page 980, entry [947]Open original source
٨٧٩ - زفر بن الهذيل بن قيس العنبرىّ البصرىّ (¬*) أحد أصحاب الإمام، وعين أعيان الأئمّة الأعلام، سارت الرّكبان بذكره، وتعطّرت الأكوان بنشره، وشهد له بأوحديّة زمانه، سائر نظرائه وأقرانه. تكرّر ذكره فى «الهداية»، و «الخلاصة»، وغيرهما من كتب المذهب. وكان الإمام الأعظم يفضّله ويبجّله، ويقول: هو أقيس أصحابى. وروى أن زفر لمّا تزوّج حضره أبو حنيفة، فقال له زفر: تكلّم. فقال أبو حنيفة فى خطبة النّكاح: هذا زفر بن الهذيل، إمام من أئمّة المسلمين، وعلم من أعلامهم، فى شرفه وحسبه وعلمه. وقال ابن معين فى حقّه: ثقة، مأمون. وقال ابن حبّان: كان فقيها حافظا، قليل الخطأ، كان أبوه/من أهل أصبهان. وقال أبو نعيم: كان ثقة مأمونا، دخل البصرة فى ميراث أخيه، فتشبّث به أهل البصرة، فمنعوه الخروج منها. وروى أنه قيل لوكيع: تختلف إلى زفر! فقال: غررتمونا بأبى حنيفة حتى مات، تريدون أن تغرّونا عن زفر حتى نحتاج إلى أسيد (¬١) وأصحابه. وقال مقاتل: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين، يقول: قال لى زفر: أخرج إلىّ حديثك حتى أغربله لك. وتولّى زفر قضاء البصرة. وكانت ولادته سنة عشر ومائة. وكانت وفاته بالبصرة، سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثمان وأربعون سنة. وعن أبى عمر: كان زفر ذا عقل ودين، وفهم وورع، وكان ثقة فى الحديث. وعن الفضل بن دكين، قال: دخلت على زفر وقد احتضر، وهو يقول: فى حال لها مهر، وفى حال لها ثلثا مهر. وروى أنّ زفر كان يجلس إلى أسطوانة، وأبو يوسف بحذاه، وكان زفر (¬٢) يلبس قلنسوة، فكانا يتناظران (¬٣) فى الفقه، وكان زفر جيّد اللّسان، وكان أبو يوسف مضطربا فى مناظرته، وكان زفر ربما يقول لأبى يوسف: أين تفرّ؟ هذه أبواب كثيرة مفتّحة، خذ فى أيّها شئت. وعن أبى عاصم الضّحّاك بن مخلد، أنه كان يقول: ما خالفت أبا حنيفة فى قول إلاّ وقد كان أبو حنيفة يقول به. قال ابن كثير: وكان زفر عابدا، اشتغل أوّلا بعلم الحديث، ثم غلب عليه الفقه والقياس. وعن مليح: كان زفر يكنى بأبى خالد، وأبى الهذيل، وكان من أصبهان، ومات أخوه فتزوّج بعده بامرأته. وعن محمد بن وهب: كان زفر من أصحاب الحديث، ثم نظر فى الرّأى، فغلب عليه، ونسب إليه. وعن ابن المبارك، أنه كان يقول: نحن لا نأخذ بالرّأى ما كان الأثر، فإذا جاء (¬١) الأثر تركنا الرّأى. وعن أبى مطيع، أنه كان يقول: زفر حجّة للناس فيما بينهم وبين الله تعالى، فيما يعملون بقوله، وأمّا أبو يوسف فقد غرّته الدنيا بعض الغرور. وعن يحيى بن أكثم، عن أبيه أكثم، أنه كان يقول: كان وكيع (¬٢) فى آخر عمره يختلف (¬٢) إلى زفر بالغدوات، وإلى أبى يوسف بالعشيّات، ثم جعل كلّ اختلافه إلى زفر، لأنه كان أفرغ، وكان زفر يرفق به، ويصبر له، وكان وكيع يقول لزفر: الحمد لله الذى جعلك خلفا لنا من أبى حنيفة، رحمه الله تعالى. وعن أبى نعيم الفضل بن دكين، قال: لمّا مات أبو حنيفة، وفاتنى ما فاتنى منه، لزمت أفقه اصحابه وأورعهم، فأخذت منه الحظّ الأوفر. يعنى زفر بن الهذيل. وعن يحيى بن أكثم: سمعت أبى يقول: أكثر ما جالست بعد أبى حنيفة زفر بن الهذيل، لأنّه كان قد جمع إلى فقهه الورع والزهد فى الدنيا. وعنه: سمعت أبى يقول: زفر كان أفقه أصحاب أبى حنيفة، وأجمعهم لخصال الخير. وعن الحسن بن زياد: كان زفر وداود الطّائىّ متواخيين، فأمّا داود فقد ترك الفقه وأقبل على العبادة، وأمّا زفر فإنّه جمع بين الفقه والعبادة. وعن مليح بن وكيع، عن أبيه، قال: كان زفر شديد الورع، شديد الاجتهاد والعبادة، حسن الرّأى، قليل الكتاب، يحفظ ما يسمعه، ولمّا مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر، فما كان يأتى أبا يوسف إلاّ نفر يسير. وعن محمد بن وهب: كان زفر أحد العشرة الأكابر، الذين دوّنوا كتب/أبى حنيفة، وكان زفر رأس حلقته. وعن الحسن بن زياد، قال: كان المقدّم فى أصحاب أبى حنيفة فى مجلسه زفر، وكان قلوبهم إليه أميل. وعن بشر بن القاسم: سمعت زفر يقول: لا أخلّف بعد موتى شيئا أخاف الحساب عليه. وقوّم ما فى منزله بعد موته، فلم يبلغ ثلاثة دراهم. وعن وكيع: لمّا احتضر زفر، رحمه الله تعالى، دخل عليه أبو يوسف وغيره، فقالوا: ألا توصى يا أبا الهذيل؟. فقال: هذا المتاع الذى ترونه لهذه المرأة، وهذه الثّلاثة آلاف (¬١) درهم لولد أخى، وليس لأحد علىّ شئ، ولا لى على أحد شئ. وكان زفر يشبه وجهه وجوه (¬٢) العجم، ولسانه لسان العرب. ﵀. وممّا مدح به الإمام زفر، رضى الله تعالى عنه، قول بعضهم (¬٣) إنّ القياس جلا مرآته زفر … فمنكروه لما قدنا لهم زفروا (¬٤) قوس القياس به كانت موتّرة … ما عاش فالآن لا قوس ولا وتر (¬٥) لقد حوى فى قياس الفقه مرتبة … عليه [قد] حسرت من دونها الفكر (¬١) قياسه قد صفا فى بحر خاطره … وحاسدوه لشؤم الحقد قد كدروا غدا لكسر قياس الناس جابره … وهم بحقدهم من جبره انكسروا (¬٢) مه لا يساويه فى أوقاته أحد … هل يستوى الذّهب الإبريز والحجر (¬٣) وزفر: بضم الزاى المعجمة وفتح الفاء وبعدها را مهملة. والهذيل: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون اليا المثناة من تحتها وبعدها لام. والله تعالى أعلم. ***