page 714, entry [674]Open original source
٦١٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى (¬*) قال الخطيب: كان من علوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحلّ، وجلالة المنزلة، عند هارون الرشيد، بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر، فأما جوده وعطاؤه فأشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوى الفصاحة، المذكور (¬١) باللّسن والبلاغة، ويقال: إنه وقّع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، نظر فى جميعها، فلم يخرج شئ منها عن موجب الفقه. قال: وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمّه إلى أبى يوسف القاضى، حتى علّمه وفقّهه. وقال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. /وحكى العباس بن الفضل، (¬٢) قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكىّ، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر [منّا] (¬٣) عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظّنّ بك. وحيث كان يروى عنه فى الكرم، وإسداء النّعم، وإكرام جلسائه، والإحسان إلى أوليائه، وتحقيق ظنّ آمليه، وتفريج كربة سائليه، ما تضيق عنه الدّفاتر، وتعجز عن ضبطه الأقلام والمحابر، وتغنّى به الرّكبان، وتتجمّل بذكره مجالس الأعيان، فلا بأس أن نذكر منها طرفا يسيرا يكون لأهل الكرم به قدوة، ولضعيف الهمّة باعثا على الجميل وموجدا له نحوه، وليعلم أن المرء لا يبقى له بعد موته إلاّ الذّكر الجميل، والثّناء الحسن الجزيل. فمن ذلك ما روى ابن عساكر، عن المهذّب صاحب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعبّاسيّة، أنه أصابته ضائقة، وألحّ عليه المطالبون، وعنده سفط (¬٤) فيه جوهر، مشتراه عليه ألف درهم، فحمله إلى جعفر ليبيعه منه، فاشتراه بثمنه، ووزن له ألف ألف، وقبض منه السّفط، وأجلسه عنده فى تلك الليلة، فلمّا رجع إلى أهله إذا السّفط قد بلغه إلى منزله، فلمّا أصبح غدا إليه ليتشكّر له، فوجده مع أخيه الفضل على باب الرشيد، يستأذن عليه، فقال له جعفر: إنّى قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنّها إلاّ سبقتك إلى أهلك، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين. فلمّا دخل ذكر أمره له، وما لحقه من الدّيون، فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وروى الخطيب (¬١) أن جعفرا كان ليلة فى سمره وعنده أبو علقمة الثّقفىّ صاحب الغريب، فأقبلت خنفساة إلى علقمة، فقال: أليس يقال: إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؟ قالوا: بلى. فقال جعفر: يا غلام أعطه ألف دينار. ثم نحّوها فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار (¬٢). فأعطاه. وروى أيضا (¬٣) أن جعفرا حجّ مرّة مع الرشيد، فلما كانوا بالمدينة، قال لإبراهيم الموصلىّ: انظر لى جارية أشتريها، ولا تبق غاية فى حذاقتها بالغناء والضّرب والكمال، والطّرف، والأدب، وجنّبنى قولهم: صفراء. قال إبراهيم: فوصفتها (¬٤) على يد من يعرف، فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه، فرأيت رسوم النّعمة عنده، فأخرجها إلىّ، فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب، قال: ثم تغنّت لى أصواتا فاجادتها، قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت، قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما، قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت قد أخذتها، واشترطت عليك نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى، فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال والظّرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضّرب والغناء، وقد اشترطت نظرة فاحمل