page 2870, entry [2613]Open original source
الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة الإمام، أبو بكر القرشي الزهري المدني. أحد الأعلام وحافظ زمانه، ولد سنة خمسين، وطلب العلم في أواخر عصر الصحابة وله نيف وعشرون سنة، فروى عن ابن عمر حديثين فيما بلغنا، وعن سهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وعبد الرحمن بن أزهر، وسنين أبي جميلة، وأبي الطفيل، وربيعة بن عباد، وعبد الله بن ثعلبة، وكثير بن العباس بن عبد المطلب، وعلقمة بن وقاص، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة بن سهل، وعروة، وسالم، وعبيد الله بن عبد الله، وخلق كثير. وعنه صالح بن كيسان، ومعمر، وعقيل، ويونس، والأوزاعي، ومالك، والليث، وشعيب بن أبي حمزة، وفليح بن سليمان (¬٢)، وبكر وائل، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن أبي حفصة، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وهشام بن سعد، وهشيم، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، وخلائق. وروى عنه من الكبار عمر بن عبد العزيز، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وزيد بن أسلم. قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتا حديث، النصف منها مسند. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. قال مكحول، وعمر بن عبد العزيز - وهذا لفظه: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال عبد الرزاق: قلت لمعمر: أسمع الزهري من ابن عمر؟ قال: سمع منه حديثين. وقال ابن عيينة: رأيت الزهري أعيمش أحمر الرأس واللحية، وفي حمرتها انكفاء كان يجعل فيه كتماً. وروى مالك وغيره عن الزهري قال: جالست سعيد بن المسيب ثمان سنين. وروى ابن أبي الزناد عن أبيه قال: كنا نطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف، ويكتب كل ما سمع. قلت: وكان الزهري حافظاً لا يحتاج إلى أن يكتب، فلعله كان يكتب ويتحفظ ثم يمحوه. وروى أبو صالح عن الليث قال: ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب، يحدث في الترغيب فتقول: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه. وقال محمد بن إشكاب: كان الزهري جندياً. وقال إسحاق المسيبي، عن نافع بن أبي نعيم: إنه عرض القرآن على الزهري. وقال عراك بن مالك، ذكر ابن المسيب وعروة إلى أن قال: أعلمهم عندي الزهري؛ فإنه جمع علمهم إلى علمه. وقال الليث: قال ابن شهاب: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري. قال الليث: وكان ابن شهاب من أسخى من رأيت، كان يعطي كل من جاء، فإذا لم يبق معه شيء اقترض، وكان يسمر على العسل كما يسمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول: اسقونا وحدثونا، وكانت له قبة معصفرة وعليه ملحفة معصفرة. قال الوليد بن مسلم: حدثني القاسم بن هزان أنه سمع الزهري يقول: لا يرضي الناس قول عالم لا يعمل، ولا عمل عامل لا يعلم. قاسم هذا صدوق (¬١). وعن ابن أبي ذئب قال: ضاق حال الزهري فخرج إلى الشام، فجالس قبيصة بن ذؤيب فأرسل عبد الملك إلى الحلقة: من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد؟ قلت: أنا، فأدخلت عليه فقال: من أنت؟ فانتسبت له، فقال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن (¬٢)، اجلس، فسأله مسائل وقضى دينه. وقال ابن أخي الزهري: إن عمه جمع القرآن في ثمانين ليلة. وروى الزبير عن محمد بن الحسن، عن مالك، عن الزهري قال: كنت أستقي الماء لعبيد الله بن عبد الله، فيقول لجاريته: من بالباب؟ فتقول: غلامك الأعمش. وعن الزهري قال: ما استفهمت عالماً قط. وقال ابن مهدي: قال مالك: حدثنا الزهري بحديث طويل فلم أحفظه، فسألته عنه فقال: أليس قد حدثتكم؟ قلت: بلى، ثم قلت: أما كنت تكتب؟ قال: لا، قلت: ولا تستعيد؟ قال: لا. وروى وهيب عن أيوب قال: ما رأيت أحداً أعلم من الزهري. وقال معن القزاز: حدثنا المنكدر بن محمد قال: رأيت بين عيني الزهري أثر السجود. وروى الليث عن ابن شهاب قال: ما استودعت قلبي علماً فنسيته. قال الليث: فكان يكثر شرب العسل، ولا يأكل شيئاً من التفاح. وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير. وقال أبو بكر الهذلي: جالسنا الحسن وابن سيرين، فما رأينا مثل الزهري. