page 5189, entry [6791]Open original source
بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء، أبو نصر المروزي، ثم البغدادي الزاهد الكبير المعروف ببشر الحافي وهو ابن عم علي بن خشرم المحدث، سمع إبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وأبا الأحوص، وشريكا، ومالكا، والفضيل بن عياض، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وخالد بن عبد الله الطحان، والمعافى بن عمران، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم. وعنه أحمد الدورقي، ومحمد بن يوسف الجوهري، ومحمد بن المثنى السمسار، وسري السقطي، وعمر بن موسى الجلاء، وإبراهيم بن هانئ، وخلق غيرهم. وكان عديم النظير زهدا وورعا وصلاحا. كثير الحديث إلا أنه كان يكره الرواية، ويخاف من شهوة النفس في ذلك، حتى أنه دفن كتبه. أخبرنا المسلم، والمؤمل، وغيرهما كتابةً قالوا: أخبرنا أبو اليمن الكندي، قال: أخبرنا أبو منصور الشيباني، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب (¬١)، قال: أخبرني أبو سعد الماليني، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا محمد بن المثنى السمسار، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: سمعت العوفي عن الزهري عن أنس قال: اتخذ النبي ﷺ خاتما، فلبسه، ثم ألقاه. العوفي هو إبراهيم بن سعد. وعن بشر أنه قيل له: ألا تحدث؟ قال: أنا أشتهي أن أحدث، وإذا اشتهيت شيئا تركته. وقال إسحاق الحربي: سمعت بشرَ بن الحارث يقول: ليس الحديث من عدة الموت، فقلت له: قد خرجت إلى أبي نعيم، قال: أتوب إلى الله من ذهابي. وعن أيوب العطار سمع بشرا يقول: حدثنا حماد بن زيد ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء. وقال أبو بكر المروذي: سمعت بشرا يقول: الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق. وقال أبو بكر بن عفان: سمعت بشر بن الحارث يقول: إني لأشتهي شواء منذ أربعين سنة، ما صفى لي درهمه. وقال الحسن بن عمرو: سمعت أبا نصر التمار يقول: أتاني بشر ليلةً، فقلت: الحمد لله الذي جاء بك. جاءنا قطن من خراسان، فغزلته البنت وباعته، واشترت لنا لحما، فتفطر عندنا. قال: لو أكلت عند أحد أكلت عندكم. إني لأشتهي الباذنجان منذ سنين، فقلت: إن فيها الباذنجان من الحلال، فقال: حتى يصفو لي حب الباذنجان. وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: سمعت علي بن عثام يقول: أقام بشر بن الحارث بعبادان يشرب من ماء البحر، ولا يشرب من حياض السلاطين، حتى أضر بجوفه، ورجع إلى أخته وجعا. وكان يتخذ المغازل ويبيعها. فذاك كسبه. وقال موسى بن هارون الحافظ: حدثنا محمد بن نعيم بن الهيصم قال: رأيتهم جاؤوا إلى بشر فقال: يا أهل الحديث علمتم أنه يجب عليكم فيه زكاة، كما يجب على من ملك مائتي درهم، خمسة دراهم. وقال محمد بن هارون أبو نشيط: نهاني بشر بن الحارث عن الحديث وأهله، وقال: أقبلت إلى يحيى القطان، فبلغني أنه قال: أحب هذا الفتى لطلبه الحديث. وذكر يعقوب بن بختان الفراء أنه سمع بشر بن الحارث يقول: لا أعلم أفضل من طلب الحديث والعلم لمن اتقى الله، وحسنت نيته فيه، وأما أنا فأستغفر الله من كل خطوة خطوت فيه. وقيل: كان بشر يلحن ولا يعرف العربية. وعن المأمون قال: لم يبق أحد نستحي منه غير بشر بن الحارث. وقال أحمد بن حنبل: لو كان بشر تزوج لتم أمره. وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا من بشر، ولا أحفظ للسانه، كان في كل شعرةٍ منه عقل، وطئ الناس عقبه خمسين سنة ما عرف له غيبة لمسلم، وما رأيت بعيني أفضل من بشر. وعن بشر قال: المتقلب في جوعه، كالمتشحط في دمه في سبيل الله. وعنه قال: شاطرٌ سخي أحب إلى الله من صوفي بخيل. وعنه قال: أمس قد مات، واليوم في النزع، وغدا لم يولد. وعنه قال: لا يفلح من ألف أفخاذ النساء. وعنه قال: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وقيل: إن بعضهم تسمع على بشر فسمعه يقول: اللهم إنك تعلم أن الذل أحب إلي من العز، وأن الفقر أحب إلي من الغنى، وأن الموت أحب إلي من الحياة. وعن بشر قال: قد يكون الرجل مرائيا بعد موته، قالوا: وكيف هذا؟ قال: يحب أن يكثر الناس في جنازته. وعنه قال: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سدا من حديد. أخبرنا القاضي أبو محمد بن علوان، قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة الفقيه سنة إحدى عشرة وست مائة قال: حدثني ابني أبو المجد عيسى، قال: أخبرنا أبو طاهر بن المعطوش، قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، قال: حدثني حمزة بن الحسين البزاز، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، قال: حدثني حمزة بن دهقان، قال: قلت لبشر بن الحارث: أحب أن أخلو معك، قال: إذا شئت، فيكون يوما، فرأيته قد دخل قبةً، فصلى فيها أربع ركعات، لا أحسن أصلي مثلها، فسمعته يقول في سجوده: اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذل أحب إلي من الشرف، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أوثر على حبك شيئا. فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء. فلما سمعني قال: اللهم أنت تعلم أني لو أعلم أن هذا هاهنا لم أتكلم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث، قال: قال رجل لبشر وأنا حاضر: إن هذا الرجل، يعني أحمد بن حنبل، قيل له: أليس الله قديما، وكل شيء دونه مخلوق؟ قال: فما ترك بشر الرجل يتكلم حتى قال: لا، كل شيء مخلوق إلا القرآن. قال المروذي فيما رواه الخلال عنه، عن عبد الصمد العباداني: قال رجل لبشر بن الحارث: يا أبا نصر يدخل أحدٌ من الموحدين النار؟ فقال: استرحت إن كان هذا عقلك. وقال أحمد بن بشر المرثدي: حدثنا إبراهيم بن هاشم قال: دفنا لبشر ثمانية عشر ما بين قمطر إلى قوصرة، يعني من الحديث. وقيل لأحمد بن حنبل: مات بشر، فقال: مات ﵀، وما له نظير في هذه الأمة إلا عامر بن عبد قيس، فإن عامرا مات ولم يترك شيئا. ثم قال أحمد: لو تزوج كان قد تم أمره. رواها أبو العباس البراثي، عن المروذي، عن أحمد. ورأى بشرا بعض الفقراء بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ولكل من تبع جنازتي، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة. توفي بشر ﵁ في ربيع الأول سنة سبعٍ وعشرين قبل المعتصم بستة أيام، وله خمسٌ وسبعون سنة في يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول. قال أبو بكر بن أبي داود: قلت لعلي بن خشرم لما أخبرني أن سماعه وسماع بشر بن الحارث بن عيسى واحد. قلت له: فأين حديث أم زرع؟ فقال: سماعي معه، وكتبت إليه أن يوجه به إلي. فكتب إلي: هل عملت بما عندك، حتى تطلب ما ليس عندك؟ قال علي: ولد بشر في هذه القرية وكان يتفتى في أول أمره. وقد جرح. وقال حسن المسوحي: سمعت بشر بن الحارث يقول: أتيت باب المعافى بن عمران، فدققت الباب، فقيل لي: من؟ فقلت: بشر الحافي، فقالت جويرية من داخل الدار: لو اشتريت نعلا بدانقين ذهب عنك اسم الحافي. وقال الحسن بن رشيق، عن عمر بن عبد الله الواعظ: كان بشر بن الحارث شاطرا يجرح بالحديد، وكان سبب توبته أنه وجد قرطاسا في أتون حمام فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فعظم ذلك عليه، ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي، اسمك هنا ملقى. فرفعه، وقلع عنه السحاة التي هو فيها، وأعطى عطارا، فاشترى بدرهم غالية، لم يكن معه سواه، ولطخ بها تلك السحاة، وأدخله شق حائط. وانصرف إلى زجاج كان يجالسه. فقال له الزجاج: والله يا أخي، لقد رأيت لك في هذه الليلة رؤيا ما أقولها حتى تحدثني ما فعلت فيما بينك وبين الله، فذكر له شأن الورقة. فقال: رأيت كأن قائلا يقول لي في المنام: قل لبشر ترفع اسما لنا من الأرض إجلالا أن يداس، لننوهن باسمك في الدنيا والآخرة. وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن بشرا كان من أبناء الرؤساء والكتبة، صحب الفضيل بن عياض. سألت الدارقطني عنه فقال (¬١): زاهد، جبل، ثقة، ليس يروي إلا حديثا صحيحا. وعن بشر قال: لا أعلم أفضل من طلب الحديث والعلم لمن اتقى الله وحسنت نيته فيه. وأما أنا فأستغفر الله من كل خطوة خطوت فيه (¬١). وقال جعفر البرداني: سمعت بشر بن الحارث يقول: إن عوج بن العنق كان يأتي البحر فيخوضه برجله، ويحتطب الساج، وكان أول من دل على الساج وجلبه، وكان يأخذ من البحر حوتا بيده، فيشويه في عين الشمس. وقيل: لقي بشر رجلا، فجعل يقبل بشرا ويقول: يا سيدي أبا نصر. فلما ذهب تغرغرت عينا بشر وقال: رجلٌ أحب رجلا على خير توهمه، لعل المحب قد نجا، والمحبوب لا يدرى ما حاله. وقال إبراهيم الحربي: رأيت رجالات الدنيا، فلم أر مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل، وتعجز النساء أن تلد مثله. ورأيت بشر بن الحارث من قرنه إلى قدمه مملوءا عقلا. ورأيت أبا عبيد كأنه جبل نفخ فيه علم. وقال أيضا: لو قسم عقل بشر على أهل بغداد صاروا عقلاء. قلت: وقد روى له أبو داود في كتاب المسائل، والنسائي في مسند علي (¬٢). ٧٩ -