المال، ومرّ بنا. قال: فحملنا المال على حمّالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنّته فازداد بها عجبا، فقال لى: اقطع أمرها. فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزنّاه، فإن قنعت وإلاّ فوجّه إلىّ من شئت لينتقده. فقال: لا، بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاى، فى أىّ شئ أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنّا فيه من النّعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغيّر الزمان/علينا، فقدّرت أن تصيرى إلى هذا الملك، فتنبسطى فى شهواتك وإرادتك (¬١). فقالت الجارية: والله يا مولاى لو ملكت منك ما ملكته (¬٢) منّى ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا، فتغرغرت عين (¬٣) المولى، وقال: اشهدوا أنها حرّه لوجه الله تعالى، وأنّى قد تزوّجتها، وأمهرتها دارى. فقال لى جعفر: انهض بنا. فقال: فدعوت الحمّالين ليحملوا المال، قال: فقال جعفر: لا والله، لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها، فقال: هو لك مباركا (¬٤) لك فيه، أنفقه عليك وعليها. قال: وقمنا وخرجنا. وروى أنه لما حجّ اجتاز فى طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعترضته امرأة من بنى كلاب، وأنشدته: إنّى مررت على العقيق وأهله … يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرّهم إذ كان جعفر جارهم … أن لا يكون ربيعهم ممطورا فأجزل لها العطاء. ذكر مقتل جعفر، وإيقاع الرشيد به وبأهل بيته وذكر السبب فى ذلك على وجه الاختصار، فإن فيه عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتّعظ، وتنبيها لمن هو غافل عن غدر الدنيا لأربابها، وإساءتها بعد الإحسان لأصحابها، وقد نقلت ذلك من التواريخ المعتمدة، كتاريخ الخطيب، وتاريخ ابن كثير، وغيرهما. قال ابن كثير (¬١) رحمه الله تعالى: ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة، فيها كان مقتل الرّشيد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكىّ، ودمار ديارهم، واندثار آثارهم، وذهاب صغارهم وكبارهم، وقد اختلف فى سبب ذلك على أقوال، ذكرها أبو جعفر بن جرير، وغيره من علماء التاريخ، فممّا قيل: إن الرشيد قد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكىّ، فسجنه عنده، قال: فما زال يحيى يترفّق له حتى أطلقه جعفر، فنمّ الفضل بن الربيع على جعفر فى ذلك، فقال له الرشيد: ويلك، لا تدخل بينى وبين جعفر، فلعلّه قد أطلقه على أمرى وأنا لا أشعر. ثم سأل الرشيد جعفر عن ذلك فصدقه الحال، فتغيّظ عليه الرشيد، وحلف ليقتلنّه، وكره البرامكة، ومقتهم، وقلاهم، بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبّهم إليه، وكانت أمّ جعفر والفضل أمّه من الرّضاعة، وجعلهم من الرّفعة فى الدنيا وكثرة المال، بسبب ذلك فى شئ كثير لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء، ولا لمن بعدهم من الأكابر والرّؤساء، بحيث إن جعفرا بنى دارا، وغرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك (¬٢) من جملة ما كبر عليه بسببه (¬٢). ويقال: إن الرشيد كان لا يمرّ ببلد ولا إقليم فيسأل عن قرية أو مزرعة أو بستان، إلاّ قيل: هذا لجعفر. وقد قيل (¬٣): إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد، وإظهار الزّندقة، ويؤيّد ذلك ما روى أنّ الرشيد أتى بأنس بن أبى شيخ، وكان يتّهم (¬٤) بالزّندقة، وكان مصاحبا لجعفر، وذلك ليلة قتل، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج سيفا من تحت فراشه، وأمر بضرب عنقه به، وجعل يتمثّل ببيت قيل فى أنس، قبل ذلك، وهو: /تلمّظ السيف من شوق إلى أنس … فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر فضرب عنقه، فسبق السّيف