page 1024, entry [974]Open original source
٩٠٥ - سعد الله بن حسين الفارسىّ السّلمانىّ المقرى (¬**) نزيل بيت المقدس، وإمام الحنفيّة بالأقصى. قدم من بلاده، وكان شافعيّا فتحنّف، وأخذ بالقاهرة عن سعد الدين الدّيرىّ، وناب فى قضاء دمشق عن العلاء ابن قاضى عجلون، وتميّز فى القراءات، وشارك فى غيرها وأفتى ودرّس. وكان ذا سمة حسنة، ووقار وصولة، وحرمة، وشهامة، وصدع بالحق، لا يخاف فى الله لومة لائم. وكان مولده سنة اثنتى عشرة أو التى بعدها. ومات فى أواخر شهر ربيع الأوّل (¬١) ودفن بماملا (¬٢). رحمه الله تعالى. وهو من فضلاء القرن التاسع. *** ٩٠٦ - سعد الله بن عيسى بن أمير خان، الشهير بسعدى چلبى (¬***) وربّما كان يكتب بخطّه فى الكتب: الفقير سعد. لا غير. كان إماما عالما علاّمة، شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، ومرجع الخاصّ والعامّ. قال فى حقّه السّيّد عبد الرحيم العبّاسىّ، فى ديباجة نسخة من «شرح شواهد التّلخيص» (¬١) له، كتبها باسم صاحب الترجمة، ومن خطّه نقلت: هو مولى تنخفض همم الأقوال عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، ويقصر جهد الوصف عن أيسر فواضله ومساعيه، حضرته مطلع الجود، ومقصد الوفود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرّحال، ومجمع الأدباء، وحلبة الشعراء، ذو همة مقصورة على مجد يشيّده، وإنعام يجدّده، وفاضل يصطنعه، وخامل وضعه الدّهر فيرفعه، فاق الأقران، وساد الأعيان، فلا يدانيه مدان، ولو كان من بنى عبد المدان (¬٢)، وليس يجاريه فى مضمار الجود جواد، ولا يباريه فى ارتياد السيادة مرتاد. ما كلّ من طلب السّعادة نافدا … فيها ولا كلّ الرجال فحولا لا زالت آى مجده بألسن الأقلام متلوّة، وأبكار الأفكار بمديح معاليه مجلوّة. ثم قال يصف مكارمه وفواضله، وإنعامه عليه، وإسداء الخيرات إليه، عند ما قصد حضرته، وأمّ ساحته، وحين أناخ مطايا قصده بأفناء سعده، صادف مولا حفيّا وظلاّ ضفيّا، ومرتعا رحيبا، ومربعا خصيبا، وبشاشة وجه تسرّ القلوب، وطلاقة/محيّا تفرّج الكروب، وتغفر للدهر ما جناه من الذنوب، مع ما يضاف إلى ذلك من منظر وسيم، ومخبر كريم، وخلائق رقّت وراقت، وطرائق علت وفاقت، وفضائل ضفت مدارعها، وشمائل صفت مشارعها، وسؤدد تثنى به عقود الخناصر، ويثنى عليه طيب العناصر، فحمد من صباح قصده السّرى، وعلم أنّ كلّ الصّيد فى جوف الفرا، إنّ الكريم إذا قصدت جنابه … تلقاه طلق الوجه رحب المنزل وها هو فى ظلّ عزّه رخىّ البال، متميّز الحال، آمن من صرفان الدّهر، وحدثان القهر، يرتع فى رياض فضله، ويخرج من طلّ جوده ووبله، قد عجز عن الشكر لسانه، وكلّ عن رقم الحمد بنانه، لم يفقد من تفيّأ رأفته ظلالا، ولم يقل لصدح آماله انتجعى بلالا، وبه حقّق قول القائل من الأوائل (¬٣): ولمّا انتجعنا لائذين بظلّه … أعان وما عنّى ومنّ وما منّى وردنا عليه مقترين فراشنا … وردنا نداه مجدبين