page 5783, entry [7944]Open original source
ذو النون المصري الزاهد، رحمة الله عليه. اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال: الفيض بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم أبو الفيض، ويقال: أبو الفياض الإخميمي. وأبوه نوبي. روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وسلم الخواص، وجماعة. وعنه أحمد بن صبيح الفيومي، وربيعة بن محمد الطائي، ورضوان بن محيميد، ومقدام بن داود الرعيني، والحسن بن مصعب النخعي، والجنيد بن محمد، وغيرهم. روى سليمان بن أحمد الملطي - وهو ضعيف -، قال: حدثنا أبو قضاعة ربيعة بن محمد، قال: حدثنا ثوبان بن إبراهيم، قال: حدثنا الليث بن سعد، فذكر حديثا. وقال محمد بن يوسف الكندي في كتاب الموالي من أهل مصر: ومنهم ذو النون بن إبراهيم الإخميمي مولى لقريش. وكان أبوه نوبيا. وقال الدارقطني (¬٣): روى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظا. وقال ابن يونس: كان عالما فصيحا حكيما، أصله من النوبة. توفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين. وقال السلمي: حمل ذو النون إلى المتوكل على البريد من مصر ليعظه سنة أربع وأربعين، وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع بكى. وقال يوسف بن أحمد البغدادي: كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق، فلما مات أظلت الطير جنازته، فاحترموا بعد ذلك قبره. وقال أبو القاسم القشيري (¬١): كان رجلا نحيفا تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية. وقيل: كانت تعلوه صفرة. وعن أيوب مؤدب ذي النون قال: أتى أصحاب المطالب ذا النون، فخرج معهم إلى قفط وهو شاب، فحفروا قبرا، فوجدوا فيه لوحا فيه اسم الله الأعظم، فأخذه ذو النون، وسلم إليهم ما وجدوا. وقال يوسف بن الحسين الرازي: حضرت مجلس ذي النون فقيل: يا أبا الفيض ما كان سبب توبتك؟ قال: أردت الخروج إلى قرى مصر فنمت في الصحراء ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء معلقة بمكان، فسقطت من وكرها، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان ذهب وفضة، في إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء، فأكلت وشربت. فقلت: حسبي، قد تبت. ولزمت الباب إلى أن قبلني. وفي كتاب المحن للسلمي: إن ذا النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية. أنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم، وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، ولذلك هجره علماء مصر، حتى شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف. وهجروه حتى رموه بالزندقة. قال: فدخل عليه أخوه فقال: إن أهل مصر يقولون: إنك زنديق. فأنشأ يقول: وما لي سوى الإطراق والصمت حيلة … ووضعي كفي تحت خدي وتذكاري قال: وقال محمد بن يعقوب بن الفرخي: كنت مع ذي النون في الزورق، فمر بنا زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر. فقال: اللهم إن كانوا كاذبين فغرقهم. فانقلب الزورق وغرقوا. فقلت له: أحسب أن هؤلاء قد مضوا يكذبون، فما بال الملاح؟ قال: لم حملهم وهو يعلم قصدهم. ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور. ثم انتفض وتغير، وقال: وعزتك لا أدعو على خلقك بعد هذا. ثم دعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم، فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكل، فأمر بإحضاره، فحمل على البريد. فلما سمع كلامه ولع به وأحبه وأكرمه، حتى كان إذا ذكر الصلحاء يقول: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بذي النون. وقال علي بن حاتم: سمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون يقول: مهما تصور في وهمك، فالله بخلاف ذلك. وقال: سمعت ذا النون يقول: الاستغفار اسم جامع لمعان كثيرة، أولهن: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك الرجوع، والثالث: أداء كل فرض ضيعته فيما بينك وبين الله، والرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها، والخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام، والسادس: إذاقة البدن ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية. وعن عمرو بن السرح قال: قلت لذي النون كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلني الغلام إلى الستر رفعه ثم قال لي: ادخل. فنظرت فإذا المتوكل في غلالة مكشوف الرأس، وعبيد الله قائم على رأسه متكئ على السيف. فعرفت في وجوه القوم الشر. ففتح لي باب، فقلت في نفسي: يا من ليس في السموات قطرات ولا في البحار قطرات، ولا في ديلج الرياح ديلجات، ولا في الأرض خبيئات، ولا في قلوب الخلائق خطرات إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيرات. فبالقدرة التي تجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وآل محمد، وأخذت قلبه عني. فقام إلي المتوكل يخطو، حتى اعتنقني، ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض. إن تشأ تقيم عندنا فأقم، وإن تشأ أن تنصرف فانصرف. فاخترت الانصراف. وقال يوسف بن الحسين: حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل، وكان مولعا به يفضله على العباد والزهاد، فقال له يوما: يا أبا الفيض صف لي أولياء الله. قال: يا أمير المؤمنين، هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته، ثم أخرجهم وقد أودع القلوب ذخائر الغيوب، فهي معلقة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة. ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء، وعرفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال: يا أوليائي إن أتاكم عليل من فرقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه، أو فارُّ مني فرغبوه، أو خائف مني فأمنوه، أو مستوصف نحوي فأرشدوه، أو مسيء فعاتبوه. أو استغاث بكم مستغيث فأغيثوه. في فصل طويل. ولذي النون ترجمة طويلة في تاريخ دمشق (¬١)، وأخرى في حلية الأولياء (¬٢). وما أحسن قوله: العارف لا يلتزم حالة واحدة، ولكن يلتزم أمر ربه في الحالات كلها. قد تقدمت وفاته في سنة خمس. وكذا ورخه عبيد الله بن سعيد بن عفير. وأما حيان بن أحمد السهمي فقال: مات بالجيزة وعدي به إلى مصر في مركب خوفا من زحمة الناس على الجسر لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين. وقال آخر: سنة ثمان وأربعين. والأول أصح. وقد قارب التسعين أو جازها. ١٨٥ - ق: