page 6531, entry [9942]Open original source
محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو حاتم الغطفاني الحنظلي الرازي الحافظ. أحد الأئمة الأعلام. ولد سنة خمس وتسعين ومائة. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (¬١): سمعت أبي يقول: كتبت الحديث سنة تسع ومائتين وأنا ابن أربع عشرة سنة. سمع: عبيد الله بن موسى، وأبا نعيم، وطبقتهما بالكوفة، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، والأصمعي وطبقتهما بالبصرة؛ وعفان، وهوذة بن خليفة، وطبقتهما ببغداد؛ وأبا مسهر، وأبا الجماهر محمد بن عثمان، وطبقتهما بدمشق، وأبا اليمان، ويحيى الوحاظي، وطبقتهما بحمص، وسعيد بن أبي مريم، وطبقته بمصر، وخلقا بالنواحي والثغور. وتردد في الرحلة زمانا. قال ابنه (¬٢): سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد بعد ذلك. وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا، ثم إلى الرملة ماشيا، ثم إلى دمشق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى طرسوس. ثم رجعت إلى حمص، ثم منها إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق. كل هذا وأنا ابن عشرين سنة. دخلت الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة. قلت: أدرك عبيد الله قبل موته بشهرين. قال: وجاءنا نعي أبي عبد الرحمن المقرئ وأنا بالكوفة. ورحلت مرة ثانية سنة اثنتين وأربعين ومائتين، ورجعت إلى الري سنة خمس وأربعين. وحججت رابع حجة سنة خمس وخمسين، قال: وفيها حج ابني عبد الرحمن، وحزرت ما كتبت عن ابن نفيل يكون نحو أربعة عشر ألفا، وكتب محمد بن مصفى عني جزءا انتخبه. قلت: وحدث عنه من شيوخه: الصفار، ويونس بن عبد الأعلى، وعبدة بن سليمان المروزي، ومحمد بن عوف الحمصي، والربيع بن سليمان المرادي. ومن أقرانه: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي. ومن أصحاب السنن: أبو داود والنسائي، وقيل: إن البخاري، وابن ماجه رويا عنه ولم يصح؛ وأبو بكر بن أبي الدنيا، وابن صاعد، وأبو عوانة، والقاضي المحاملي، وأبو الحسن علي بن إبراهيم القطان صاحب ابن ماجه، وأبو عمرو محمد بن أحمد بن حكيم المديني، ومحمد بن مخلد العطار، والحسين بن عياش القطان، وحفص بن عمر الأردبيلي، وسليمان بن يزيد الفامي، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب، وبكر بن محمد المروزي الصيرفي، وعبد المؤمن بن خلف النسفي، وأبو حامد أحمد بن علي بن حسنويه المقرئ التاجر، وخلق كثير. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (¬١): قال لي موسى بن إسحاق القاضي: ما رأيت أحفظ من والدك. وقال أحمد بن سلمة الحافظ: ما رأيت بعد إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى، أحفظ للحديث من أبي حاتم، ولا أعلم بمعانيه. وقال ابن أبي حاتم (¬٢): سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان بقاؤهما صلاح للمسلمين. وقال هبة الله اللالكائي: أبو حاتم إمام حافظ متثبت. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم (¬٣): سمعت أبي يقول: كنت أذاكر أبا زرعة، فقال لي: يا أبا حاتم قل من يفهم هذا إذا رفعت هذا من واحد واثنتين، فما أقل من يحسن هذا. وربما أتيتك في شيء وأبقى إلى أن ألتقي معك، لا أجد من يشفيني. وقال القاسم بن أبي صالح الهمذاني: سمعت أبا حاتم يقول: قال لي أبو زرعة: ترفع يديك في القنوت؟ قلت: لا، أفترفع أنت؟ قال: نعم. قلت: ما حجتك؟ قال: حديث ابن مسعود. قلت: رواه ليث بن أبي سليم (¬١). قال: حديث أبي هريرة. قلت: رواه ابن لهيعة (¬٢). قال: حديث ابن عباس. قلت: رواه عوف. قال: فما حجتك في تركه. قلت: حديث أنس أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء (¬٣). فسكت أبو زرعة. قلت: قد ثبتت عدة أحاديث في رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء، وأنس حكى بحسب ما رأى منه (¬٤). وقال ابن أبي حاتم (¬٥) سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا صحيحا فله علي درهم يتصدق به. وكان ثم خلق، أبو زرعة فمن دونه؛ وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع به. فيقولون هو عند فلان، فأذهب فأسمعه، فلم يتهيأ لأحد أن يغرب علي حديثا. وسمعت أبي يقول (¬٦): كان محمد بن يزيد الأسفاطي قد ولع بالتفسير وبحفظه، فقال يوما: ما تحفظون في قوله: فنقبوا في البلاد؟ فسكتوا. فقلت: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ضربوا في البلاد. وسمعت أبي يقول (¬١): قدم محمد بن يحيى النيسابوري الري. فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثا من حديث الزهري، فلم يعرف منها إلا ثلاثة أحاديث. قلت: إنما ألقى عليه من حديث الزهري، لأن محمدا كان إليه المنتهى في معرفة حديث الزهري، قد جمعه وصنفه وتتبعه حتى كان يقال له الزهري. قال (¬٢): وسمعت أبي يقول: وبقيت بالبصرة سنة أربع عشرة ثمانية أشهر، فجعلت أبيع ثيابي حتى نفدت. فمضيت مع صديق لي أدور على الشيوخ، فانصرف رفيقي العشي، ورجعت فجعلت أشرب الماء من الجوع. ثم أصبحت، فغدا علي رفيقي، فطفت معه على جوع شديد، وانصرفت جائعا. فلما كان من الغد، غدا علي فقلت: أنا ضعيف لا يمكنني. قال: ما بك؟ قلت: لا أكتمك، مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا. فقال: قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وأخذت منه النصف دينار. سمعت أبي يقول: خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري، وصرنا إلى الجار، فركبنا البحر، فكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا. وخرجنا إلى البر نمشي أياما حتى فني ما تبقى معنا من الزاد والماء. فمشينا يوما لم نأكل ولم نشرب، ويوم الثاني كمثل، ويوم الثالث. فلما كان المساء صلينا وألقينا بأنفسنا، فلما أصبحنا في اليوم الثالث، جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، وكنا ثلاثة، أنا، وشيخ نيسابوري، وأبو زهير المروروذي. فسقط الشيخ مغشيا عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل. فتركناه ومشينا قدر فرسخ، فضعفت وسقطت مغشيا علي، ومضى صاحبي يمشي، فرأى من بعيد قوما قربوا سفينتهم من البر ونزلوا على بئر موسى فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم فجاءوه معهم ماء، فسقوه وأخذوا بيده، فقال لهم: الحقوا رفيقين لي، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني، فقلت: اسقني فصب من الماء في مشربة قليلا، فشربت ورجعت إلي نفسي. ثم سقاني قليلا وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى. فذهب جماعة إليه. وأخذ بيدي وأنا أمشي وأجر رجلي، حتى إذا بلغت عند سفينتهم وأتوا بالشيخ، وأحسنوا إلينا، فبقينا أياما حتى رجعت إلينا أنفسنا. ثم كتبوا لنا كتابا إلى مدينة يقال لها راية، إلى واليهم. فزودونا من الكعك والسويق والماء. فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والقوت، فجعلنا نمشي جياعا على شط البحر، حتى دفعنا إلى سلحفاة مثل الترس. فعمدنا إلى حجر كبير، فضربنا على ظهرها فانفلق، فإذا فيها مثل صفرة البيض، فحسيناه حتى سكت عنا الجوع، حتى توصلنا إلى مدينة الراية وأوصلنا الكتاب إلى عاملها. فأنزلنا في داره فكان يقدم إلينا كل يوم القرع، ويقول لخادمه: هات لهم اليقطين المبارك. فيقدمه مع الخبز أياما. فقال واحد منا: ألا تدعو باللحم المشؤوم. فسمع صاحب الدار، فقال: أنا أحسن بالفارسية فإن جدتي كانت هروية. وأتانا بعد ذلك باللحم. ثم زودنا إلى مصر. سمعت أبي يقول: لا أحصي كم مرة سرت من الكوفة إلى بغداد. توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين، وله اثنتان وثمانون سنة. قال (¬١): وأنشدني أبو محمد الإيادي في أبي يرثيه بقصيدة طويلة أولها: أنفسي ما لك لا تجزعينا … وعيني ما لك لا تدمعينا ألم تسمعي بكسوف العلو … م في شهر شعبان محقا مدينا ألم تسمعي خبر المرتضى … أبي حاتم أعلم العالمينا وساق القصيدة كلها. ٣٥٤ -