فأخصبنا وجملة ما يقوله فى العجز عن حمده وشكره، والثناء على جوده وبرّه: أما وجميل الصّنع منه وإنّها … أليّة برّ مثلها لا يكفّر لو اسطعت حوّلت البريّة ألسنا … وكنت بها أثنى عليه وأشكر ولست أوفّى حقّ ذاك وإنّما … قياما بحقّ الشكر جهدى أشمّر وذكره العلاّمة بدر الدين الغزّىّ العامرىّ، عالم دمشق، بل عالم الدّيار الشاميّة بأسرها، فى «رحلته إلى الدّيار الروميّة»، وبالغ فى الثناء عليه، وقال: قاضى قضاة المسلمين، وأولى ولاة الموحّدين، وينبوع العلم واليقين، العادل العدل فى أحكامه، والمراقب لله فى فعله وكلامه، عين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، قاضى القسطنطينيّة، سعدى بن عيسى بن أمير خان، ما قرن به فاضل فى الرّوم إلاّ رجحه، ولا ألقى إليه مهمّ من العلم إلاّ كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه فى الله لومة لائم، إلى عفّة ونزاهة وديانة، وهمّة عالية وصيانة، وطلاقة وجه مع خلق وضىّ، وخلق رضىّ. إلى أن قال، أعنى صاحب «الرحلة»: وكان يكرمنى ويجلّنى عند ما أجتمع به، ويمدحنى عند الناس بالعلم، ويصفنى بالفضيلة التامّة والمعرفة الجيّدة. وافتخار البدر بتربية السّعد، دليل واضح على علوّ شانه، ورفيع مكانه. وأورد فى الرحلة طرفا يسيرا من مدائح السّيّد عبد الرحيم العبّاسىّ المذكور فى حقّه، فمن ذلك ما كتبه إليه وقد عمّر منزلا وسكن فيه يوم النّوروز: يا عظيما دونه شمس الضّحى … بدليل قطّ ما فيه خفا هى بالمنزل تعطى شرفا … وبك المنزل يعطى الشّرفا وكتب إليه أيضا يمدحه، وهو قاض إذ ذاك بالقسطنطينيّة، وكان زمن النّوروز أيضا، قوله: /قرّت عيون العلا مذ بتّ راعيها … وبالثّناء شذت إذ صرت واعيها ومنك قد أشرقت أيّامها وغدت … من مدّها بالسّنا بيضا لياليها وكيف لا يبهج الأيّام سؤدد من … سمت معاليه عن قرم يساميها لا تسألنّ سوى علياه عنه تصب … فالدار تنبئ عن مقدار بانيها كأنّه نسخة فى المجد مثبتة … ومن عداه دخيل فى حواشيها انظر بعينيك فى الأشخاص هل ترمن … يولى المعالى سواه أو يواليها واستخبر البيض عن مقدار همّته … يخبرك بالعجز منها عن مواضيها واستفهم السّمر عن أدنى عزائمه … تجبك عن كنه علياها عواليها يا من يقيس جداه بالسّحاب أفق … فالبحر يعجز عنها إذ يجاريها جدواه مال وجدوى السّحب جود حيا … فالفرق كالصّبح يبدو فى دياجيها أكرم به بشرا أنشاه بارئه … على خلال تعالت عن مباريها آثاره لك بالتفضيل مفصحة … عن حسن ظاهرها منه وخافيها من أين ما جئتها تظفر بمخبرها … أم من قوادمها أم من خوافيها تبارك الله كم من آية ظهرت … من مجده وفم الأيّام تاليها يكفيك أنّ عطاياه وأنعمه … تجيب قبل صداها من يناديها ما فيه عيب سوى أنّ الوفود له … تنشى بتأهيله قربى أهاليها أقامه الله للأيام يظهر ما … محت يد الدهر من آثار عافيها إذا تأمّلته حقّ التأمّل يا … من ليس فى قلبه بلوى يناجيها ومنها: تظنّ أنّ كرام