page 8598, entry [15961]Open original source
سنة أربعمائة. نقص في ربيع الآخر نهر دجلة نقصانا لم يعهد مثله، وامتنع سير السفن من أوانا والراشدية من أعالي دجلة، وأكريت لأجل جزائر ظهرت، ولا يعلم أن كري دجلة وقع قبل ذلك. وفيها عمل أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان على مشهد علي سورا منيعا من ماله، لكثرة من يطرقه من الأعراب، وتحصن المشهد. وفي رمضان أرجف بالقادر بالله بموته، فجلس للناس يوم الجمعة وعليه البردة، وبيده القضيب، وقبل الشيخ أبو حامد الإسفراييني الأرض، فسأل أبو الحسن بن حاجب النعمان مسألة الخليفة (¬١) أن يقرأ آيات من القرآن يسمعها الناس، فقرأ عند ذلك بصوت عال ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآيات. وفيها ورد الخبر إلى العراق بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر الصادق بالمدينة من فتحها وأخذ ما فيها، ولم يتعرض لهذه الدار أحد، وكان الحاكم قد أنفذ رجلا ومعه صلات للعلويين وزادهم، وأمره أن يجمعهم ويعلمهم إيثاره لفتح هذه الدار، والنظر إلى ما فيها من آثار جعفر بن محمد، وحمل ذلك إليه ليراه ويرده، ووعدهم على ذلك بالإكرام، فأجابوه، ففتحت، فوجد فيها مصحف وقعب من خشب مطوق بحديد، ودرقة خيزران وحربة وسرير، فحمل ذلك، ومضى معه جماعة من الحسينيين، ولما وصلوا إلى مصر أعطاهم مبلغا، ورد عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. وأمر بعمارة دار العلم، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين. وعمر أيضا الجامع الحاكمي بالقاهرة، واتصل الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق دار العلم، ومنع من كل ما يفعل من الخير، إلى أن قتل سرا. وحج بالناس من العراق أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي الكوفي. وفيها غزا محمود بن سبكتكين الهند، فكانت وقعة نارين، ونصر الله الإسلام، فله الحمد، وغنم المسلمون ما لا يحد ولا يوصف، وطلب صاحب الهند الهدنة، وبعث بتحف وتقادم مع أقاربه. قال أبو النصر محمد بن عبد الجبار في سيرة السلطان محمود (¬١): نشط السلطان في سنة أربعمائة لغزو الهند تقربا إلى الله، فنهض يحث الخيول، ويخترق الحزون والسهول، إلى أن توسط ديار الهند فاستباحها، ونكس أصنامها، وأوقع بعظيم العلوج وقعةً أفاء الله عليه بها أمواله، وأغنمهم خيوله وأفياله، وحكم فيها سيوف أوليائه، يحرسونهم ما بين كل سبسب وفدفد، ويجزرونهم عند كل مهبط ومصعد، ورد إلى غزنة بالغنائم، فلما رأى ملك الهند ما صب الله عليه وعلى أهل مملكته من سوط العذاب بوقائع السلطان، أيقن أنه لا قبل له بثقل وطأته، فأرسل إليه أعيان أقاربه ضارعا إليه في هدنة يقف فيها عند أمره، ويسمح بماله ووفره، على أن يقود إليه بادئ الأمر خمسين فيلا، ويحمل معها مالا عظيم الخطر، بما يضاهيه من مبار تلك الديار، ومتاع تلك البقاع، وعلى أن يناوب كل عام من أفناء عسكره في خدمة باب السلطان بألفي رجل، إلى إتاوة معلومة يلتزمها كل سنة، سنة يتمسك بها من يرث مكانه ويقوم في كفالة الملك مقامه. فأوجب السلطان إجابته ببذل طاعته، وإعطائه الجزية عن يده، وبعث إليه من طالبه بتصحيح المال، وقود الأفيال، فنفذ ما وعد، وانعقدت الهدنة، وتتابعت القوافل من خراسان والهند، ولله الحمد. وبقيت جبال الغور في وسط ممالك السلطان محمود، وبها قوم من الضلال الخالين عن سمة الإسلام يخيفون السبيل، ويتمنعون بتلك الجبال الشواهق، فأهم السلطان شأنهم، وصمم على تدويخ ديارهم وانتزاع بعرة الاستطالة من رؤوسهم، فاجلب عليهم بخيله ورجله، وقدم أمامه والي هراة ألتونتاش، ووالي طوس أرسلان، فسارا مقتحمين مضايق تلك المسالك، إلى مضيق قد غص بالكماة، فتناوشوا الحرب تناوشا بطلت فيه العوامل إلا الصوارم في الجماجم والخناجر في الحناجر، وتصابر الفريقان، حتى سالت نفوس، وطارت رؤوس، فلحقهم السلطان في خواص أبطاله، وجعل يلجئهم إلى ما وراءهم شيئا فشيئا، إلى أن فرقهم في عطفات الجبال، واستفتح المجال إلى عظيم الكفرة المعروف بابن سورى، فغزاه في عقر داره، وأحاط ببلده، وتقيد عليه، فبرز الرجل في عشرة آلاف كأنما خلقوا من حديد، وكأن أكبادهم الجلاميد، يستأنسون بأهل الوقائع استئناس الظمأ بماء الشرائع، ودام القتال إلى نصف النهار، فأمر السلطان بتوليتهم الظهور استدراجا، فاغتروا وانقضوا عن مواقفهم، واغتنموا الفرصة، فكرت عليهم الخيول بضربات غنيت بذواتها عن أدواتها، فلم ترتفع منها واحدة إلا عن دماغ منثور، ونياط مبتور، وصرع في المعركة رجال كهشيم المحتضر، أو أعجاز نخل منقعر، وأسر ابن سورى وسائر حاشيته، وأفاء الله على السلطان ما اشتمل عليه حصنه من ذخائره التي اقتناها كابرا عن كابر، وورثها كافرا عن كافر، وأمر السلطان بإقامة شعار الإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع، فأصفحت بالدين المنابر، واشترك في عز دعوته البادي والحاضر، ولعظم ما ورد على ابن سورى، مص فص خاتم مسموم، فأتلف نفسه، وخسر الدنيا والآخرة. وأما الأندلس فتم فيها فتن هائلة، وانقضت أيام الأمويين، وتفرقت الكلمة. وفي ربيع الأول دخل البربر والنصارى قرطبة، فقتلوا من أهلها أزيد من ثلاثين ألفا، وتملكها سليمان الأموي المستعين، واستقر بها سبعة أشهر، ثم بلغه أن المهدي الأموي، وهو ابن عمه، قد استنجد بالنصارى لأخذ الثأر منه، فتأهب، ثم وقع بينهم مصاف، فانهزم البربر والمستعين، وذلك في رابع شوال، ودخل المهدي قرطبة بدولته الثانية، فصادرهم، وفعل الأفاعيل، وخرج يتتبع البربر، فكروا عليه فهزموه، واستبيح عسكره، وقتل نحو العشرين ألفا من أهل قرطبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.