Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

١٠٧٦ - عبد الله بن المبارك بن واضح

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية · page 1178, entry [1151]

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

page 1178, entry [1151]Open original source
١٠٧٦ - عبد الله بن المبارك بن واضح (¬*) الإمام المشهور، والعلم المنشور، الذى اتّفقت الألسن/على مدحه، والقلوب على حبّه، ووقع الإجماع على أنّه فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وواسطة عقده. ذكره أبو إسحاق الشّيرازىّ، فى أصحاب أبى حنيفة، ثم حمله الانحراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أن قال: ثم تركه، ورجع عن مذهبه (¬١). ولم يذكر لكلامه دليلا، ولا أتى فيه بحجّة، ولا ذكر إلى أىّ مذهب رجع، وإلى أىّ طريق اتّبع، وهل تفرّد بمذهب، وتمسّك بمطلب، وترك التقليد أصلا، واجتهد كبقيّة أصحاب المذاهب المتّبعة أم لا، وحسن رأى ابن المبارك فى أبى حنيفة، ومدحه له، وثناؤه عليه، إلى أن توفّاه الله تعالى، كما هو مستفيض عنه، ومشحونة به الكتب، ومتّفقة عليه ألسن الرّواة، يدلّ على أنّه لم يزل آخذا برأيه، مصوّبا لأقواله، ذاهبا إلى مذهبه، رضى الله تعالى عنهما، وجمع بينهما فى دار كرامته. ولا يلتفت إلى ما يلفّقه الخطيب البغداذىّ فى «تاريخه»، من كلام يحكيه عن ابن المبارك، وينسبه إليه، ويرويه عنه، ممّا يريد الخطيب أن يشنّع به على أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه؛ فإنّ تعصّبه معلوم، وبغضه غير مكتوم، حتى إنّ بعض الأفاضل صنّف فى الرّدّ عليه كتابا سمّاه «السّهم المصيب فى كبد الخطيب». وحيث كان الأمر على ما ذكرنا، والشّان على ما قرّرنا، وجب أن نذكره فى جملة الأصحاب، ونجمّل بنشر محاسنه طىّ هذا الكتاب، كما ذكر جميع من صنّف فى تراجم الحنفيّة، وعدّوه [من] أئمّتهم المرضيّة، فنقول وبالله التوفيق: ذكره الحافظ الذّهبىّ، فى «طبقات الحفّاظ»، وقال فى حقّه (¬١): الإمام الحافظ، العلاّمة، شيخ الإسلام، فخر المدرّسين، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن الحنظلىّ مولاهم، التّركىّ الأب، الخوارزمىّ الأمّ، التاجر السّفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرّحلات الشاسعة، ولد سنة ثمانى عشرة ومائة، أو بعدها بعام، وأفنى عمره فى الأسفار، حاجّا ومجاهدا، وتاجرا. سمع سليمان التّيمىّ، وعاصما الأحول، وحميدا الطّويل، والربيع بن أنس، وهشام بن عروة، والجريرىّ، وإسماعيل بن أبى خالد، وخالدا الحذّاء، ويزيد بن عبد الله بن أبى بردة، وأمما سواهم، حتى كتب عمّن هو أصغر منه. دوّن العلم فى الأبواب، وفى الغزو، والزهد، والرّقائق، وغير ذلك. حدّث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنّه من صباه ما فتر عن السّفر، منهم: عبد الرحمن بن مهدىّ، ويحيى بن معين، وحبّان بن موسى، وأبو بكر ابن أبى شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن منيع، وأحمد ابن حنبل المروزىّ، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحسين بن الحسن المروزىّ، والحسن بن عرفة. قال-أعنى الذّهبىّ -: ووقع لى من غير وجه عاليا، وبالإجازة بينى وبينه، ستّة أنفس، ووالله إنّى لأحبّه فى الله، وأرجو الخير بحبّه، لما منحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، وسعة العلم، والإتقان، والمواساة، والفتوّة، والصّفات الحميدة. انتهى. وعن ابن مهدىّ: الأئمة أربعة: مالك،/والثّورىّ، وحمّاد بن زيد، وابن المبارك. وعنه أيضا، أنّه فضّله على الثّورىّ. وقال مرّة: حدّثنا ابن المبارك، وكان نسيج وحده. وعن أحمد ابن حنبل، رضى الله تعالى عنه: لم يكن فى زمن ابن المبارك أطلب منه للعلم. وعن شعيب بن حرب قال: ما لقى ابن المبارك مثل نفسه. وعن شعبة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك. وقال أبو إسحاق الفزارىّ: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن ابن معين: كان ثقة ثبتا، وكانت كتبه التى حدّث بها نحوا من عشرين ألف حديث. وعن يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت الدّقيق من المسائل، فلم أجده فى كتب ابن المبارك، أيست منه. وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك. وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، والشجاعة، ومحبّة الفرق له. وقال شعيب بن حرب: لو جهدت جهدى على أن يكون فى السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك، لم أقدر. وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين فى الحديث. وقال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: عدّوا خصال ابن المبارك. فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزّهد، والشجاعة، والشعر، والفصاحة، وقيام اللّيل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسيّة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف وقلّة الخلاف على أصحابه. وروى العباس بن مصعب، فى «تاريخه» (¬١)، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن المبارك، قال: تحمّلت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم. ثم قال العباس: وقع لى من شيوخه ثمانمائة. وعن على بن الحسن بن شقيق، قال: قمت مع ابن المبارك فى ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرنى عند الباب بحديث، وذاكرته، فما زال يذاكرنى حتى جاء المؤذّن، فأذّن للفجر. وكان ابن المبارك من صيانة العلم، وعدم ابتذاله لأهل الدّول وأهل المناصب، ومن ليس له بأهل، على جانب عظيم. وروى أنّ رجلا من بنى هاشم جاء إليه يسمع منه، فامتنع ابن المبارك، فقال الهاشمىّ لغلامه: قم بنا. فلمّا أراد الرّكوب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا ترى أن تحدّثنى، وتمسك بركابى؟ فقال: رأيت أن أذلّ لك بدنى، ولا أذلّ لك الحديث. وعن الفضيل بن عياض، أنّه قال. وهو بمكة: وربّ هذا البيت ما رأت عيناى مثل ابن المبارك. وقال عبد الله بن سنان: قدم ابن المبارك مكة وأنا بها، فلما خرج شيّعه سفيان ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وودّعاه، فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق. وقال الآخر: وفقيه أهل المغرب. وقال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب «الزهد» كأنّه ثور قد ذبح، لا يقدر أن يتكلّم. وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سلم أن يقال فيه شئ، إلاّ عبد الله بن المبارك (¬١). وذكر ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق» لعبد الله بن المبارك ترجمة واسعة، أحببت أن ألخّص منها ما يكون فيه قدوة لأهل العلم، وهاد لأهل الرّشاد، وطريق لأهل النّجاة، ومبين لما كان عليه عبد الله من العلم والدّين والورع وغير ذلك، وإن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنّ مثل أخبار عبد الله وأوصافه، لا يملّ سماعها إلاّ مبتدع،/عميت بصيرته، ولم تخلص من الكدر سريرته؛ فمن ذلك ما روى، أنّ عبد الله بن المبارك، رضى الله تعالى عنه، قال-وقد سئل عن أوّل زهده-إنّى كنت يوما فى بستان، وأنا شابّ، مع جماعة من أترابى، وذلك فى وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعا بضرب العود، فقمت فى بعض الليل، وإذا غصن يتحرّك عند رأسى، فأخذت العود لأضرب، فإذا بالعود ينطق وهو يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (¬١)، قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، وصرفت ما عندى من جميع الأمور التى كنت عليها، ممّا يشغل عن الله تعالى، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهّل لنا من الخير، بفضل الله ورحمته. وقال عبد الله: نظر أبو حنيفة إلى أبى فقال: أدّت أمّه إليك الأمانة، وكان أشبه الناس بعبد الله. وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلّ الكلمة التى أنتفع بها ما كتبتها بعد. وفى رواية: لعلّ الكلمة التى فيها نجاتى لم أسمعها بعد. وعن عيسى بن سلمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك ووكيع عند شريك، يكتبان عنه، وكان ابن المبارك إذا سوّد ورقته تركها تجفّ، وقام يركع، قال: وسمع ابن المبارك وكيعا يقدّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، وإنّك لعلى هذا، لا كلّمتك حتى ألقى الله ﷿. وعن سفيان بن سعيد، أنّه كان يقول: أحببت أن أكون خمسة أيّام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، وأربعة أيّام، فلم أقدر عليه، وثلاثة أيّام، فلم أقدر عليه، ويومين، فلم أقدر عليه. قال شعيب بن حرب: وكنّا نأتى ابن المبارك، فنحفظ عنه، ثم ننظر هل نستطيع أن نتعلّق عليه بشئ، فلا نقدر على شئ من ذلك. وعن عمران بن موسى الطّرسوسىّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيان الثّورىّ عن مسألة، فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، وأهل