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنها بمنزلة البعر. وقال سعيد بن عبد العزيز: أدى هشام بن عبد الملك عن الزهري سبعة آلاف دينار، وكان يؤدب ولده ويجالسه. قال الواقدي: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: سمعت الزهري يقول: نشأت وأنا غلام لا مال لي منقطع من الديوان، وكنت أتعلم نسب قومي من عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي، وكان عالماً بنسب قومي، وكان ابن أختهم وحليفهم، فأتاه رجل فسأله عن مسألة في الطلاق، فأشار له إلى سعيد بن المسيب. فقلت في نفسي: ألا أراني مع هذا الرجل المسن يعقل أن رسول الله ﷺ مسح رأسه ولا يدري ما هذا؟ فانطلقت مع السائل إلى سعيد وتركت ابن ثعلبة، وجالست عروة وعبيد الله وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث حتى فقهت، فرحلت إلى الشام فدخلت مسجد دمشق في السحر، فأممت حلقة وجاه المقصورة عظيمة، فجلست فيها، فنسبني القوم فقلت: رجل من قريش، قالوا: هل لك علم بالحكم في أمهات الأولاد؟ فأخبرتهم بقول عمر، فقال لي القوم: هذا مجلس قبيصة بن ذؤيب، وهو جائيك، وقد سأله عبد الملك وسألناه فلم يجد عندنا في ذلك علماً. وجاء قبيصة وأخبروه الخبر فنسبني، فانتسبت، وسألني عن سعيد بن المسيب ونظرائه فأخبرته، فقال: أنا أدخلك على أمير المؤمنين. فصلى الصبح، ثم انصرف فتبعته، فدخل على عبد الملك، وجلست على الباب ساعة حتى ارتفعت الشمس، ثم خرج الآذن فقال: أين هذا المدني القرشي؟ قلت: ها أنا ذا، فدخلت معه على أمير المؤمنين فأجد بين يديه المصحف قد أطبقه، وأمر به فرفع وليس عنده غير قبيصة، فسلمت بالخلافة، فقال: من أنت؟ قلت: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فقال: أوه! قوم نعارون في الفتن، قال: وكان أبي مع ابن الزبير، ثم قال: ما عندك في أمهات الأولاد؟ فأخبرته وقلت: حدثني سعيد بن المسيب، فقال: كيف سعيد وكيف حاله؟ قال: والتفت إلى قبيصة فقال: هذا يكتب به إلى الآفاق. فقلت: لا أجده أخلى من هذه الساعة ولعلي لا أدخل عليه بعدها، فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يصل رحمي وأن يفرض لي فإني رجل منقطع لا ديوان لي. قال: إيها، الآن امض لشأنك، فخرجت موئساً من كل شيء خرجت له، وأنا يومئذ والله مقل مرمل، فجلست حتى خرج قبيصة فأقبل علي لائما لي، فقال: ما حملك على ما صنعت من غير أمري، ألا استشرتني؟ قلت: ظننت أني لا أعود إليه. قال: ائتني في المنزل، فمشيت خلف دابته، والناس يكلمونه حتى دخل منزله، فقلما لبث حتى خرج خادم برقعة فيها: هذه مائة دينار قد أمرت لك بها وبغلة تركبها وغلام وعشرة أثواب، فقلت للرسول: ممن أطلب هذا؟ قال: ألا ترى الرقعة فيها اسم الذي أمرك أن تأتيه، قال: فنظرت في طرف الرقعة فإذا فيها: فأت فلاناً، فسألت عنه فقيل: ها هو ذا، فأتيته بالرقعة فأمر لي بذلك من ساعته. قال: وغدوت إليه من الغد وأنا على البغلة فسرت إلى جنبه، فقال: احضر باب أمير المؤمنين حتى أوصلك إليه، فحضرت فأوصلني، فسلمت، فأومأ إلي أن اجلس، فلما جلست ابتدأ عبد الملك بالكلام، قال: فجعل يسألني عن أنساب قومي قريش، فلهو كان أعلم بها مني، ثم قال: قد فرضت لك فرائض أهل بيتك، والتفت إلى قبيصة فأمره أن يكتب ذلك لي في الديوان، ثم قال: أين تحب أن يكون ديوانك؟ إلى أن قال: ثم خرج قبيصة فقال: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تثبت في صحابته وأن ترفع فريضتك، فالزم باب أمير المؤمنين، فلزمت عسكر أمير المؤمنين، وكنت أدخل عليه كثيراً، وجعل عبد الملك فيما يسألني يقول: من لقيت؟ فأسميهم له لا أعدو قريشاً، فقال: فأين أنت عن الأنصار، فإنك واجد عندهم علماً، أين أنت عن خارجة بن زيد، أين أنت عن عبد الرحمن بن يزيد بن خارجة؟ قال: فقدمت المدينة فسألتهم فوجدت عندهم علماً كثيراً. قال: وتوفي عبد الملك فلزمت الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد، ثم هشاماً. فاستقضى يزيد بن عبد الملك على قضائه الزهري وسليمان بن حبيب جميعاً. وحج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة ومعه الزهري، حصره مع ولده يفقههم ويعلمهم ويحج معهم، فلم يفارقهم حتى مات. قال الواقدي: وحدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في خلع الوليد بن يزيد، ويعيبه ويذكر أموراً عظيمة لا ينطق بها حتى يذكر الصبيان وأنهم يخضبون بالحناء، ويقول: ما يحل لك إلا خلعه، فكان هشام لا يقدر ولا يسوؤه ما صنع الزهري رجاء أن يؤلب الناس عليه، قال أبو الزناد: فكنت يوماً عنده في ناحية الفسطاط أسمع من كلام الزهري في الوليد وأتغافل، فجاء الحاجب فقال: هذا الوليد على الباب، قال: أدخله، فدخل وأوسع له هشام على فراشه وأنا أعرف في وجه الوليد الغضب والشر، فلما استخلف الوليد بعث إلي وإلى عبد الرحمن بن القاسم وابن المنكدر وربيعة، فأرسل إلي ليلة مخليا، فقال: يا ابن ذكوان، أرأيت يوم دخلت على الأحول وأنت عنده والزهري يقدح في، أفتحفظ من كلامه شيئاً؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أذكر يوم دخلت والغضب في وجهك، قال: كان الخادم الذي رأيت على رأس هشام نقل ذلك كله إلي وأنا على الباب، وقال: إنك لم تنطق بشيء، ثم قال: قد كنت عاهدت الله لئن أمكنني الله أن أقتل الزهري. قال ابن الوليد: حدثني شعيب بن أبي حمزة قال: سئل مكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب. قيل: ثم من؟ قال: ثم ابن شهاب. وعن يونس، عن ابن شهاب قال: قال لي سعيد بن المسيب: ما مات رجل ترك مثلك. وروى إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحداً بعد رسول الله ﷺ جمع ما جمع ابن شهاب. وقال عقيل: رأيت على ابن شهاب خاتماً محمد يسأل الله العافية. قال مؤمل بن الفضل: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن الزهري قال لهشام: اقض ديني، قال: وكم هو؟ قال: ثمانية عشر ألف دينار، قال: إني أخاف إن قضيتها عنك أن تعود، فقال: قال رسول الله ﷺ: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (¬١). فقضاها عنه، قال سعيد: فما مات الزهري حتى استدان مثلها، فبعث ببعث فقضى دينه. وقال ضمام بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب أنه كان ينزل بالأعراب يعلمهم. وروى محمد بن الصباح قال: حدثنا سفيان قال: قالوا للزهري: لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة فغدوت إلى مسجد رسول الله ﷺ ورحت وجلست إلى عمود فذكرت الناس وعلمتهم؟ قال: لو أني فعلت ذلك لوطئ الناس عقبي، ولا ينبغي لي أن أفعل حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. وقال عبد الرزاق: سمعت معمراً يقول: أتيت الزهري بالرصافة فجالسته، فجعلت أسأله حتى ظننت أني قد فرغت منه، فلما مات مر علينا بكتبه على البغال. وفي لفظ للإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، سمعت معمراً يقول: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه؛ يعني من علم الزهري. قلت: يعني الكتب التي كتبت عنه لآل مروان. وروى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا جبلة حدثه قال: كنت مع ابن شهاب في سفر، فصام عاشوراء فقيل له! فقال: إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء يفوت. قال أبو مسهر: حدثنا يحيى بن حمزة قال: قال الزهري: ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض؛ إذا كره الملام، وأحب المحامد، وكره العزل. وقال أبو صالح: حدثنا الليث، حدثنا بعض أصحابنا أن ابن شهاب وضع يده في وضوئه، ثم تذكر حديثاً فلم يزل يتذكر ويده في الماء حتى أذن المؤذن في السحر. وقال علي بن حجر: حدثنا الموقري قال: كنا نختلف إلى الزهري سبعة أشهر، فقال لنا: من لم يأكل طعامنا فلا يقربنا. وعاتبوه يوماً في دينه، فقال: هل علي إلا عشرة آلاف (¬١) دينار وأنا منعم في الدنيا لي خمسة من العيون كل عين منها خير من أربعين أربعين ألف دينار، وليس لي وارث إلا ابن الابن، وما أبالي أن لا يصيب مني درهماً؛ لأنه فاسق. ابن وهب: حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب قال: لا يناظر بكتاب الله ولا بكلام رسول الله ﷺ. وروى ابن القاسم عن مالك قال: قدم ابن شهاب المدينة، فأخذ بيد ربيعة ودخلا إلى بيت الديوان فما خرجا إلى العصر، فخرج ابن شهاب يقول: ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة، وخرج ربيعة يقول: ما ظننت أن أحداً بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب. ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر نقض كفره بالقدر توحيده. وقال سعيد بن أبي مريم: حدثنا يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد، قالا: حدثنا عقيل، عن الزهري أنه قال: من سنة الصلاة أن تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم فاتحة الكتاب، ثم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم تقرأ سورة. وكان يقول: أول من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم سراً بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص، وكان رجلاً حيياً. وقال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالكاً يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت في هذا المسجد سبعين ممن يقول: قال فلان: قال رسول الله ﷺ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً، فما أخذت منهم شيئاً لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقدم علينا الزهري وهو شاب فنزدحم على بابه. كذا قال، ولم يلق مالك الزهري إلا وهو شيخ، فلعله اشتبه عليه بالخضاب. وقال ابن عيينة: سمعت الزهري يقول: كنت أحسب أني قد تعلمت من العلم وأصبت منه، فلما جالست عبيد الله بن عتبة فكأنما كنت في شعب من الشعاب. وقال يونس عنه: جالست ابن المسيب حتى ما كنت أسمع منه إلا الرجوع - يعني المعاد - وجالست عبيد الله فما رأيت أغرب حديثاً منه، وجالست عروة فوجدته بحراً لا تكدره الدلاء. وقال أبو ضمرة: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: رأيت ابن شهاب يوماً يؤتى بالكتاب ما يقرأه ولا يقرأ عليه، فيقولون: نأخذ هذا عنك؟ فيقول: نعم، فيأخذونه ولا يراه ولا يرونه. وقال بشر بن المفضل: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري قال: ما استعدت حديثاً إلا مرة، فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت. قال قرة بن حيويل (¬١): لم يكن للزهري كتاب إلا كتاب في نسب قومه. وقال معمر: سمعت الزهري يقول: يا أهل العراق، يخرج الحديث من عندنا شبراً ويصير عندكم ذراعاً. وقال نوح بن يزيد المؤدب: حدثنا إبراهيم بن سعد قال: سمعت ابن شهاب يقول: لقيني سالم كاتب هشام فقال لي: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكتب لولده حديثك. قلت: لو سألتني عن حديثين أتبع أحدهما الآخر ما قدرت، ولكن ابعث إلي كاتباً أو كاتبين فإنه قل يوم إلا يأتيني يسألوني عما لم أسأل عنه بالأمس، فبعث إلي كاتبين اختلفا إلي سنة، قال: ثم لقيني فقال: يا أبا بكر، ما أرانا إلا قد أنقصناك، قلت: كلا، إنما كنت في عزاز من الأرض، فالآن هبطت بطون الأودية. وعن شعيب بن أبي حمزة قال: سمعت الزهري يقول: مكثت خمساً وأربعين سنة أختلف من الشام إلى الحجاز، فما وجدت شيئاً أستطرفه. وروى محمد بن الضحاك بن عثمان عن مالك قال: أخبرني ربيعة أن عبد الملك بن مروان قال للزهري: هل جالست عروة؟ قال: لا. فأمره به، قال الزهري: ففجرت به بحراً. ابن وهب قال: قال مالك: لقد هلك سعيد بن المسيب ولم يترك كتاباً، ولا القاسم ولا عروة ولا ابن شهاب، ثم قال مالك: قلت لابن شهاب وأنا أريد أن أخصمه: ما كنت تكتب؟ قال: لا، قلت: ولا تسأل أن يعاد عليك الحديث؟ قال: لا. ولقد سألته عن حديث قال: الذي أعجبني منه قد حدثتكم به. وقال أيوب بن سويد: حدثنا يونس قال: قال الزهري: إياك وغلول الكتب، قلت: ما غلولها؟ قال: حبسها. وروى إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم، إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة. وقال إسماعيل القاضي: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا حسين بن عروة، عن مالك قال: قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة فحدثنا بنيف وأربعين حديثاً، ثم أتيناه من الغد، وقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم أمس في أيديكم منه؟ فقال له ربيعة: ها هنا من يسرد عليك ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال لي: هات. فحدثته بأربعين منها، فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي من يحفظ هذا غيري. وروى الأوزاعي عن سليمان بن حبيب المحاربي قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما أتاك به الزهري من غيره فشد يديك به، وما أتاك به عن رأيه فانبذه. وقال ابن المديني: دار علم الثقات على ستة؛ فكان بالحجاز عمرو بن دينار والزهري، وبالبصرة قتادة ويحيى بن أبي كثير، وبالكوفة أبو إسحاق والأعمش. وقال الحاكم: حدثنا الأصم قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: حدثني ابن سعد قال: سألت الزهري عن شيء من أمر الخلع، فقال: إن عندي فيه ثلاثين حديثاً ما سألني عنها أحد قط. وروى أحمد بن عبد العزيز الرملي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: سمعت الزهري لما حدث بحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، قلت له: فما هو؟ قال: من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حديث رسول الله ﷺ كما جاء بلا كيف. وقال محمد بن ميمون المكي: حدثنا ابن عيينة قال: مررت على الزهري وهو جالس عند باب الصفا فجلست بين يديه، فقال: يا صبي، قرأت القرآن؟ قلت: بلى. قال: تعلمت الفرائض؟ قلت: بلى. قال: كتبت الحديث؟ قلت: بلى. وقلت: أبو إسحاق الهمداني. قال: أبو إسحاق أستاذ أستاذ. وقال عبد الله بن جعفر الرقي: حدثنا عبيد الله بن عمرو (¬١) قال: كتب إلي زيد بن أبي أنيسة: اجمع لي أحاديث الزهري. معمر: أخبرنا صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري نطلب العلم، فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت أنا: ليس بسنة، فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت. وروى يونس عن الزهري قال: العلم واد، فإذا هبطت وادياً فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه. وعن الزهري قال: كنا نأتي العالم فما نتعلم من أدبه أحب إلينا من علمه. وقال ابن عيينة: قال الزهري: كنا نكره الكتاب حتى أكرهنا عليه السلطان، فكرهنا أن نمنعه الناس. وروى معمر عن الزهري قال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم. وقال الليث: قال ابن شهاب: ما صبر أحد للعلم صبري، وما نشره أحد نشري، فأما عروة فبئر لا تكدرها الدلاء، وأما سعيد فانتصب للناس فذهب اسمه كل مذهب. وروى سفيان عن الزهري قال: كنت عند الوليد، فتلا: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور]، فقال: نزلت في علي. قلت: أصلح الله الأمير، ليس كذا؛ فأخبرني عروة عن عائشة أنها نزلت في عبد الله بن أبي المنافق. أخبرونا عن اللبان قال: أخبرنا أبو علي قال: حدثنا أبو نعيم قال: أخبرنا ابن الصواف قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً، فبعز العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله. وروى ابن المبارك عن يونس قال: قلت للزهري: أخرج لي كتبك، فأخذ بيدي فأدخلني، ثم قال: يا جارية، هاتي تلك الكتب. فأخرجت صحفاً فيها شعر، وقال: ما عندي إلا هذا. وعن إسماعيل المكي، عن الزهري قال: من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب. وقال أيوب بن سويد: حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري قال: قال لي القاسم: يا غلام، أراك تحرص على طلب العلم، أفلا أدلك على وعائه؟ قلت: بلى. قال: عليك بعمرة فإنها كانت في حجر عائشة، فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف. وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا سفيان قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: جالست جابراً وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، فلم أر أحداً أنسق للحديث من الزهري. وعن الوليد بن عبد الله العجلي، سمع الزهري يقول: الحافظ لا يولد إلا في كل أربعين سنة مرة. وقال يونس بن محمد المؤدب: حدثنا أبو أويس قال: سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث؟ إذا أصيب معنى الحديث فلا بأس. قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا يحيى بن محمد بن حكم قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: ضاقت حال الزهري ورهقه دين، فخرج إلى الشام فجالس قبيصة بن ذؤيب، قال ابن شهاب: فبينا نحن معه نسمر إذ جاءه رسول عبد الملك فذهب به إليه، ثم رجع فقال: من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد؟ قلت: أنا. قال: قم. فدخلنا على عبد الملك فإذا هو جالس على نمرقة، بيده مخصرة، عليه غلالة، ملتحف بسبيبة (¬١)، بين يديه شمعة، فسلمت فقال: من أنت؟ فانتسبت له، فقال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن، قلت: يا أمير المؤمنين، عفا الله عما سلف. قال: اجلس، فجلست، قال: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: اقرأ من سورة كذا ومن سورة كذا، فقرأت، فقال: أتفرض؟ قلت: نعم، قال: فما تقول في امرأة تركت زوجها وأبويها، قلت: لزوجها النصف ولأمها السدس ولأبيها ما بقي، قال: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ؛ إنما لزوجها النصف ولأمها ثلث ما يبقى، هات حديثك. قلت: حدثني سعيد بن المسيب فذكر قضاء عمر في أمهات الأولاد، فقال: وهكذا حدثني سعيد، فقلت: يا أمير المؤمنين، اقض ديني، قال: نعم، قلت: وتفرض لي، قال: لا، والله ما نجمعهما لأحد. قال: فتجهزت إلى المدينة. وعن السري بن يحيى، عن ابن شهاب قال: قدمت الشام أريد الغزو، فأتيت عبد الملك فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم، والناس تحته سماطان. وقال أحمد بن صالح: حدثنا عنبسة قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب قال: وفدت إلى مروان وأنا محتلم. هذه رواية غريبة، قد قال يحيى بن بكير فيها: هذا باطل، إنما خرج إلى عبد الملك، ولم يكن عنبسة موضعاً لكتابة الحديث. قال خليفة (¬٢): ولد سنة إحدى وخمسين. وقال دحيم وغير واحد: ولد سنة خمسين. وقال الحميدي: قال سفيان: رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية، وفي حمرتها انكفاء كأنه يجعل فيه كتماً، وكان أعيمش، وله جمة، قدم علينا في سنة ثلاث وعشرين ومائة - يعني مكة - فأقام إلى هلال المحرم، وأنا يومئذ ابن ست عشرة سنة. وقال ابن وهب: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن قال: رأيت الزهري قصيراً قليل اللحية له شعرات طوال خفيف العارضين. ولفائد بن أقرم يمدح الزهري، فقال بعد أن تغزل: دع (¬١) ذا وأثن على الكريم محمد … واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال: من الجواد بماله؟ … قيل: الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه … وربيع نادية على الأعراب قال أحمد بن سنان القطان: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت مالكاً يقول: حدث الزهري قوماً بحديث، فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته فاستفهمته، فقال: تستفهمني! ما استفهمت عالماً قط ولا أعدت شيئاً على عالم قط. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن محمد البلقاوي قال: سمعت مالكاً يقول: حدث الزهري بمائة حديث، ثم التفت إلي فقال: كم حفظت يا مالك؟ قلت: أربعين حديثاً، قال: فوضع يده على جبهته ثم قال: إنا لله، كيف نقص الحفظ! وقال ابن وهب: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن أن الزهري كان يبتغي العلم من عروة وغيره، فيأتي جارية له نائمة فيوقظها فيقول لها: حدثني فلان وفلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا، فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعت الآن فأردت أن أستذكره. