page 6900, entry [10972]Open original source
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك. الأمير أبو محمد الأموي المرواني صاحب الأندلس. ولي الأمر بعد أخيه المنذر بن محمد في صفر سنة خمسٍ وسبعين ومائتين، وطالت أيامه، وبقي في الملك خمسًا وعشرين سنة. وكان من الأمراء العادلين الذين يعز وجود مثلهم. كان صالحًا تقيًا، كثير العبادة والتلاوة، رافعًا لعلم الجهاد، ملتزمًا للصلوات في الجامع، وله غزوات مشهورة، منها غزوة بلي التي يضرب بها المثل. وذلك أن ابن حفصون حاصر حصن بلي في ثلاثين ألفًا. فخرج الأمير عبد الله من قرطبة في أربعة عشر ألف مقاتل، فهزم ابن حفصون، وتبعه قتلًا وأسرًا، حتى قيل: إنه لم ينج من الثلاثين ألفًا إلا النادر. وكان ابن حفصون من الخوارج. وكان عبد الله أديبًا عالمًا. ذكر ابن حزم قال: حدثني محمد بن عبد الأعلى القاضي، وعلي بن عبد الله الأديب؛ قالا: كان الوزير سليمان بن وانسوس جليلًا أديبًا، من رؤساء البربر، فدخل على الأمير عبد الله بن محمد يومًا، وكان عظيم اللحية، فلما رآه الأمير مقبلًا أنشد: هلوفة كأنها جوالق … نكداء لا بارك فيها الخالق للقمل في حافاتها نفائق … فيها لباغي المتكى بوائق وفي احتدام الصيف ظل رائق … إن الذي يحملها لمائق ثم قال: اجلس يا بربري. فجلس متألمًا، فقال: أيها الأمير، إنما كان الناس يرغبون في هذه المنزلة ليدفعوا عن أنفسهم الضيم؛ فأما إذا صارت جالبة للذل فلنا دور تسعنا وتغنينا عنكم، فإن حلتم بيننا وبينها فلنا قبور تسعنا. ثم اعتمد على يده وقام ولم يسلم. فغضب الأمير وأمر بعزله، وبقي كذلك مدة. ثم وجد الأمير لفقده ولصحبته، فقال: لقد وجدت لفقد سليمان تأثيرًا، وإن استعطفته كان ذلك غضاضةً علينا، فوددت أنه ابتدأنا بالرغبة. فقال له الوزير محمد بن الوليد بن غانم: أنا أكلمه. فذهب إليه، فأبطأ إذنه عليه، ثم دخل فوجده قاعدًا لم يتزحزح، فقال: ما هذا الكبر؟ عهدي بك وأنت وزير السلطان وفي أبهة رضاه تلقاني وتزحزح لي صدر مجلسك. فقال: نعم، كنت حينئذٍ عبدًا مثلك، وأنا اليوم حر. قال: فيئس ابن غانم منه فخرج ولم يكلمه، ورجع فأخبر الأمير؛ فابتدأ الأمير بالإرسال إليه، ثم ولاه. وروى ابن حزم بسندٍ له أن الأمير عبد الله استفتى بقي بن مخلد في الزنديق، فأفتاه أنه لا يقتل حتى يستتاب وذكر خبرًا. توفي عبد الله في غرة ربيع الآخر سنة ثلاث مائة، وولي الأندلس بعده حفيده الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد خمسين سنة. ٢٦٨ - عبد الله ابن المعتز بالله محمد ابن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ابن الرشيد، الأمير أبو العباس العباسي الأديب صاحب الشعر البديع والنثر الفائق. أخذ العربية والأدب عن: المبرد، وثعلب. وعن: مؤدبه أحمد بن سعيد الدمشقي. وكان مولده في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين. روى عنه: مؤدبه أحمد، ومحمد بن يحيى الصولي، وغيرهما. وقد قامت الدولة وتوثبوا على المقتدر، وأقاموا ابن المعتز في الخلافة؛ فقال: بشرط أن لا يقتل بسببي رجل مسلم. وكاد أمره يتم، ثم تفرق عنه جمعه وقبض عليه، وقتل سرا في ربيع الآخر سنة ست وتسعين كما ذكرناه في الحوادث. وقد رثاه علي بن محمد بن بسام، فقال: لله درك من ملك بمضيعة … ناهيك في العقل والآداب والحسب ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه … وإنما أدركته حرفة الأدب ومن شعره: من لي بقلب صيغ من صخرة … في جسد من لؤلؤ رطب جرحت خديه بلحظي فما … برحت حتى اقتص من قلبي وله: وإني لمعذور على طول حبها … لأن لها وجها يدل على عذري إذا ما بدت والبدر ليلة تمه … رأيت لها فضلا مبينا على البدر وتهتز من تحت الثياب كأنها … قضيب من الريحان في الورق الخضر أبى الله إلا أن أموت صبابة … بساحرة العينين طيبة النشر وله أيضا: أترى الجيرة الذين تداعوا … عند سير الحبيب قبل الزوال علموا أنني مقيم وقلبي … راحل فيهم أمام الجمال مثل صاع العزيز في أرحل القو … م، ولا يعلمون ما في الرحال ما أعز المعشوق ما أهون العا … شق، ما أقتل الهوى للرجال ومن نثره: من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار. وقال: كلما عظم قدر المنافس، عظمت الفجيعة به. وقال: ربما أورد الطمع ولم يصدر، ومن ارتحله الحرص، أنضاه الطلب. وقال: الحظ يأتي من لا يأتيه. وقال: أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء من النار أسرعه إلى الاحتراق. وقال: من شارك السلطان في عز الدنيا، شاركه في ذل الآخرة. وقال: يكفيك للحاسد غمه وقت سرورك. وقيل: إنه قال هذه الأبيات عندما سلم لمؤنس ليهلكه: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك … خانتك من بعد طول الأمن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها: … طوباك يا ليتني إياك طوباك إن كان قصدك شوقا بالسلام على … شاطئ الصراة أبلغي إن كان مثواك من موثق بالمنايا لا فكاك له … يبكي الدماء على ألف له باكي أظنه آخر الأيام من عمري … وأوشك اليوم أن يبكي لي الباكي (¬١) ٢٦٩ - عبد الحميد بن عبد العزيز. القاضي أبو خازم السكوني البصري ثم البغدادي الحنفي الفقيه. يروي عن: محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وشعيب بن أيوب الصريفيني. روى عنه: مكرم بن أحمد، وأبو محمد بن زبر وغيرهما، وكان ثقة. ولي قضاء الشام وقضاء الكوفة ثم استقضاه المعتضد على قضاء الشرقية. قال طلحة الشاهد: كان دينًا، عالمًا بمذهب أهل العراق وبالفرائض والجبر والمقابلة، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات. أخذ عن: هلال الرأي، وبكر العمي، ومحمود الأنصاري أصحاب محمد بن شجاع الثلجي، وغيره. حتى كان جماعة يفضلونه على هؤلاء. فأما عقله فلا نعلم أن أحدًا رآه فقال إنه رأى أعقل منه. وقال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الحنفية (¬١): ومنهم أبو خازم القاضي أخذ العلم عن شيوخ البصرة بكر العمي، وغيره، وولي القضاء بالشام، وبالكوفة، والكرخ من بغداد. قال أبو علي التنوخي: حدثنا أبو بكر بن مروان القاضي، قال: حدثني مكرم بن بكر قال: كنت في مجلس أبي خازم القاضي، فتقدم شيخ ومعه غلام حدث. فادعى الشيخ عليه ألف دينار، فأقر بها. فقال للشيخ: ما تشاء؟ فقال: حبسه. فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن توفيه البعض، وتسأله إنظارك؟ فقال: لا. فقال الشيخ: احبسه. فتفرس فيهما أبو خازم ساعة ثم قال: تلازما حتى أنظر بينكما. فقلت: لم أخر القاضي حبسه؟ قال: ويحك، إني أعرف في أكثر الأحوال وجه المحق من المبطل. وقد وقع لي أن سماحة هذا بالإقرار عن أمرٍ بعيدٍ من الحق، لعله أن ينكشف لي أمرهما. أما رأيت قلة تعاصيهما في المحاورة وسكونهما، مع عظم المال؟ فبينا نحن كذلك، إذ استأذن تاجر موسر، فأذن له القاضي، فدخل فقال: قد بليت بابنٍ لي حدث، يتلف مالي عند فلان المقين، فإذا منعته مالي احتال بحيلٍ تلجئني إلى التزام غرم. وأقربه أنه قد نصب المقين اليوم ليطالبه بألف دينار. وبلغني أنه قدمه إليك ليحبس، وأقع مع أمه في نكدٍ إلى أن أزنها عنه. فتبسم القاضي وقال لي: كيف رأيت؟ قلت: لهذا ومثله فضل الله القاضي. فقال: علي بالغلام وبالشيخ فأدخلا، فأرهب القاضي الشيخ، ووعظ الغلام، فأقر الشيخ وأخذ التاجر بيد ابنه وانصرفوا. وقال أبو برزة الحاسب: لا أعرف في الدنيا أحسب من أبي خازم القاضي. وقال القاضي أبو الطاهر الذهلي: بلغني أن أبا خازم القاضي جلس في الشرقية، فأدب خصمًا لأمر، فمات. فكتب رقعةً إلى المعتضد يقول: إن دية هذا واجبة في بيت المال، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بحملها إلى ورثته فعل. فحمل إليه عشرة آلاف درهم، فدفعها إلى ورثته. قلت: كان المعتضد يجل أبا خازم ويطيعه في الخير. وبلغنا أن أبا خازم لما احتضر جعل يبكي ويقول: يا رب من القضاء إلى القبر؟! وله شعر رائق، فمنه: أدل فأكرم به من مدل … ومن شادن لدمي مستحل إذا ما تعزز قابلته بـ … ذل وذلك جهد المقل وأسلمت خدي له خاضعا … ولولا ملاحته لم أذل قال محمد بن الفيض: لم يزل محمد بن إسماعيل بن علية على قضاء دمشق إلى أن مات سنة أربع وستين ومائتين وولي بعده أبو خازم فلم يزل على القضاء إلى أن قدم المعتضد قبل الخلافة لحرب ابن طولون، فخرج أبو خازم معه إلى العراق، وولي بعده أبو زرعة محمد بن عثمان. قال الطحاوي: مات ببغداد في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين (¬١). • - فأما أبو حازم القاضي أحمد بن محمد بن نصر. فآخر من أقرانه، لكنه تأخرت وفاته إلى سنة ست عشرة وثلاث مائة. وأبو حازم القاضي، بحاء (¬٢). ٢٧٠ -