page 8282, entry [15041]Open original source
فناخسرو، السلطان عضد الدولة، أبو شجاع ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي. ولي مملكة فارس بعد عمه عماد الدولة، ثم قوي على ابن عمه عز الدولة بختيار ابن معز الدولة، وبلغ من سعة المملكة والاستيلاء على الممالك، ما لم يبلغه أحد من بيته، ودانت له البلاد والعباد. وهو أول من خوطب بالملك شاه شاه في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد أمير المؤمنين. وكان فاضلًا نحويًا، له مشاركة في فنون، وله صنف أبو علي الفارسي الإيضاح والتكملة. وقد مدحه فحول الشعراء، وسافر إلى بابه المتنبي إلى شيراز، قبل أن يملك العراق، وامتدحه بقصائد مشهورة، وقصده شاعر العراق أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي، وأنشده قصيدته البديعة التي يقول فيها: إليك طوى عرض البسيطة جاعل … قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي … ثلاثة أشياء كما اجتمع البشر وبشرت آمالي بملك هو الورى … ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر وقال الثعالبي في " يتمية الدهر (¬١) ": لعضد الدولة قصيدة فيها بيت لم يفلح بعده: ليس شرب الراح إلا في المطر … وغناء من جوار في السحر مبرزات الكاس من مطلعها … ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها … ملك الأملاك غلاب القدر فقيل: إنه لما احتضر، لم ينطق لسانه إلا بـ: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه، وتوفي بعلة الصرع في شوال، سنة اثنتين وسبعين ببغداد، وله ثمان وأربعون سنة، ودفن بمشهد علي ﵁ بالكوفة. وهو الذي أظهر قبر علي بالكوفة وادعى أنه قبره. وكان شيعيًا، فبنى عليه المشهد، وأقام البيمارستان العضدي ببغداد، وأنفق عليه أموالًا عظيمة، وهو بيمارستان عظيم ليس في الدنيا مثل ترتيبه. وملك العراق خمس سنين ونصفًا، ولما قدمها خرج الطائع لله وتلقاه، وهذا شيء لم يتهيأ لأحد قبله، فدخل بغداد، وقد استولى الخراب عليها، وعلى سوادها بانفجار بثوقها، وقطع المفسدين طرقاتها، فبعث العسكر إلى بني شيبان، وكانوا يقطعون الطريق، فأوقعوا بهم وأسروا من بني شيبان ثمانمائة، وسد البثوق، وغرس الزاهر وهو دار أبي علي بن مقلة، وكانت قد صارت تلًا، فيقال: إنه غرم على نقل التراب أكثر من ألف ألف درهم، وغرس التاجي عند قطربل وحوطه على ألف وسبعمائة جريب، وعمر الطرق والقناطر والجسورة. وكان متيقظًا شهمًا، له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، حتى صارت أخبار الأقاليم تنقل إليه. وكان شديد العناية بذلك، كثير البحث عن المشكلات، وافر العقل. كان من أفراد الملوك لولا ظلمه، وكان سفاكًا للدماء، حتى أن جارية شغل قلبه بميله إليها، فأمر بتغريقها، وأخذ غلام من رجل بطيخًا غصبًا، فوسطه. وكان يحب العلم والعلماء ويصلهم. ووجد له في تذكرة: إذا فرغنا من حل إقليدس تصدقت بعشرين ألف درهم، وإذا فرغنا من كتاب أبي علي النحوي تصدقت بخمسين ألف درهم، وإن ولد لي ابن تصدقت بعشرة آلاف، فإن كان من فلانة تصدقت بخمسين ألف درهم. وكان قد طلب حساب دخله في السنة، فإذا هو ثلاثمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، فقال: أريد أبلغ به إلى ثلاثمائة وستين ألف ألف، ليكون دخلنا كل يوم ألف ألف درهم. قال ابن الجوزي (¬١): وفي رواية كان يرتفع له في العام اثنان وثلاثون ألف ألف دينار، وكان له كرمان، وفارس، وعمان، وخوزستان، والعراق، والموصل، وديار بكر، وحران، ومنبج. وكان ينافس في القيراط، وأقام مكوسًا ومظالم، نسأل الله العافية. وكان صائب الفراسة، قيل: إن تاجرًا قدم بغداد للحج فأودع عند عطار عقد جوهر، فأنكره، فحار، ثم إنه أتى عضد الدولة، فقص عليه أمره، فقال: الزم الجلوس هذه الأيام عند العطار، ثم إن عضد الدولة مر في موكبه على العطار، فسلم على التاجر وبالغ في إكرامه، فتعجب الناس، فلما تعداه التفت العطار إلى التاجر، وقال: ما تخبرني متى أودعتني هذا العقد، وما صفته، لعلي أتذكر، قال: صفته كذا، فقام وفتش ثم نفض برنية فوقع العقد، وقال: كنت نسيته. وقيل: إن قومًا من الأكراد قطاع طريق عجز عنهم، فاستدعى تاجرا، ودفع إليه بغلًا، عليه صندوقان فيهما حلواء مسمومة، ومتاع ودنانير، قال: فأخذوا البغل والصندوقين، فأكلوا الحلواء فهلكوا. وقد ذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء (¬١) له عدة حكايات لعضد الدولة، والله أعلم. ٦٩ -