page 10678, entry [21259]Open original source
سنة سبع وعشرين وخمسمائة خطب لمسعود بن محمد بالسلطنة ببغداد في صفر، ومن بعده لداود، وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر الأحمديلي مقدم جيوش السلطان محمود، وهو المقيم داود بعده في الملك، واستقر مسعود بهمذان. وكانت وقعة انهزم فيها طغرل، ثم قتل آقسنقر، قتلته الباطنية. وفيها قصد أمراء التركمان الجزريون بلاد الشام، فأغاروا على بلاد طرابلس، وغنموا وسبوا، فخرج ملك طرابلس بالفرنج، فتقهقر التركمان، ثم كروا عليه فهزموه، وقتلوا في الفرنج فأكثروا وأطيبوا، فالتجأ إلى حصن بعرين، فحاصرته التركمان أيامًا، وخرج في الليل هاربًا، فجمعت الفرنج وسار لنجدته ملوكهم، ورد فواقع التركمان ونال منهم. وفيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام، وتحاربوا وقتل منهم، ولم يجر لهم بذلك سابقة. وفيها واقع الأمير سوار نائب زنكي على حلب الفرنج، فقتل من الفرنج نحو الألف، ولله الحمد. وفيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربه بسيفٍ فلم يغن شيئًا، وقتلوه بعد أن أقر على جماعة وادعى أنه إنما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظلمه وعسفه، فقتل معه جماعة. وقتل شمس الملوك أخاه سونج الذي أسره زنكي، فحزن الناس عليه. وفيها جمع دبيس جمعًا بواسط، وانضم إليه جماعة من واسط، فنفذ الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم، فهزموه وأسروا بختيار. وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام إلى الجانب الغربي في شعبان، ونودي ببغداد: من تخلف من الجند حل دمه، ثم سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، ونفذ إلى بهروز يقول له: تنزل عن القلعة، وتسلم الأموال، وتدخل تحت الطاعة، فقال: أنا رجل كبير عاجز، ولكن أنفذ الإقامات وتقدمة، ففعل وعفي عنه، ووصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان، فحاصرها ثمانين يومًا، وكان القتال كل يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكردي من الجبل في عساكر كثيرة. ثم إن زنكي بعث إلى الخليفة: إني أعطيك الأموال، وترحل عنا، فلم يجبه، ثم رحل، فقيل: كان سبب رحيله أنه بلغه أن السلطان مسعودًا قد غدر وقتل الأحمديلي، وخلع على دبيس. قال ابن الجوزي (¬١): وتوفي شيخنا ابن الزاغوني، فأخذ حلقته بجامع القصر أبو علي ابن الراذاني، ولم أعطها لصغري، فحضرت عند الوزير أنوشروان، وأوردت فصلًا في الوعظ، فأذن لي في الجلوس بجامع المنصور، فحضر مجلسي أول يومٍ الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف، وأبو علي بن القاضي، وابن قشامي، وقوي اشتغالي بفنون العلم، وأخذت عن أبي بكر الدينوري الفقه، وعن ابن الجواليقي اللغة، وتتبعت مشايخ الحديث. وفيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسيف، وقلعتها بالأمان، فلما نزلوا أسروا كلهم، وقدم شمس الملوك دمشق مؤيدًا منصورًا، والأسرى بين يديه ورؤوس القتلى، ورأى الناس ما أقر أعينهم، فلله الحمد، وكان يومًا مشهودًا. وفيها مات صاحب مكة أبو فليتة، وولي بعده أبو القاسم. وفيها نازل ابن رذمير مدينة أفراغه، فحاصرها وبها ابن مرديش. سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فيها لع على إقبال الخادم خلعة الملك، ولقب سيف الدولة ملك العرب. ووقع الصلح مع زنكي بن آقسنقر، وجاء منه الحمل. وصرف عن الوزارة أنوشروان، وأعيد أبو القاسم بن طراد، وقبض على نظر الخادم وسجن وأخذت أمواله، وخلع على ابن طراد خلعة الوزارة، وأعطي فرسًا برقبة (¬١)، وثلاثة عشر حمل كوسات، وأعلامًا ومهدًا. وقدم رسول السلطان سنجر، فخلع عليه، وأرسل إلى سنجر مع رسوله، ومع ابن الأنباري خلع عظيمة الخطر بمائة وعشرين ألف دينار. وبعث الخليفة إلى بهروز الخادم، وهو بالقلعة، يطلب منه حملًا فأبى، فبعث جيشًا لقتاله، فحاصروه. وقدم ألبقش السلحدار التركي طالبًا للخدمة مع الخليفة. ثم إن الخليفة خلع على الأمراء، وعرض الجيش يوم العيد، ونادى: لا يختلط