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت الوليد بن مسلم يقول: خرج الزهري من الخضراء من عند عبد الملك بن مروان فجلس عند ذاك العمود، فقال: يا أيها الناس، إنا كنا منعناكم شيئاً قد بذلناه لهؤلاء، فتعالوا حتى أحدثكم. قال: وسمعهم يقولون: قال رسول الله ﷺ. فقال: يا أهل الشام، ما لي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم؟! قال الوليد: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ. وقال معمر عن الزهري: كنا نكره الكتاب حتى أكرهنا عليه الأمراء، فرأيت أن لا أمنعه مسلماً. قال أحمد بن حنبل: الزهري أحسن الناس حديثاً وأجود الناس إسناداً. وقال أبو حاتم (¬١): أثبت أصحاب أنس الزهري. وروى أبو صالح، عن الليث، قال: كان الزهري يختم حديثه بدعاء جامع يقول: اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. وقال الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، قال: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب. وقال سعيد بن بشير (¬٢)، عن قتادة، قال: ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب ورجل آخر، كأنه عنى نفسه. وقال أبو بكر الهذلي - مع مجالسته للحسن وابن سيرين -: لم أر قط مثل الزهري. وقال سعيد بن عبد العزيز: ما الزهري إلا بحر. سمعت مكحولاً يقول: ابن شهاب أعلم الناس. وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الناس نظير. وقال موسى بن إسماعيل: شهدت وهيباً وبشر بن المفضل، وغيرهما ذكروا الزهري فلم يجدوا أحداً يقيسونه به إلا الشعبي. وقال ابن المديني: أفتى أربعة: الحكم، وحماد، وقتادة، والزهري، والزهري عندي أفقههم. وقال الفريابي: سمعت الثوري يقول: أتيت الزهري فتثاقل علي، فقلت له: أتحب لو أنك أتيت مشايخك فصنعوا بك مثل هذا؟! فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إلي كتاباً، فقال: خذ هذا فاروه عني، فما رويت عنه حرفاً. وقال عبد الوهاب بن عطاء: حدثنا الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه، فقلت: إن رأيت أن تحدثني، فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك، قال: حدثني، فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، قال: سمعت عليا ﵁ يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه. وروى علي بن حوشب الفزاري، عن مكحول، وذكر الزهري، فقال: أي رجل هو لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني الحسن الحلواني، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام، فقال له: يا سليمان من الذي تولى كبره منهم؟ فقال: ابن سلول، قال: كذبت بل هو علي، فدخل ابن شهاب فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أبي. فقال له: كذبت بل هو علي، قال: أنا أكذب، لا أبا لك، فوالله لو نادى مناد من السماء: إن الله قد أحل الكذب ما كذبت، حدثني سعيد، وعروة، وعبيد الله، وعلقمة بن وقاص، عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، قال: فلم يزل القوم يغرون به، فقال له هشام: ارحل، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نحمل عن مثلك، فقال: ولم؟ أنا اغتصبتك على نفسي أو أنت اغتصبتني على نفسي فخل عني، فقال له: لا، ولكنك استدنت ألفي ألف، فقال: قد علمت وأبوك قبل، أني ما استدنت هذا المال عليك، ولا على أبيك، فقال هشام: إنا إن نهيج الشيخ يهج الشيخ، فأمر فقضى من دينه ألف ألف، فأخبر بذلك فقال: الحمد لله الذي هذا هو من عنده. قال عمي: ونزل ابن شهاب بماء من المياه فالتمس سلفاً فلم يجد فأمر براحلته فنحرت ودعا إليها أهل الماء فمر به عمه فدعاه إلى الغداء، فقال: يا ابن أخي إن مروءة سنة تذهب بذل الوجه ساعة، فقال: يا عم انزل فكل وإلا فامض. ونزل مرة بماء فشكا إليه أهل الماء: إن لنا ثماني عشرة امرأة عمرية، أي لهن أعمار، ليس لهن خادم، فاستسلف ابن شهاب ثمانية عشر ألفاً وأخدم كل واحدة منهن خادماً بألف. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن هشام بن عبد الملك قضى عن الزهري سبعة آلاف دينار، وقال لا تعد لمثلها، فقال: يا أمير المؤمنين حدثني ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (¬١). وقال مالك: قال الزهري: وجدنا السخي لا تنفعه التجارب. وقال يونس: سمعت الشافعي يقول: مر تاجر بالزهري - وهو في قريته - والرجل يريد الحج فابتاع منه بزاً بأربع مائة دينار إلى أجل فلم يبرح الزهري حتى فرقه، فلما رأى الكراهية في وجه التاجر أعطاه وقت رجوعه من الحج الثمن وزاده ثلاثين ديناراً، وقال: إني رأيتك يومئذ ساء ظنك، فقال: أجل، قال: والله لم أفعل ذلك إلا للتجارة، أعطي القليل فأعطى الكثير. وروى سويد عن ضمام، عن عقيل بن خالد أن ابن شهاب خرج إلى الأعراب ليفقههم فجاءه أعرابي وقد نفد ما في يده، فمد يده إلى عمامتي فأخذها، فأعطاه إياها، وقال: يا عقيل أعطيك خيراً منها. وقال سعيد بن عبد العزيز: كنا نأتي الزهري بالراهب فيقدم إلينا كذا كذا لوناً. قلت: الراهب عند المصلى بظاهر دمشق. وقال حماد بن زيد: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من أشعاركم وأحاديثكم فإن الأذن مجاجة وإن للنفس حمضة. قلت: قد جمع أحمد بن صالح المصري علم الزهري وكذا ألف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري فأتقن واستوعب، وهو في مجلدين. وقد انفرد الزهري بسنن كثيرة وبرجال عدة لم يرو عنهم غيره سماهم مسلم، وعدتهم بضع وأربعون نفساً. فأما أصحابه فعلى مراتب. قال عثمان الدارمي: سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري، قلت (¬٢) له: معمر أحب إليك في الزهري أو مالك: قال: مالك، قلت (¬١): فيونس وعقيل أحب إليك أم مالك؟ قال: مالك، قلت (¬٢): فابن عيينة أحب إليك أم معمر؟ قال: معمر، قلت (¬٣): فشعيب؟ قال: مثل يونس وعقيل، قلت (¬٤): فالزبيدي؟ قال: هو مثلهم، قلت (¬٥): فإبراهيم بن سعد أحب إليك أو الليث؟ قال: كلاهما ثقتان، قلت (¬٦): فمعمر أحب إليك أو صالح بن كيسان؟ قال: معمر، وصالح ثقة، قلت (¬٧): فعبد العزيز الماجشون؟ قال: ليس به بأس، قلت (¬٨): فمحمد بن أبي حفصة؟ قال: صويلح، قلت (¬٩): فصالح بن الأخضر؟ قال: ليس بشيء في الزهري، قلت (¬١٠): فابن جريج؟ قال: ليس بشيء في الزهري، قلت (¬١١): فجعفر بن برقان؟ قال: ضعيف في الزهري، قلت (¬١٢): فابن إسحاق؟ قال: صالح، وهو ضعيف في الزهري، قلت (¬١٣): فعبد الرحمن بن إسحاق المدني؟ قال: صالح، فسألته (¬١٤) عن سفيان بن حسين فقال: ثقة، وهو ضعيف الحديث عن الزهري، قلت (¬١٥): فمعمر أحب إليك أم يونس؟ قال: معمر، قلت (¬١٦): فيونس أحب إليك أم عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، قلت (¬١): فالأوزاعي في الزهري؟ قال: ثقة ما أقل ما أسند عنه، قلت (¬٢): فشعيب؟ قال: كتب إملاء عن الزهري، وكان شعيب كاتباً للسلطان فكتب للسلطان عن الزهري إملاء، قلت (¬٣): فالموقري؟ قال: ليس بشيء، قلت (¬٤): فابن أبي ذئب؟ قال: ثقة. وقال عباس الدوري (¬٥): سئل ابن معين عن ابن أخي ابن شهاب، وعن أويس، فقال: ابن أخي ابن شهاب أمثل، وهو أحب إلي في الزهري من محمد بن إسحاق. وقال عثمان الدارمي (¬٦): سمعت ابن معين يقول: ابن أخي الزهري ضعيف في الزهري، فسألته (¬٧) عن عبد الله بن بشر عن الزهري فقال: ثقة، وسألته (¬٨) عن عبد الله بن عيسى عن الزهري، فقال: ثقة. وقال يحيى القطان: ليس في القوم أصح حديثاً عن الزهري من مالك. وقال حماد بن سلمة: لما رحل معمر إلى الزهري نبل فكنا نسميه الزهري. وقال علي بن محمود الهروي: قلت لأحمد بن حنبل: من أعرف الناس بأحاديث ابن شهاب؟ قال أحمد بن صالح المصري، ومحمد بن يحيى النيسابوري. قال يحيى بن سعيد القطان، وأبو عبيد، وغيرهما: مات الزهري سنة ثلاث أو أربع وعشرين. وقال ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وابن أخي الزهري، والناس: مات سنة أربع وعشرين. وقال خليفة (¬١): مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة. وشذ أبو مسهر فقال: سنة خمس وعشرين. قال ابن سعد (¬٢): أخبرني حسين بن المتوكل العسقلاني، قال: رأيت قبر الزهري بأدامى وهي خلف شغب وبدا وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة للزهري، رأيت قبره مسنماً مجصصاً. قال الواقدي: عاش اثنتين وسبعين سنة. وقال غيره: أربعاً وسبعين سنة (¬٣). ٣٠٥ - م ٤، خ مقرونا: