page 1264, entry [1215]Open original source
١١٣٨ - عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازم (¬*) بالخاء المعجمة والزّاى. القاضى، الإمام، العالم، العامل، البصرىّ الأصل، البغداذىّ. أحد قضاة الدّيار الشّاميّة، وغيرها. حدّث عن محمد بن بشّار وغيره. وروى عنه مكرّم بن أحمد القاضى، وغيره. وكان ثقة. وولى القضاء بالشّام، والكوفة، والكرخ من مدينة السّلام. روى أن عبيد الله بن سليمان خاطبه فى بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه، فكتب إليه: إن رأى الوزير-أعزّه الله-أن يجعلنى أحد رجلين؛ إمّا (¬١) رجلا صين الحكم به، أو صين الحكم عنه، والسّلام. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استقضى المعتضد بالله على الشّرقيّة، سنة ثلاث وثمانين ومائتين، أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وكان رجلا ديّنا، ورعا، عالما بمذهب أهل العراق، والفرائض، والحساب، والذّرع، والقسمة، حسن العلم بالجبر، والمقابلة، وحساب الدّور، وغامض الوصايا والمناسخات، قدوة فى العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسّجلاّت والإقرارات. أخذ العلم عن هلال الرّأى بن يحيى، وكان هذا أحد فقهاء الدنيا من أهل العراق، وأخذ عن بكر العمّىّ، ومحمود الأنصارىّ، ثم صحب عبد الرحمن بن نائل بن نجيح، ومحمد بن شجاع، حتى كان جماعة يفضّلونه على هؤلاء، فأمّا عقله، فلا يعلم أحد رآه، فقال: إنّه رأى أعقل منه. وعن عبيد الله بن سليمان بن وهب، قال: ما رأيت رجلا أعقل من الموفّق، وأبى خازم القاضى. وقال أبو برزة الحاسب: لا أعرف فى الدنيا أحسب من أبى خازم. وقال ابن حبيب الذّارع (¬١): كنّا ونحن أحداث مع أبى خازم، وكنّا نقعده (¬٢) قاضيا، ونتقدّم إليه فى الخصومات، فما مضت الأيام والليالى حتى صار قاضيا، وصرنا ذرّاعه. وقال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبىّ: وبلغ فى شدّته فى الحكم، أنّ المعتضد وجّه إليه بطريف المخلدىّ، فقال: إن عليّا الضّبعىّ (¬٣) -وهو بيّع كان للمعتضد ولغيره عليه مال-قد بلغنى أن غرماءه أثبتوا عندك مالهم، وقد قسّطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم. فقال أبو خازم: قل لأمير المؤمنين، إنّى ذاكر لما قال لى وقت قلّدنى، إنّه/قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله فى عنقى، ولا يجوز لى أن أحكم فى مال رجل لمدّع إلاّ ببيّنة. فرجع إليه طريف فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان. يعنى لرجلين جليلين كانا فى ذلك الوقت. فقال: يشهدان عندى، وأسأل عنهما، فإن زكّيا قبلت شهادتهما، وإلاّ أمضيت ما قد ثبت عندى. فامتنع أولئك من الشهادة فزعا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا. وقال وكيع القاضى: كنت أتقلّد لأبى خازم وقوفا فى أيّام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلمّا استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسنىّ، أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل، التى كانت فى يدى ومجاورة للقصر، وبلغت السّنة آخرها، وقد جبيت مالها، إلاّ ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبى خازم، فعرّفته اجتماع مال السّنة، واستأذنته فى قسمته فى سبيله، وعلى أهل الوقف، فقال لى: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه، ووالله إن لم يزن ما عليه لا وليت له عملا. ثم قال: امض إليه السّاعة وطالبه. فقلت: من يوصّلنى؟ فقال: امض إلى صافى الحرمىّ، وقل له: إنّك رسول أنفذتك فى مهمّ، فإذا وصلت عرّفه ما قلت لك. فجئت، فقلت لصافى ذلك، فأوصلنى، وكان آخر النّهار، فلما مثلت بين يدى الخليفة، ظنّ أنّ أمرا عظيما قد حدث، وقال: هيه، قل. كأنّه متشوّف، فقلت: إنّى ألى لعبد الحميد قاضى أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولمّا جبيت مال هذه السّنة، امتنع من تفريقه إلى أن أجبى ما على أمير المؤمنين، وأنفذنى السّاعة قاصدا بهذا السّبب، وأمرنى أن أقول: إنّى حضرت فى مهمّ لأصل. قال: فسكت ساعة متفكّرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافى، هات الصّندوق. قال: فأحضر صندوقا لطيفا، فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذى جبيت عام أوّل من ارتفاع هذه الأوقاف العقارات أربعمائة دينار. قال: كيف حذقك بالنّقد والوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزانا. فجاءوا بميزان (¬١) حسن، عليه حلية ذهب، وأخرج من الصّندوق دنانير عينا، فوزن لى منها أربعمائة دينار، فوزنتها بالميزان، وقبضتها، وانصرفت إلى أبى خازم بالخبر، فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه فى غد، ولا تؤخّر ذلك. ففعلت، فكثر شكر الناس لأبى خازم بهذا السّبب، وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وكثر شكرهم للمعتضد فى إنصافه، رحمة الله تعالى عليهما. *وروى الخطيب (¬٢)، بسنده إلى القاضى أبى طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، أنّه قال: بلغنى أنّ أبا خازم القاضى جلس فى الشّرقيّة، وهو قاضيها للحكم، فارتفع إليه خصمان، فأجرى أحدهما بحضرته ما أوجب التّأديب، فأمر بتأديبه، فأدّب، فمات فى الحال، فكتب إلى المعتضد من المجلس: اعلم يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاك، أنّ خصمان حضرانى، فأجرى أحدهما ما أوجب عليه الأدب عندى، فأمرت بتأديبه، فأدّب فمات، فإن رأى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، أن يأمر بحمل الدّية لأحملها إلى ورثته فعل. قال: فعاد الجواب إليه، بأنّا قد أمرنا بحمل الدّية إليك. وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر ورثة/المتوفّى، ودفعها إليهم. قلت: إن صحّ هذا النّقل عن أبى خازم، فهو رأى انفرد به عن أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، فإنّ مذهبه أنّ من عزّره الإمام، فدمه هدر؛ لأنّه فعل ما فعل بأمر الشّرع، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة، كالفصّاد، والبزّاغ (¬١). وهو قول مالك، وأحمد، رضى الله تعالى عنهما. وقال الشّافعىّ، رضى الله تعالى عنه: تجب الدّية فى بيت المال؛ لأنّه نفع عمله يرجع إلى العامّة، فيكون الغرم فى ماله. وأجاب أئمّتنا، رحمهم الله تعالى، بأنّه لمّا استوفى حقّ الله بأمره، صار كأنّ الله تعالى أماته من غير واسطة، فلا يجب الضّمان. وحدّث مكرّم بن بكر (¬٢)، وكان من فضلاء الرجال وعلمائهم، قال: كنت فى مجلس أبى خازم، فتقدّم إليه رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فادّعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا، فقال له: ما تقول؟ فأقرّ، فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه. فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقد البعض، ونسأله إنظارك؟ فقال: لا. فقال: الشيخ: إن رأى القاضى أن يحبسه. قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما إلى أن انظر بينكما فى مجلس آخر. قال: فقلت لأبى خازم، وكانت بيننا أنسة (¬٣)، لم أخّر القاضى حبسه؟ فقال: ويحك، إنّي أعرف فى الأحوال من الخصومة وجه المحقّ من المبطل، وقد صارت لى بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لى أنّ سماحة هذا بالإقرار هى عن بليّة، وأمر يبعد عن الحقّ، وليس فى تلازمهما بطلان، ولعلّه ينكشف لى من أمرهما ما أكون معه على وثيقة ممّا أحكم به بينهما، أما رأيت قلّة تعاصيهما (¬٤) فى المناظرة، وقلّة اختلافهما، وسكون طباعهما، مع عظم المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التّورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا عجلا بمثل هذا المال. قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبى خازم