المغرب. وعن عبد الرحمن ابن أبى جميل، قال: كنّا حول ابن المبارك بمكة، فقلنا له: يا عالم المشرق حدّثنا، وسفيان قريب منا، فقال: ويحكم، عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وعن سفيان بن عيينة، قال: نظرت فى أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلاّ بصحبتهم النبىّ ﷺ، وغزوهم معه. وعن أبى إسحاق الفزارىّ، أنّه كان يقول: ابن المبارك عندنا إمام المسلمين. وفى رواية عنه: إمام المسلمين أجمعين. وكان أبو إسحاق هذا يجلّ ابن المبارك، ويجلس بين يديه، ويسائله، ويستفيد منه، مع جلالة أبى إسحاق، وعلوّ قدره. وسأله رجل مرّة عن [مسألة] (¬١) فقال: هل كتبت فيها إلى إمام المسلمين. يعنى عبد الله بن المبارك. وكان ابن مهدىّ يقول: كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثّورىّ. وعنه أيضا أنّه قال: ما رأيت مثل ابن المبارك. فقال له يحيى بن سعيد القطّان: ولا سفيان ولا شعبة؟ قال: ولا سفيان ولا شعبة، كان ابن المبارك عالما فقيها فى علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيّا، حجّاجا، غزّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيت مثله. وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلّ حديث لا يعرفه ابن المبارك،/فنحن منه براء. وعن ابن مهدىّ، أنّه كان يقول: ما رأت عيناى مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثّورىّ، ولا أشدّ تقشّفا من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمّة من عبد الله بن المبارك. وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أنّ الله ﷿ خلق خصلة من خصال الخير إلاّ وقد جعلها فى عبد الله بن المبارك. وروى عن عبد الله بن المبارك، أنّه استعار قلما بأرض الشام، ونسى أن يردّه إلى صاحبه، فلمّا قدم مرو، رأى القلم فى أمتعته، فرجع إلى أرض الشام حتى ردّه إلى صاحبه. وهذا من نهاية الورع، الذى لا مزيد عليه، رحمه الله تعالى، ورضى عنه، فما كان أزهده وأتقاه. وعن أبى وهب، أنّه قال (¬١): مرّ ابن المبارك برجل أعمى، فقال له: أسألك أن تدعو الله أن يردّ علىّ بصرى. قال: فدعا الله، فردّ عليه بصره وأنا انظر. وعن سويد بن سعيد، قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهمّ إن ابن أبى الموّال حدّثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبىّ ﷺ، أنّه قال: «ماء زمزم لما شرب له» (¬٢)، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه. وعن عبد الله بن سنان، قال: كنت مع ابن المبارك، والمعتمر بن سليمان، بطرسوس، فصاح الناس: النّفير، النفير. قال: فخرج ابن المبارك والمعتمر، وخرج الناس، فلما اصطفّ المسلمون والعدوّ، خرج علج من الرّوم يطلب البراز، فخرج إليه رجل مسلم، فشدّ العلج على المسلم، فقتل المسلم، حتى قتل ستّة من المسلمين مبارزة، فجعل يتبختر بين الصّفّين، يطلب المبارزة، لا يخرج إليه أحد، قال: فالتفت إلىّ ابن المبارك فقال: يا عبد الله، إن حدث بى حدث الموت، فافعل كذا وكذا. قال: وحرّك دابّته، وخرج العلج، فعالج معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة، فخرج إليه علج آخر، فقتله، حتى قتل ستّة من العلوج مبارزة، وطلب البراز، فكأنّهم كاعوا عنه، فضرب دابّته، ونظر بين الصّفّين، وغاب، فلم أشعر بشئ إلاّ وابن المبارك فى الموضع الذى كان فيه، فقال لى: يا عبد الله لئن حدّثت بهذا أحدا وأنا حىّ. وذكر كلمة. قال: فما حدّثت به أحدا وهو حىّ. وعن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة، قال: أملى علىّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودّعته للخروج، وأنفذها معى إلى الفضيل بن عياض، فى سنة سبعين ومائة، وفى رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (¬٣): يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنّك فى العبادة تلعب من كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب أو كان يبعث خيله فى باطل … فخيولنا يوم الصّبيحة تتعب (¬١) ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … رهج السّنابك والغبار الأطيب (¬٢) ولقد أتانا من مقال نبيّنا … قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوى وغبار خيل الله فى … أنف امرئ ودخان نار تلهب (¬٣) هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميّت لا يكذب /قال: فلقيت الفضيل بن عياض فى المسجد الحرام بكتابه، فلمّا قرأه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن. ونصحنى، ثم قال: أنت ممّن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا على. