر في جمع كثير، فقاتل المصريين على باب القاهرة وهزمهم، وقتل خلقًا منهم، ودخل البلد، فتفرّق جمعه، وحبسه الحافظ عنده في القصر، وجمع بينه وبين أهله، وبقي إلى أن نقب الحبس، فأتى من الصعيد بجموع كثيرة، وقاتل عسكر مصر عند جامع ابن طولون فهزمهم، ودخل القاهرة، وأرسل إلى الحافظ يطلب منه رسم الوزارة عشرين ألف دينار، فبعثها إليه، ففرّقها، وطلب زيادة، فأرسل إليه عشرين ألفا أخرى، ثم عشرين ألفا أخرى، وأخذ الناس منه العطاء وتفرقوا، وهيأ الحافظ جمعًا كبيرًا من العبيد وبعثهم، فأحاطوا به، فقاتلهم مماليكه ساعة، وجاءته ضربة فقُتل، ولم يستوزر الحافظ أحدًا من سنة ثلاث وثلاثين إلى أن مات. قال سِبط الجوزي (¬١): فيها ظهر بمصر رجل من ولد نزار ابن المستنصر يطلب الخلافة، واجتمع معه خلق، فجهّز إليه الحافظ العساكر، والتقوا بالصعيد، فقُتل جماعة، ثم انهزم النزاري، وقُتل ولده. وفيها أمر نور الدين بإبطال: حيّ على خير العمل، من الأذان بحلب، فعظُم ذلك على الإسماعيلية والرّافضة الذين بها. وكان السلطان مسعود قد مكّن خاصّبك من المملكة، فأخذ يقبض على الأمراء، فتغيروا على مسعود، وقالوا له: إما نحن، وإما خاصّبَك، فإنه يحملك على قتلنا، وساروا يطلبون بغداد، ومعهم محمد شاه ابن السلطان محمود، فانجفل الناس واختبطوا، وهرب الشِحنة إلى تكريت، وقطع الجسر، وبعث المقتفي ابن العبّادي الواعظ رسولًا إليهم، فأجابوا: نحن عبيد الخليفة وعبيد السلطان، وما فارقناه إلا خوفًا من خاصّبَك، فإنه قد أفنى الأمراء، فقتل عبد الرحمن بن طُوَيرك، وعبّاسًا، وبُزَبَة، وتَتر، وصلاح الدين، وما عن النفس عوض، وما نحن خوارج ولا عُصاة، وجئنا لتُصلح أمرنا مع السلطان، وكانوا: ألبُقُش، وألدكز، وقيصر، وقرقوب، وأخو طُويرك، وطرنطاي، وعلي بن دُبيس، ثم دخلوا بغداد، فمدّوا أيديهم، وأخذوا خاص السلطان، وأخذوا الغلات، فثار عليهم أهل باب الأزَج وقاتلوهم، فكتب الخليفة إلى مسعود، فأجابه: قد برئت ذمة أمير المؤمنين من العهد الذي بيننا، بأنه لا يجنّد، فيحتاط للمسلمين، فجنّد وأخرج السُّرادقات، وخندق، وسدّ العقود، وأولئك ينهبون في أطراف بغداد، وقسّطوا الأموال على مَحال الجانب الغربي وراحوا إلى دُجيل وأخذوا الحريم والبنات، وجاؤوا بهنّ إلى الخيم. ثم وقع القتال، وقاتلت العامة بالمقاليع، وقُتل جماعة، فطلع إليهم الواعظ الغزْنَوي فذمّهم وقال: لو جاء الفرنج لم يفعلوا هذا، واستنقذ منهم المواشي، وساقها إلى البلد، وقبض الخليفة على ابن صدقة، وبقي الحصار أيامًا، وخرج خلقٌ من العوام بالسلاح الوافر، وقاتلوا العسكر، فاستجرّهم العسكر، وانهزموا لهم، ثم خرج عليهم كمين فهربوا، وقُتل من العامة نحو الخمسمائة، ثم جاءت الأمراء، فرموا نفوسهم تحت التاج وقالوا: لم يقع هذا بعلمنا، وإنما فعله أوباش لم نأمرهم، فلم يقبل عُذرهم، فأقاموا إلى الليل وقالوا: نحن قيامٌ على رؤوسنا، لا نبرح حتى يعفى عن جُرمنا، فجاءهم الخادم يقول: قد عفا عنكم أمير المؤمنين فامضوا، ثم سار العسكر، وذهب بعضهم إلى الحلة، وبعضهم طلب بلاده. ووقع الغلاء، ومات بالجوع والعري أهلُ القرى، ودخلوا بغداد يستعطون. ومات قاضي القُضاة الزّينبي، فقُلِّد مكانه أبو الحسن علي بن أحمد بن علي ابن الدامغاني. وفيها الغلاء مستمر بإفريقية، وجلا أكثر الناس ودخل خلق إلى جزيرة صقلية، وعظُم الوباء، فاغتنم الملعون رُجار صاحب صقلية هذه الشدة، وجاء في مائتين وخمسين مركبًا، ونزل على المهدية، فأرسل إلى صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن باديس: إنما جئت طالبًا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس، وردّه إلى قابس، وأنت فبيننا وبينك عهود إلى مدة، فنريد منك عسكرًا يكون معنا، فجمع الحسن الفقهاء والكبار وشاورهم، فقالوا: نقاتل عدوّنا، فإن بلدنا حصين، قال: أخاف أن ينزل إلى البرَّ ويحاصرنا برًا وبحرًا ويمنعنا الميرة، ولا يحل لي أن أعطيه عسكرًا يقاتل به المسلمين، وإن امتنعت قال: نقضت، والرأي أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد، فمن أراد أن ينزح فلينزح، وخرج لوقته، فخرج الخلق على وجوههم، وبقي من احتمى بالكنائس عند أهلها، وأخذت الفرنج المهدية بلا ضربة ولا طعنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فوقع النهب نحو ساعتين، ونادوا بالأمان، وسار الحسن إلى عند أمير عرب تلك الناحية، فأكرمه، وصار للفرنج من طرابلس المغرب إلى قريب تونس. وأما الحسن، فعزم على المسير إلى مصر، ثم عزم على المصير إلى عبد المؤمن هو وأولاده، وهو التاسع من ملوك بني زيري، وكانت دولتهم بإفريقية مائتين وثمان سنين.