لبعض وجوه الكرخ من مياسير التّجّار، فأذن له، فدخل فسلّم، وسبّب لكلامه فأحسن، ثم قال: قد بليت بابن لى حدث يتقاين (¬١)، ويتلف كلّ ما يظفر به من مالى فى القيان عند فلان المقيّن، فإذا منعته مالى احتال بحيل تضطرّنى إلى التزام غرم له، وإن عددت ذلك طال، وأقربه أنّه قد نصب المقيّن اليوم يطالبه بألف دينار عينا دينا حالاّ، وبلغنى أنّه تقدّم إلى القاضى ليقرّ له بها فيحبس، وأقع مع أمّه فيما ينغّص عيشى، إلى أن أزن ذلك عنه للمقيّن، فإذا قبضه المقيّن حاسبه به من الجذور (¬٢)، ولمّا سمعت بذلك، بادرت إلى القاضى لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله له، فجئت فوجدتهما على الباب. قال: فحين سمع أبو خازم ذلك تبسّم، وقال لى: كيف رأيت؟ قلت: بهذا ومثله فضّل الله القاضى. وجعلت أدعو له، فقال: علىّ بالغلام والشيخ. فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، قال: فأقرّ الشيخ بأنّ الصّورة كما بلغ القاضى، وأنّه لا شئ له عليه، وأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا. ومن شعر أبى خازم فى مملوكة له (¬٣): أذلّ فأكرم به من مذلّ … ومن شادن لدمى مستحلّ (¬٤) إذا ما تعزّز قابلته … بذلّ وذلك جهد المقلّ /وأسلمت خدّى له خاضعا … ولولا ملاحته لم أذلّ وعن أبى عبد الله الصّيمرىّ، قال: حكى أنّ عبيد الله بن سليمان الوزير وجّه بأبى إسحاق الزّجّاج إلى أبى خازم القاضى، وأبى عمر محمد بن يوسف، يسألهما فى رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ أبو إسحاق بأبى خازم، فجاء إليه، وقد علا النهار، ودخل داره، فلم يمكّنه البوّاب من الدّخول، وقال: لو جاء الوزير السّاعة لم يستأذن عليه. فانصرف أبو إسحاق وقعد فى المسجد مغتاظا إلى وقت العصر، فقال له البوّاب: القاضى قد جلس، فدخل الزّجّاج عليه، فلم يقبل عليه أبو خازم الإقبال الذى اعتقده الزّجّاج، فأدّى أبو إسحاق الرسالة، فقال أبو خازم: تقرأ على الوزير، أعزّه الله، السلام، وتقول له: إنّ هذا الرجل محبوس لخصمه فى دينه، وليس بمحبوس لى، فإن أراد الوزير إطلاقه؛ فإمّا أن يسأل خصمه إطلاقه، أو يقضى دينه، فإنّ الوزير لا يعجزه ذلك. فقال الزّجّاج: جئت إلى هنا قبل الظهر، فامتنع البوّاب من الاستئذان على القاضى، فجلست إلى الآن للدّخول عليه. وهو يقصد بهذا أن ينكر القاضى على البوّاب، فقال: نعم، هكذا عادتى، إذا قمت من مجلسى، ودخلت إلى دارى، اشتغلت ببعض الحوائج التى تخصّنى، فإنّ القاضى لا بدّ له من خلوة وتودّع. فاغتاظ أبو إسحاق من ذلك أكثر، وقال مبكّتا له: كنت بحضرة الوزير فى بعض [الأيّام]، فأنشد بين يديه: أذلّ فيا حبّذا من مذلّ … .. الأبيات السّابقة، فسأل عن ذلك، فقيل: إنّها للقاضى، أعزّه الله تعالى. فقال أبو خازم: نعم، هذه أبيات قلتها فى والدة هذا الصّبىّ -لغلام قاعد بين يديه، فى يده كتاب من الفقه يقرأ عليه، وهو ابنه-فإنّى كنت ضعيف الحال أوّل ما عرفتها، وكنت مائلا إليها، ولم يمكن إرضاؤها بالمال، فكنت أطيّب قلبها بالبيت والبيتين. فقام أبو إسحاق، ومضى إلى أبى عمر، فاستقبله حجّابه من باب الدّار، وأدخلوه إلى الدار، فاستقبله القاضى من مجلسه خطوات، وأكرمه كما يكرم من يكون خصيصا بوزير، فأدّى إليه رسالة الوزير، فقال: السّمع والطاعة، أنا أسأل صاحب الحقّ حتى يفرج عنه، فإن فعل وإلاّ أدّيت الدّين من مالى، إجابة لمسألة الوزير. فانصرف أبو إسحاق، فأخبر الوزير، فقال الوزير: أىّ الرّجلين أفضل عندك يا أبا إسحاق؟ فقال: أبو عمر، فى عقله، وسداده، وحسن عشرته، ومعرفته بحقوق الوزير. يغريه بأبى خازم، فقال الوزير: دع هذا عنك، أبو خازم دين كلّه، وأبو عمر عقل كلّه. ومن تصانيف أبى خازم كتاب «المحاضر والسّجلاّت»، وكتاب «أدب القاضى»، وكتاب «الفرائض». وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، فى جمادى الأولى، سنة اثنتين وتسعين ومائتين. ***