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبى عبد الرحمن إلينا. وأملى علىّ الفضيل: حدّثنا منصور بن المعتمر، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، رضى الله تعالى عنه، أنّ رجلا قال: يا رسول الله، علّمنى عملا أنال به ثواب المجاهدين فى سبيل الله. فقال النبىّ ﷺ: «هل تستطيع أن تصلّى فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟» فقال يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثمّ قال النبىّ ﷺ: «فو الّذى نفسى بيده، لو طوّقت ذلك، ما بلغت فضل المجاهدين فى سبيل الله، أما علمت أنّ فرس المجاهد ليستنّ فى طوله، فتكتب بذلك الحسنات» (¬٤). وعن عمر بن حفص الصّوفىّ، قال: خرج ابن المبارك من بغداد، يريد المصيّصة، فصحبه الصّوفيّة، فقال: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام، هات الطّشت، فألقى على الطّشت منديلا، ثمّ قال: يلقى كلّ رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقى عشرة دراهم، والرجل يلقى عشرين درهما، فأنفق عليهم إلى المصّيصة، فلمّا بلغ المصّيصة، قال: هذه بلاد نفير، فقسم ما بقى، فجعل يعطى الرجل عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنّما أعطيت عشرين درهما، فيقول: وما تنكر إنّ الله ﵎ يبارك للغازى فى نفقته. وعن سلمة بن سليمان، قال (¬٥): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن يقضى دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلمّا ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدّين الذى سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إنّ هذا الرجل سألك أن تقضى عنه سبعمائة درهم، وكتبت إلىّ سبعة آلاف درهم، وقد فنيت الغلاّت. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلاّت قد فنيت، فإنّ العمر أيضا قد فنى، فأجر له ما سبق به قلمى له. وفى رواية أخرى، أنّه كتب إلى الوكيل فى جواب كتابه: إذا أتاك كتابى هذا، وقرأته، وفهمت ما ذكرت فيه، فادفع إلى صاحب هذا الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفعل نفعل، ما أسرع ما نبيع الضّيعة. فكتب إليه عبد الله: إن كنت وكيلى فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعى حتى أصير إلى موضعك، فأنفذ ما تأمرنى به. وعن محمد بن عيسى، قال (¬١): كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرّقّة فى خان، فكان شابّ يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرّقّة مرّة، فلم ير ذلك الشابّ، وكان مستعجلا، فخرج فى النّفير، فلما قفل من غزوته، ورجع إلى الرّقّة، سأل عن الشابّ، قال: فقالوا: إنّه محبوس لدين ركبه. قال: فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ قالوا: عشرة آلاف درهم. فلم يزل يستقصى حتى دلّ على صاحب المال، فدعا به ليلا، ووزن له عشرة آلاف درهم، وحلّفه أن لا يخبر أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس. وأدلج عبد الله، فأخرج الفتى، فقيل له: عبد الله بن المبارك كان هاهنا/، وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى فى إثره، فلحقه على مرحلتين أو ثلاثة من الرّقّة، فقال: يا فتى، أين كنت، لم أرك فى الخان. قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوسا لدين علىّ. قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دينى، ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى، احمد الله على ما وفّق لك من قضاء دينك. فلم يخبر ذلك الرّجل أحدا إلاّ بعد موت عبد الله. وعن عثمان بن سعيد، أنّه قال (¬٢): سمعت نعيم بن حمّاد، يقول: كان ابن المبارك يكثر الجلوس فى بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبىّ ﷺ وأصحابه. يعنى النّظر فى الحديث. وعن أبى نعيم، أنّه قال: كان ابن المبارك يتّجر، ويقدم كلّ سنة مكة، فيبعث بالصّرر إلى أربابها، كفضيل بن عياض، وابن عيينة، وابن عليّة وغيرهم، فقدم سنة مكة، فوجد ابن عليّة قد ولى الصّدقات لهارون الرّشيد، فبعث بالصّرر إلى أربابها، ولم يبعث إلى ابن عليّة شيئا، وكان يعطيه فى كلّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابن عليّة إليه، فسلّم عليه، فلم يرفع له رأسا، ولم يكلّمه، فكتب إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاّك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البرّ والصّلة منك، لأتبرّك بها، وجئتك مسلّما، فلم تكلّمنى، فأىّ شئ بدا منّى، فعرّفنى حتى أعتذر منه. فلما قرأها ابن المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلاّ أن أقشر له العصا. وكتب إليه، رحمه الله تعالى (¬١): يا جاعل العلم له بازيا … يصيد أموال المساكين (¬٢) احتلت للدّنيا ولذّاتها … بحيلة تذهب بالدّين فصرت مجنونا بها بعد ما … كنت دواء للمجانين أين رواياتك فى سردها … عن ابن عون وابن سيرين أين أحاديثك والقول فى … لزوم أبواب السّلاطين (¬٣) إن قلت أكرهت فما كان ذا … زلّ حمار العلم فى الطّين (¬٤) فلما قرأ الأبيات بكى، ودخل على هارون، فاستعفاه فقال: لعلّك التقيت بالمروزىّ؟ فقال له: ارحم شيبى. فأقاله، فبعث إليه ابن المبارك برسمه. وعن الأصمعىّ، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنّه ليعجبنى من القرّاء كلّ طلق مضحاك، فأمّا من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس، كأنّه يمنّ عليك بعمله، فلا أكثر الله فى القرّاء مثله. وسئل ابن المبارك: من أحسن الناس حالا؟ قال: من انقطع إلى الله ﷿. وكان يقول: من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إمّا أن يموت، فيذهب علمه، أو ينسى، او يتّبع السّلطان. وكان يقول: لأن أخرّ من السماء، أحبّ إلىّ من أن أدلّس حديثا. وذكر عنده رجل ممّن كان يدلّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنشد فيه (¬١): دلّس للناس أحاديثه … والله لا يقبل تدليسا وعنه أنّه قال: من استخفّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفّ بالأمراء ذهبت/ دنياه، ومن استخفّ بالإخوان ذهبت مروءته. وعن محمد بن حميد، قال: عطس رجل عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرحمك الله. قال: فعجبنا كلّنا من حسن أدبه. وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم. وسمع وهو يخاطب نفسه فيقول: يا ابن المبارك، إذا عرفت نفسك، لم يضرّك ما قيل فيك. وعنه أنّه قال: خصلتان من كانتا فيه نجا: الصّدق، وحبّ أصحاب رسول الله محمد ﷺ. ومن شعر ابن المبارك، رحمه الله تعالى (¬٢): إنّى امرؤ ليس فى دينى لغامزة … لين ولست على الإسلام طعّانا شغلى بقوم مضوا كانوا لنا سلفا … وللرّسول مع العرفان أعوانا فما الدّخول عليهم فى الذى عملوا … بالطّعن منّى وقد فرّطت عصيانا فلا أسبّ أبا بكر ولا عمرا … ولا أسبّ معاذ الله عثمانا ولا ابن عمّ رسول الله أشتمه … حتى ألبّس تحت التّرب أكفانا ولا الزّبير حوارىّ الرّسول ولا … أهدى لطلحة شتما عزّ أو هانا ولا أقول علىّ فى السّحاب إذا … قد قلت والله ظلما ثمّ عدوانا ولا أقول بقول الجهم إنّ له … قولا يضارع أهل الشّرك أحيانا ولا أقول تخلّى من خليقته … ربّ العباد وولّى الأمر شيطانا ما قال فرعون هذا فى تجبّره … فرعون موسى ولا هامان طغيانا (¬١) لكن على ملّة الإسلام ليس لنا … اسم سواه بذاك الله سمّانا إنّ الجماعة حبل الله ما اعتصموا … بها من العروة الوثقى لمن دانا ومن نظمه أيضا، وأظنّه من النظم الذى قبله، قوله: إنّى أحبّ عليّا حبّ مقتصد … ولا أرى دونه فى الفضل عثمانا أمّا علىّ فقد كانت له قدم … فى السّابقين بها فى الناس قد بانا وكان عثمان ذا صدق وذا ورع … برّا حييّا جزاه الله غفرانا ما كان والله من قلبى مشايعة … للمبغضين عليّا وابن عفّانا لأمنحنّهم بغضى علانية … ولست أكتمه فى الصّدر كتمانا ولا أرى حرمة يوما لمبتدع … وهنا يكون له منّى وإدهانا وعن بعضهم قال: سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطى الإنسان؟ قال: غزير عقل. قيل: فإن لم يكن. قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن. قال: أخ صالح يستشيره. قيل: فإن لم يكن، قال: صمت طويل. قيل: فإن لم يكن. قال: موت عاجل. وعن الحسن بن عيسى، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، رضى الله تعالى عنه يقول (¬٢): اغتنم ركعتين زلفى إلى اللّ … هـ إذا كنت فارغا مستريحا /وإذا ما هممت بالزّور والبا … طل فاجعل مكانه تسبيحا (¬٣) فاغتنام السّكوت أفضل للمر … ء وإن كان بالكلام فصيحا (¬٤) وعن عبد السّلام بن صالح، قال: سمع ابن المبارك رجلا يتكلّم بما لا يعنيه، فقال (¬١): تعاهد لسانك إنّ اللسان … سريع إلى المرء فى قتله (¬٢) وهذا اللسان بريد الفؤاد … يدلّ الرجال على عقله (¬٣) وعن محمد بن إدريس الحنظلىّ، قال: قال عبد الله بن المبارك (¬٤): أدّبت نفسى فما وجدت لها … من بعد تقوى الله من أدب (¬٥) فى كلّ حالاتها وإن قصرت … أفضل من صمتها عن الكذب (¬٦) وغيبة الناس إنّ غيبتهم … حرّمها ذو الجلال فى الكتب إن كان من فضّة كلامك يا … نفس فإنّ السّكوت من ذهب وعن أبى أميّة الأسود، أنّه قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: أحبّ الصّالحين ولست منهم، وأبغض الطّالحين وأنا شرّ منهم. ثم أنشأ (¬٧): الصّمت زين بالفتى … من منطق فى غير حينه (¬٨) والصّدق أجمل بالفتى … فى القول عندى من يمينه وعلى الفتى بوقاره … سمة تلوح على جبينه من ذا الذى يخفى علي … ك إذا نظرت إلى قرينه ربّ امرئ متيقّن … غلب الشّقاء على يقينه فأزاله عن رأيه … فابتاع دنياه بدينه انتهى. قلت: وممّا ينسب إلى الإمام الشافعىّ، رضى الله تعالى عنه، من النظم قوله: أحبّ الصّالحين ولست منهم … ولكنّى أروم بهم شفاعه وأكره من بضاعته المعاصى … ولكنّى شريك فى البضاعه فكأنّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدّم آنفا. وكان ابن المبارك يقول: سخاء النفس عمّا فى أيدى الناس أكبر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرّضا أكبر من مروءة الإعطاء. وكان ينشد: ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له … ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا والعرف من يأته يحمد عواقبه … ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا ومن شعره أيضا قوله: لا تضرعنّ لمخلوق على طمع … فإنّ ذاك مضرّ منك بالدّين واسترزق الله ممّا فى خزائنه … فإنّما هى بين الكاف والنّون ألا ترى كلّ من ترجو وتأمله … من البريّة مسكين بن مسكين /ومنه قوله (¬١): كل من الجاورس والرّزّ … ومن خبز الشّعير (¬٢) واجعلن ذاك حلالا … تنج من نار السّعير والتمس رزقك من ذى ال … عرش والرّبّ القدير وارض يا ويحك من دن … ياك بالقوت اليسير إنّها دار بلاء … وزوال وغرور كم لعمرى صرعت قب … لك أصحاب القصور (¬٣) وذوى الهيئة فى المج … لس والجمع الكثير أخرجوا منها فما كا … ن لديهم من نكير كم ببطن الأرض ثاو … من شريف ووزير وصغير الشأن عبد … خامل الذّكر حقير لو تصفّحت قبور ال … قوم فى يوم بصير (¬١) لم تميّزهم ولم تع … رف غنيّا من فقير خمدوا فالقوم صرعى … تحت أطباق الصّخور (¬٢) استووا عند مليك … بمساويهم خبير حكم يعدل لا يظ … لم مقدار النّقير ومن شعره أيضا، رضى الله تعالى عنه (¬٣): يا عائب الفقر ألا تعتبر … عيب الغنى أكبر لو تعتبر (¬٤) من شرف الفقر ومن فضله … على الغنى إن صحّ منك النّظر أنّك تعصى لتنال الغنى … ولست تعصى الله كى تفتقر وعن الفضيل بن عياض، قال: سئل عبد الله بن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد. قيل: فما السّفلة؟ قال: الذى يأكل بدينه. وفى رواية أخرى، عن الحسن بن عيسى، قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن خازم وأصحابه، قيل: فما الدّنىّ؟ قال: الذى يذكر غلاء السّعر عند الضّيف. وكان ابن المبارك يتمثّل بقول بعضهم (¬٥): ركوب الذّنوب يميت القلوب … وقد يورث الذّلّ إدمانها (¬٦) وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها (¬٧) وكان يتمثّل أيضا بقول الآخر: وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب وسمع وهو على سور طرسوس يقول هذين البيتين (¬١): ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النّفس فى شهواتها … والحرّ يشبع مرّة ويجوع وأنشد الحسن بن إبراهيم البجلىّ لابن المبارك قوله: تعصى الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال فى الفعال بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن يحبّ مطيع والذى يغلب على الظّنّ، أنّ هذين البيتين أخوا البيتين اللذين قبلهما. وروى أنّ بعض أصحابه أراد أن يسافر إلى مكة، فقال له: أما توصينا، أما تقوّينا؟ فقال له عبد الله: إذا صاحبت فى الأسفار قوما … فكن لهم كذى الرّحم الشّفيق بعيب النفس ذا بصر وعلم … غبىّ النفس عن عيب الرّفيق ولا تأخذ بعثرة كلّ يوم … ولكن قل هلمّ إلى الطريق فإن تأخذ بعثرتهم يقلّوا … وتبقى فى الزمان بلا صديق وقال بعضهم: سمعت عبد الله بن المبارك ينشد: أعداء غيب اخوة التّلاقى … يا سوءنا من هذه الأخلاق كأنّما اشتقّت من النّفاق فى إخوان العلانية وأعداء السّريرة. وعن المسيّب بن واضح، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حفروا بخراسان حفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سنّا من أسنانه، فإذا فيه سبعة أساتير (¬٢). وفى رواية أخرى، عن محمد بن أعين، حمل أبو جميل سنّين من خارج حصن مرو إلى عبد الله بن المبارك، فوضعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان فوزنهما أو وزن أحدهما، فإذا فيه منوان وزيادة فى كلّ سنّ، فوضعه عبد الله، وقال فيه شعرا (¬١): أتيت بسنّين قد رمّتا … من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا على وزن منّين إحداهما … يقلّ به الكفّ شيئا رزينا (¬٢) ثلاثين أخرى على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا (¬٣) فماذا يقوم لأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكّرت أجسامهم … تقاصرت بالنّفس حتى تهونا (¬٤) وكلّ على ذاك لاقى الرّدى … فبادوا جميعا فهم خامدونا ومن شعر عبد الله أيضا قوله: أيا ربّ يا ذا العرش أنت رحيم … وأنت بما تخفى الصّدور عليم فيا ربّ هب لى منك حلما فإنّنى … أرى الحلم لم يندم عليه حليم ويا ربّ هب لى منك عزما على التّقى … أقيم به فى الناس حيث أقيم ألا إنّ تقوى الله أكرم نسبة … يسامى بها عند الفخار كريم /إذا أنت نافست الرجال على التّقى … خرجت من الدنيا وأنت سليم أراك امرءا ترجو من الله عفوه … وأنت على ما لا يحبّ مقيم وإنّ امرءا لا ترتجى الناس عفوه … ولم يأمنوا منه الأذى للئيم وعن عمر بن عقبة، عن ابن المبارك، أنّه كان يقول فى دعائه: اللهمّ إنّى أسألك الشهادة فى غير جهد بليّة، ولا تبديل نيّة. وقد روى أنّ الله تعالى قد منّ عليه بإجابة دعوته، فأماته شهيدا غريبا فى غير تربته، من غير جهد فى الشهادة، ولا تبديل فى الإرادة. وعن الحسن بن عيسى، قال: لمّا حضرت ابن المبارك الوفاة، قال لنصر مولاه: اجعل رأسى على التّراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: أذكر ما كنت فيه من النّعيم، وأنت هو تموت فقيرا غريبا. فقال له: اسكت، فإنّى سألت الله ﵎ أن يحيينى حياة الأغنياء، وأن يميتنى ميتة الفقراء. ثم قال: لقّنّى، ولا تعد علىّ إلاّ أن أتكلّم بكلام ثان. وروى أنّه لمّا حضرته الوفاة، جعل رجل يلقّنه: قل لا إله إلاّ الله. فأكثر عليه، فقال: إنّك ليس تحسن، أخاف أن تؤذى بها رجلا مسلما بعدى، إذا لقّنتنى فقل: لا إله إلاّ الله. ثمّ إن لم أحدث كلاما بعدها فدعنى، فإذا أحدثت كلاما بعدها، فلقّنى حتى تكون آخر كلامى. وعن أبى القاسم القشيرىّ، أنّه قال: قيل فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة، فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (¬١). وروى أن رؤى على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب: الموت بحر موجه غالب … تذهل فيه حيل السّابح لا يصحب المرء إلى قبره … غير التقى والعمل الصّالح ولمّا مات ابن المبارك، وبلغ موته الرّشيد، جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزّوه فيه، وعدّ ذلك من محاسن الرشيد. وروى عن أبى حاتم الفربرىّ، أنّه كان يقول: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، واقفا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ههنا؟ قال: هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إلىّ محمد ﷺ، وقال: حتى أزور الرّبّ ﷾، فكن أمينى فى السماء، كما كنت أمينى فى الأرض. وفى «تاريخ العينىّ» عن على بن الحسن بن شقيق، أنّه قال: توجّه ابن المبارك من مرو إلى الكوفة للحجّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريب، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: خرجت إلى موقف الكوفة، وفى كمّى خمسمائة دينار، لأشترى بها جمالا، فرأيت امرأة تسارق الناس من بعيد، وتتقدّم إلى مزبلة هناك، عليها بطّة ميّتة، تريد أن تأخذها، فإذا نظر إليها أحد أمسكت، فغفل الناس عنها، فأخذتها وأنا أسارقها النّظر، فتبعتها وقلت لها: تأكلين الميتة! فقالت: يا أبا عبد الله، ألا تسألنى؟ قال: فوقع كلامها فى قلبى، فألححت عليها، فقالت: قد أحوجتنى إلى هتك سترى، وكشف سرّى، أنا امرأة شريفة، مات زوجى، وترك أربعة/بنات يتامى، وليس يسترنا إلاّ الحيطان، ولنا أربعة أيّام ما أكلنا شيئا، فخرجت أتسبّب لهنّ فى شئ، فلم أجد غير هذه البطّة، فأخذتها لأصلحها وأحملها إلى بناتى فيأكلنها. فقلت: افتحى حجرك. ففتحته، فصببت الدّنانير فيه، ونزع الله من قلبى شهوة الحجّ فى تلك السّنة، وعدت إلى بلدى، وأقمت حتى عاد الناس من الحجّ، فخرجت أتلقّاهم، فجعلت كلّ من أقول له: قبل الله حجّك. يقول: وأنت قبل الله حجّك. وأكثر علىّ الناس، وبتّ متعجّبا، فرأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقال لى: يا ابن المبارك، لا تعجب، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدى، فسألت الله أن يخلق على صورتك ملكا يحجّ عنك إلى يوم القيامة، وهو يحجّ عنك، فإن شئت أن تحجّ، وإن شئت أن لا تحجّ. وروى عن محمد بن فضل بن عياض، أنّه قال: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، فقلت: أىّ العمل، وفى رواية: أىّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذى كنت فيه. قلت: الرّباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأىّ شئ صنع بك؟ وفى رواية: صنع بك ربّك؟ قال: غفر لى مغفرة تتبعها مغفرة. وفى رواية: ما بعدها مغفرة، وكلّمتنى امرأة من أهل الجنة وامرأة من الحور العين. وروى أنّ بعض الصّلحاء رأى فى منامه، كأنّ غمامة على السماء مكتوبا عليها سطر: من أراد النّجاة، فعليه بكتب عبد الله بن المبارك. وفى «تهذيب الأسماء واللّغات» (¬١)، للإمام النّووىّ، فى ترجمة ابن المبارك، وروينا عن عبثر (¬٢) بن القاسم، قال: لمّا قدم هارون الرّشيد الرّقّة، أشرفت أمّ ولد له من قصر، فرأت الغبرة قد ارتفعت، والبغال قد تقطّعت، وانجفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من خراسان، يقال له ابن المبارك. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذى لا يجتمع له الناس إلاّ بالسّوط والخشب. قال عمّار بن الحسن يمدح ابن المبارك، رضى الله تعالى عنه (¬٣): إذا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها إذا ذكر الأخيار من كلّ بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها (¬١) وكان ابن المبارك كثيرا ما يتمثّل بهذين البيتين (¬٢): إذا صاحبت فاصحب ماجدا … ذا حياء وعفاف وكرم (¬٣) قوله للشّئ لا إن قلت لا … وإذا قلت نعم قال نعم *وأمّا روايات عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة فى الفقه وغيره فكثيرة جدّا؛ منها: أنه قال: سألت أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، عن الرّجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر، لذى قرابته. *وقال ابن وهب: سئل عبد الله بن المبارك عن أكل لحم العقعق (¬٤)، فقال: كرهه أبو حنيفة. *وسئل عن وقت عشاء الآخرة، فذكر عن أبى حنيفة: حتى يصبح. *قال: وقال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة يقول: قدم أيّوب بن أبى تميمة السّختيانىّ، وأنا بالمدينة، فقلت: لأنظرنّ ما يصنع، فجعل ظهره ممّا يلى القبلة، ووجهه ممّا يلى وجه رسول الله ﷺ، وبكى غير متباك، فقام مقام رجل فقيه. ومن كلام ابن المبارك: إذا غلبت محاسن الرجل لم نذكر المساوى، وإذا غلبت /المساوى على المحاسن لم نذكر المحاسن. وكان يقول: عتق الجارية الحسناء مضيعة. وسئل عن العجب ما هو؟ فقال: أن ترى عندك شيئا ليس عند غيرك. وسئل عن الكبر، فقال: أن تزدرى الناس. وسئل عن التّواضع، فقال: التّكبّر على الأغنياء. فأخذ هذا المعنى شاعر، فنظمه، وقال: لم ألق مستغنيا إلاّ تحرّك لى … عند اللّقاء له الكبر الذى فيه ولا حلا لى من الدنيا ولذّتها … إلاّ مقابلتى للتّيه بالتّيه *وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت ابن المبارك قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: من زعم أنّ هذا مخلوق فقد كفر بالله العظيم. وكان وفاة ابن المبارك-كما قاله الذّهبىّ -بهيت، فى رمضان، سنة إحدى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى. ومحاسن ابن المبارك ومناقبه وفضائله لا تدخل تحت الحصر، وفيما ذكرناه منها مقنع، ونحن نسأل الله تعالى، ونتوسّل إليه بنبيّه محمد ﷺ، وبأبيه إبراهيم الخليل ﵊، وأولاده السّادة الأكرمين، وجميع الأنبياء والمرسلين، وبعبد الله بن المبارك، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يتوفّانا على الإسلام، وأن يدخلنا فى شفاعة سيّد الأنام، وأن لا يعسّر علينا مرادا، وأن لا يردّ بخيبة الحرمان لنا مرتادا، إنّه جواد كريم، رءوف رحيم، لا يخيّب من سأله، ولا يردّ من قصده، آمين. ***
Parsing and provenance details
Local passage ID
1034187
Book record
shamela-322
Source record
1068334
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain