page 5522, entry [7485]Open original source
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن العباس بن مرداس السلمي. الفقيه، أبو مروان العباسي الأندلسي القرطبي المالكي. أحد الأعلام. ولد سنة نيف وسبعين ومائة في حياة مالك. وروى قليلا عن صعصعة بن سلام، والغاز بن قيس، وزياد شبطون. ورحل فحج في حدود العشر ومائتين، وسمع من عبد الملك بن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وأسد بن موسى السنة، وأصبغ بن الفرج، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وخلق سواهم. فرجع إلى الأندلس بعلم جم وفقه كثير. وكان موصوفا بالحذق في مذهب مالك. له مصنفات كثيرة منها: كتاب الواضحة، وكتاب الجامع، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب حروب الإسلام، وكتاب سيرة الإمام في الملحدين، وكتاب طبقات الفقهاء، وكتاب مصابيح الهدى. قال ابن بشكوال (¬١): قيل لسحنون: مات ابن حبيب. فقال: مات علم (¬٢) الأندلس، بل والله علم (¬٣) الدنيا. وقال بعضهم: هاجت رياح وأنا في البحر، فرأيت عبد الملك بن حبيب رافعا يديه متعلقا بحبال السفينة يقول: اللهم إن كنت تعلم أني إنما أردت ابتغاء وجهك وما عندك فخلصنا. قال: فسلم الله. وقد ضعف ابن حزم عبد الملك بن حبيب، ولا ريب أن ابن حبيب كان صحفيا. قال أبو عمر أحمد بن سعيد الصدفي: قلت لأحمد بن خالد: إن الواضحة عجيبة جدا، وإن فيها علما عظيما، فما يدخلها؟ قال: أول شيء: إنه حكى فيها مذاهب لم نجدها لأحد من أصحابه، ولا نقلت عنهم، ولا هي في كتبهم. ثم قال أبو عمر الصدفي في تاريخه: كان كثير الرواية، كثير الجمع، يعتمد على الأخذ بالحديث. ولم يكن يميزه، ولا يعرف الرجال، وكان فقيها في المسائل، وكان يطعن عليه بكثرة الكتب، وذكر أنه كان يستجيز الأخذ بلا رواية ولا مقابلة، وذكر أنه أخذ إجازة كبيرة، وأشير إليه بالكذب. سمعت أحمد بن خالد يطعن عليه بذلك ويتنقصه غير مرة. وقال: قد ظهر لنا كذبه في الواضحة في غير شيء. وقال أحمد بن خالد: سمعت ابن وضاح يقول: أخبرني ابن أبي مريم قال: كان ابن حبيب بمصر، فكان يضع الطويلة، وينسخ طول نهاره. فقلت: إلى كم ذا النسخ؟ متى تقرأه على الشيخ؟ فقال: قد أجاز لي كتبه، يعني أسد بن موسى، فخرجت من عنده فأتيت أسدا فقلت: تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيز لغيرنا؟ فقال: أنا لا أرى القراءة فكيف أجيز؟ فأخبرته فقال: إنما أخذ مني كتبي فيكتب منها، ليس ذا علي. وقال أحمد بن محمد بن عبد البر التاريخي: هو أول من أظهر الحديث بالأندلس، وكان لا يميز صحيحه من سقيمه، ولا يفهم طرقه، ويصحف أسماء الرجال، ويحتج بالمناكير. فكان أهل زمانه لا يرضون عنه، وينسبونه إلى الكذب. قال أحمد بن محمد بن عبد البر: وكان الذي بين عبد الملك بن حبيب وبين يحيى بن يحيى سيئا، وذلك أنه كان كثير المخالفة ليحيى. وكان قد لقي أصبغ بمصر، فأكثر عنه فكان إذا اجتمع مع يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان، ونظرائهما عند الأمير عبد الرحمن وقضاته فسئلوا، قال يحيى بن يحيى بما عنده، وكان أسن القوم وأولاهم بالتقدم - فيدفع عليه عبد الملك بن حبيب بأنه سمع أصبغ بن الفرج يقول كذا. فكان يحيى يغمه بمخالفته له. فلما كان في بعض الأيام جمعهم القاضي في الجامع، فسألهم عن مسألة، فأفتى فيها يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسان بالرواية، فخالفهما عبد الملك، وذكر خلافهما رواية عن أصبغ. وكان عبد الأعلى بن وهب من أحداث أهل زمانه، وكان قد حج وأدرك أصبغ بن الفرج بمصر، وروى عنه. فدخل يوما بأثر شورى القاضي فحدثنا أحمد بن خالد عن ابن وضاح عن عبد الأعلى، قال: دخلت يوما على سعيد بن حسان، فقال لي: أبا وهب، ما تقول في مسألة كذا؟ - للمسألة التي سألهم فيها القاضي - هل تذكر لأصبغ بن الفرج فيها شيئا؟ فقلت: نعم، أصبغ يقول فيها كذا، وكذا فأفتى بموافقة يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان. فقال لي سعيد: انظر ما (¬١) تقول، أنت على يقين من هذا؟ قلت: نعم. قال: فأتني بكتابك، فخرجت مسرعا، ثم ندمت ودخل علي الشك. ثم أتيت داري، فأخرجت الكتاب من قرطاس كما رويته عن أصبغ، فسررت، ومضيت إلى سعيد بالكتاب. فقال: تمضي به إلى أبي محمد. فمضيت به إلى يحيى بن يحيى، فأعلمته ولم أدر ما القصة. فاجتمعا بالقاضي وقالا: إن عبد الملك يخالفنا بالكذب. والمسألة التي خالفنا فيها عندك. هنا رجل قد حج وأدرك أصبغ، وروى عنه هذه المسألة، كقولنا على خلاف ما ادعاه عبد الملك، فاردعه وكفه. فجمعهم القاضي ثانيا، وتكلموا، فقال عبد الملك: قد أعلمتك ما يقول فيها أصبغ. فبدر عبد الأعلى بن وهب فقال: يكذب على أصبغ. أنا رويت هذه المسألة عنه على ما قال هذان، وهذا كتابي. وأخرج المسألة، فأخذ القاضي الكتاب وقرأ المسألة، فقال لعبد الملك ما ساءه من القول، وحرج عليه، وقال: تفتينا بالكذب والخطأ، وتخالف أصحابك بالهوى؟ لولا البقيا عليك لعاقبتك. ثم قاموا. قال عبد الأعلى: فلما خرجت خطرت على دار ابن رستم الحاجب، فرأيت عبد الملك خارجا من عنده وفي وجهه البشر. فقلت: ما لي لا أدخل على ابن رستم؟ فدخلت، فلم ينتظر جلوسي وقال: يا مسكين من غرك، أو من أدخلك في مثل هذا تعارض مثل عبد الملك بن حبيب وتكذبه؟ فقلت: أصلحك الله، إنما سألني القاضي عن شيء، فأجبته بما عندي. ثم خرجت من عنده. فإذا بعبد الملك قد شكا إليه الخبر وقال له: إنه عمل (¬١) على صنيعته وأتى برجل ليس من أهل العلم والرواية، فأجلس معي وكذبني، وأوقفني موقفا عجيبا. فقال له ابن رستم: اكتب بطاقة تجلي الأمر وارفعها إلى الأمير. فكتب يصف القصة، ويشنع. فأمر الأمير أن يبعث في القاضي. فبعث فيه، فخرجت إليه وصية الأمير يقول له: من أمرك أن تشاور عبد الأعلى. وكان عبد الملك قد بنى بطاقته على أن يحيى بن يحيى أمره بذلك. فقال القاضي: ما أمرني أحد بمشاورته، ولكنه كان يختلف إلي، وكنت أعرفه من أهل العلم والخير، مع الحركة والفهم والحج والرحلة، فلم أر نفسي في سعة من ترك مشاورة مثله. وسأل الأمير وزراءه عن عبد الأعلى، فأثنوا عليه ووصفوا علمه وولاءه. وكان له ولاء. قال عبد الأعلى: فصحبت يوما عيسى ابن الشهيد، فقال لي: قد رفعت عليك رقعة رديئة لكن الله دفع شرها. قال ابن الفرضي (¬٢): كان فقيها، نحويا، شاعرا، عروضيًا، أخباريا نسَّابة، طويل اللسان متصرفا في فُنُون العلم، روى عنه بقيُّ بن مخلد، ومحمد بن وضاح، ويوسف بن يحيى المغامي، ومطرِّف بن قيس، وخلق، وآخر من مات من أصحابه يوسف المغامي. وقد سكن بلد البيرة من الأندلس مدَّة، ثم استقدمه الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فرتبه في الفتوى بقرطبة، وقُرِّرَ مع يحيى بن يحيى في المشاورة والنظر، فلما تُوفِّي يحيى، تفرد عبد الملك برئاسة العلم بالأندلس. قال ابن الفرضي (¬١): وكان حافظا للفقه، إلا أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا يعرف صحيحه من سقيمه. ذكر عنه أنه كان يتسهل في سماعه ويحمل على سبيل الإجازة أكثر روايته. وعن محمد بن وضاح قال: قال لي إبراهيم بن المنذر: أتاني صاحبكم