بالجيش أحد، ومن ركب بغلًا أو حمارًا أبيح دمه، وخرج الوزير وصاحب المخزن والقاضي ونقيب النقباء، وأركان الدولة في زي لم ير مثله من الخيل والزينة والعسكر الملبس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس. وعاد طغرل إلى همذان وانضمت إليه عساكر كثيرة، وتوطد له الملك، وانحل أمر أخيه مسعود، وسببه أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه، فأشار دبيس على طغرل بأخذها، وإظهار أن الخليفة بعثها له، ففعل وبعث الخليفة يحث مسعودًا على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، وخاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة تحفًا كثيرة. وعثر على بعض الأمراء أنه يكاتب طغرل، فقبض عليه الخليفة، فهرب بقية الأمراء إلى مسعود، وقالوا: نحن عبيدك، فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة، فطلبهم الخليفة، فقال مسعود: قد التجؤوا إلي، فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأنصبك نوبة بعد نوبة، ووقع الاختلاف بينهما، وشاش العسكر، ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، وتعذر المشي بين المحال، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات، وتأخذ العسكر الذين صاروا إليك، فرحل في آخر السنة والخواطر متوحشة، فأقام بدار الغربة، وجاءت الأخبار بتوجه طغرل إلى بغداد، فلما كان يوم سلخ السنة نفذ إلى مسعود الخلع والتاج، وأشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نعم. وفيها حاصر ملك الفرنج ابن رذمير مدينة إفراغة من شرق الأندلس، وكان إذ ذاك على قرطبة تاشفين ابن السلطان، فجهز الزبير اللمتوني بألفي فارس، وتجهز أمير مرسية وبلنسية - يحيى بن غانية - في خمسمائة وتجهز عبد الله بن عياض صاحب لاردة في مائتين، فاجتمعوا وحملوا الميرة إلى إفراغة، وكان ابن عياض فارس زمانه، وكان ابن رذمير في اثني عشر ألف فارس، فأدركه العجب، وقال لأصحابه: اخرجوا خذوا هذه الميرة، ونفذ قطعة من جيشه، فهزمهم ابن عياض، فساق ابن رذمير بنفسه، والتحم الحرب، واستحر القتل في الفرنج، وخرج أهل إفراغة الرجال والنساء، فنهبوا خيم الروم، فانهزم الطاغية، ولم يفلت من جيشه إلا القليل، ولحق بسرقسطة، فبقي يسأل عن كبار أصحابه، فيقال له: قتل فلان، قتل فلان، فمات غمًا بعد عشرين يومًا، وكان بلية على المسلمين، فأهلكه الله. وفيها خرج عبد المؤمن في الموحدين من بلاد تينمل (¬١) فافتتح تادلة ونواحيها، وسار في تلك الجبال يفتتح معمورها، وأقبل تاشفين من الأندلس باستدعاء ابنه، فانتدب لحرب الموحدين. وفيها سار صاحب القدس بالفرنج، فقصد حلب، فخرج إليه عسكرها، فالتقوا، فانهزم المسلمون، وقتل منهم مائة فارس، ثم التقوا ونصر الله. وفيها وثب إيليا الطغتكيني في الصيد على شمس الملوك بأرض صيدنايا فضربه بالسيف، فغطس عنها، ورمى نفسه إلى الأرض، وضربه ثانية، فوقعت في رقبة الفرس أتلفته، وتلاحق الأجناد فهرب إيليا، ثم ظفروا به، فقتله صبرًا، وقتل جماعة بمجرد قول إيليا فيهم، وبنى على أخيه حائطًا، فمات جوعًا، وبالغ في الظلم والعسف، وبنى دار المسرة بالقلعة، فجاءت بديعة الحسن. وفيها جاءت الأخبار من مصر بخلف ولدي الحافظ لدين الله عبد المجيد وهما: حيدرة، والحسن، وافترق الجند فرقتين، إحداهما مائلة إلى الإسماعيلية، والأخرى إلى مذهب السنة، فاستظهرت السنة، وقتلوا خلقًا من أولئك، واستحر القتل بالسودان، واستقام أمر ولي العهد حسن، وتتبع من كان ينصر الإسماعيلية من المقدمين والدعاة، فأبادهم قتلًا وتشريدًا. قال أبو يعلى حمزة (¬١): فورد كتاب الحافظ لدين الله على شمس الملوك بهذا الحال. وفيها فسخت الفرنج الهدنة وأقبلت بخيلائها، فجمع شمس الملوك جيشه، واستدعى تركمان النواحي، وبرز في عسكره نحو حوران، فالتقوا، وكانت الفرنج في جمعٍ كثيف، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيامًا، ثم غافلهم شمس الملوك، ونهض بشطر الجيش، وقصد عكا والناصرة، فأغار وغنم، فانزعجت الفرنج، وردوا ذليلين، وطلبوا تجديد الهدنة.