الناس قد نشروا … والأرض جادت على الدنيا بما فيها وكم غدت سحب الإحسان ممسكة … وجود كفّك يغنى عن غواديها إيه لعمرى قد فقت الأنام بما … حويت من رتب أعيت مراقيها وسدت بالسّؤدد المحض الذى عمرت … ربوعه لك أخلاق تعانيها وسعدك الجدّ فى تأثيل مكرمة … بين البريّة مشكور مساعيها دم وابق واسلم لمعروف تجدّده … بين الأنام لمرثيها وعافيها فى دولة بدوام السّعد دائرة … والله باللّطف والإسعاد حاميها واهنأ بنوروز عام عائد أبدا … إليك منه مسرّات تواليها فى صحة واغتباط وانبساط يد … فيما له النفس تهوى من مراضيها وما لذاتك فى الدنيا وزخرفها … شئ يساوى علاها أو يدانيها يا من بعليائه الأمثال سائرة … ما بين حاضرها تبدو وباديها فى مثل ذا اليوم يهدى القادرون إلى … أربابهم غررا تسمو غواليها وليس لى غير مقدور الثناء فلى … فيه حدائق قد طابت مجانيها /إن أدعها لك فى حمد وفى مدح … جاءت إلىّ مطيعات قوافيها ففيه أهديت أبياتا إذا قبلت … أربت على درر تزهو مرائيها وحكى صاحب «الشّقائق» أن صاحب الترجمة كان مدرّسا بإحدى الثّمان، وأنّه ولى منها قضاء القسطنطينيّة، ثمّ عزل، وعاد مدرسا بإحدى الثّمان، ثم صار مفتيا بالديار الروميّة، وبالغ فى الثناء عليه، وأرّخ وفاته سنة خمس وأربعين وتسعمائة، رحمه الله تعالى. وكان المولى سعدى جمّاعا لنفائس الكتب، ملك منها شيئا كثيرا، قلّما رأيت كتابا بالديار الرومية إلاّ وعليه خطّه بالملكيّة. وله من التّصانيف: «حاشية» على «الهداية وشرحها»، للشيخ أكمل الدّين، وهى من الكتب المهمّة الكثيرة النّفع، المتداولة بين أهل الفضل، وكفى بها دلالة على وسع اطّلاعه، واطّلاعا على دقّة فهمه، وقد تركها مسوّدة، وإنّما جمعها ورتّبها على هذا الأسلوب تلميذه عبد الرحمن أفندى، وكان فى الصّناعة قليل البضاعة، فربما رأى فى بعض الأماكن حاشية لم يجعل المصنّف لها علامة، فينقلها فى غير محلّها، فيأتى من لا علم له ويعترض على المؤلّف، والبلاء من سوء فهم الذى جمع. وله «حاشية» على «تفسير القاضى»، لم تكمل، وهى مشهورة، متداولة فى أيدى الناس، وقد أخبرنى بعضهم بالديار الروميّة، أن المصنّف أكمل الحاشية المذكورة قبل وفاته. ولم أتحقّق ذلك، والله تعالى أعلم. وكان، رحمه الله تعالى، كثير الكتابة وسريعها، حتى إن ما كتبه لو جمع لكان ربما يزيد على خمسين مجلّدا، وأخبرنى الصّديق الأعزّ أحمد چلبى ابن قاضى القضاة حسن ابن عبد المحسن، أنّه رأى بخطّه «مغنى اللّبيب» لابن هشام، وله على هوامشه بعض أبحاث لطيفة. وله كتابة على بعض نسخ «القاموس»، جمعها الشيخ الفاضل، بدر الدين القرافىّ المالكىّ، مع حواش أخر لبعض البلقينيّة عليه فى كتاب مستقلّ، رأيته بخطّه. وله من الرسائل والتّحارير والتّعاليق على هوامش الكتب، ما لا يعدّ ولا يحصى، هذا مع اشتغاله تارة بالأحكام الشرعيّة، وتارة بالكتابة على الفتاوى الفرعيّة، وتارة بالعبادة. رحمه الله تعالى. ***