الدّم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. فقال الناس: إنّ السيف كان سيف الزّبير بن العوّام، رضى الله تعالى عنه. وقيل (¬١): إنه بسبب العبّاسة أخته، فإن جعفرا كان يدخل على الرشيد بغير إذن، حتى إنه كان ربما دخل عليه وهو فى الفراش مع حظاياه، وهذه وجاهة عظيمة، ومنزلة عالية، وكان من أحظى العشراء على الشّراب، فإن الرشيد كان يستعمل فى أواخر ملكه المسكر، (¬٢) وكان المخلف (¬٢). وكان أحبّ أهله إليه أخته العبّاسة بنت المهدىّ، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكىّ حاضر أيضا، فزوّجه بها، ليحلّ له النّظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها، فكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشّراب، فربما واقعها جعفر، فاتّفق حملها منه، فولدت ولدا بعثته مع بعض جواريها إلى مكة، وكان يربّى هناك. وذكر قاضى القضاة ابن خلّكان فى «الوفيات» (¬٣) صفة أخرى فى مقتل جعفر، وذلك أنه لمّا زوّج الرشيد جعفرا من العبّاسة أخته، أحبّته حبّا شديدا، فراودته عن نفسه، فامتنع أشدّ الامتناع من خشية أمير المؤمنين، فاحتالت عليه، وكانت أمّه تهدى إليه فى كلّ ليلة جمعة جارية حسناء بكرا، فقالت لأمّه: أدخلينى عليه فى صفة جارية من تلك الجوارى. فهابت من ذلك، فتهدّدتها (¬٤) حتى فعلت، فلمّا دخلت عليه، وكان لا يتحقّق وجهها من مهابة الرشيد، فواقعها، فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: ومن أنت؟ فقالت: أنا العبّاسة. وحملت منه (¬٥) تلك الليلة، فدخل على أمّه، فقال لها: بعتينى والله برخيص. ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيّق على عيال الرشيد فى النّفقة، حتى شكته زبيدة إلى الرشيد مرّات، ثم أفشت له سرّ العبّاسة، فاستشاط غضبا (¬١). ولمّا أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة، حجّ عامه ذلك، حتى يتحقّق الأمر (¬٢)، ويقال: إن بعض الجوارى نمّت عليها إلى الرشيد، فأخبرته بما وقع من الأمر، وأنّ الولد بمكة، وعنده جوار ومعه أموال، وحلى كثير (¬٣)، فلم يصدّق حتى حجّ فى السنة الخالية، فكشف عن الحال، فإذا هو كما ذكرت الجارية. وقد حجّ فى هذه السنة يحيى بن خالد الوزير (¬٤)، وقد استشعر الغضب من الرشيد عليه، فجعل يدعو عند الكعبة: اللهمّ إن كان يرضيك عنّى سلب مالى وولدى وأهلى فافعل ذلك بى، وأبق عليهم منهم الفضل. ثم خرج، فلمّا كان عند باب المسجد رجع، فقال: اللهمّ والفضل معهم، فإنّى راض برضاك عنّى، ولا تستثن منهم أحدا. وقيل (¬٥): إنّ من المحرّضات على قتل البرمكة قول بعض الشعراء يخاطب الرشيد: قل لأمين الله فى أرضه … ومن إليه الحلّ والعقد إنّ ابن يحيى جعفرا قد غدا … مثلك ما بينكما حدّ (¬٦) أمرك مردود إلى أمره … وأمره ليس له ردّ /وقد بنى الدّار التى ما بنى ال … فرس لها مثلا ولا الهند الدّرّ والياقوت حصباؤها … وتربها العنبر والنّدّ وجدّك المنصور لو حلّها … لما اطّباه قصره الخلد (¬٧) ساواك فى الملك فأبوابه … مأهولة يعمرها الوفد وما يساوى العبد أربابه … إلاّ إذا ما بطر العبد (¬١) ونحن نخشى أنّه وارث … ملكك إن غيّبك اللّحد وروى ابن الجوزىّ (¬٢) أن الرشيد سئل عن السّبب الذى من أجله أهلك البرامكة، فقال: لو أن قميصى هذا يعلم لأحرقته. قال ابن كثير (¬٣): فلمّا قفل الرشيد من الحجّ صار إلى الحيرة، ثم ركب فى السّفن إلى العمر (¬٤)، من أرض الأنبار، فلمّا كانت ليلة السبت، سلخ المحرّم من هذه السنة، أعنى سنة سبع وثمانين، أرسل مسرور الخادم، ومعه حماد بن سالم أبو عصمه، فى جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا، فدخل عليه مسرور الخادم، وعنده بختيشوع المتطبّب، وأبو ركاز الأعمى المغنّى يغنّيه: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتى … عليه الموت يطرق أو يغادى وكلّ ذخيرة لا بدّ يوما … وإن بقيت تصير إلى نفاد (¬٥) فو فوديت من حدث المنايا … فديتك بالطّريف وبالتّلاد وقيل: كان يغنّيه قول بعضهم: ما يريد النّاس منّا … ما ينام الناس عنّا إنّما همّهم أن … يظهروا ما قد دفنّا ولكن المشهور هو (¬٦) الأوّل. فقال الخادم (¬٧): يا أبا الفضل، هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه، فقبّل قدميه، وادّخل عليه أن يدخل إلى أهله فيوصى إليهم، فقال: أمّا الدّخول فلا سبيل إليه. فأوصى جعفر، وأعتق جماعة من مماليكه، وجاءت رسل الرشيد تستحثّ الخادم، فأخرجه إخراجا عنيفا يقوده حتى أتى إلى المنزل الذى كان فيه الرشيد، فحبسه وقيّده بقيد، وأعلم الرشيد بما فعل، فأمره بضرب عنقه، فجاء إلى جعفر، فقال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم، لعلّ أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك على ذلك، فعاوده. فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، لعلّك مشغول. فقال: ويحك يا ماصّ بظر أمّه، ايتنى برأسه. فكرّر عليه جعفر المعاودة، فقال له: برئت من المهدىّ لئن لم تأتنى برأسه لأبعثنّ من يأتينى برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر، وحزّ رأسه، وجاء به إلى الرشيد، فألقاه بين يديه. وأرسل الرشيد من ليلته البرد (¬١) فى الاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها، ومن كان منهم بسبيل، فأخذوا كلّهم عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، وحبس يحيى بن خالد فى منزله، وحبس الفضل بن يحيى فى منزل/آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الأموال والموالى والحشم والخدم، واحتيط على أملاكهم. وبعث الرشيد برأس جعفر وجثّته، ثم قطعت شقّين، فنصب الرّأس عند الجسر الأعلى، وشقّ الجثّة عند الجسر الأسفل، وشقّها الآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك (¬٢). ونودى فى بغداد: أن لا أمان للبرامكة، ولا لمن والاهم إلاّ محمد بن يحيى بن خالد (¬٣)، فإنه استثناه من بين البرامكة، لنصيحة الخليفة، وشحنت السّجون بالبرامكة، واستلبت أموالهم كلّها. وقد كان الرشيد (¬٤) فى اليوم الذى قتل فى آخره جعفر، هو وإياه راكبين فى الصّيد، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيّبه فى ذلك اليوم، ولمّا كان وقت المغرب، وودّعه الرشيد، ضمّه إليه، وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتى بالنّساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك، فاشرب، واطرب لتكون على مثل حالى. فقال: والله يا أمير المؤمنين لا أشتهى ذلك إلاّ معك. فانصرف (¬١) عنه جعفر، فما هو إلاّ أن ذهب من الليل بعضه حتى أوقع به الباس والنّكال، كما تقدّم ذكره، وكان ذلك ليلة السبت، آخر ليلة من المحرّم، وقيل: إنها كانت ليلة مستهلّ صفر، سنة سبع وثمانين، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة. ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له (¬٢): خربت دارك. قال: خرّب الله دوره. ويقال: إنه لمّا نظر إلى داره وقد هتكت (¬٣) ستورها، واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها، قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه (¬٤) يعزّ به فيما وقع، فكتب جواب التّعزية: أنا بقضاء الله راض، وبالجزاء منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلاّ بذنوبهم، وما الله بظلاّم للعبيد، وما يغفر الله أكثر، ولله الحمد. ولقد أكثر الشعراء المراثى فى البرامكة، فمن ذلك قول الرّقاشىّ، ويذكر أنه لأبى نواس (¬٥): ألان استرحنا واستراحت ركابنا … وأمسك من يحدى ومن كان يحتدى (¬٦) فقل للمطايا قد أمنت من السّرى … وطىّ الفيافى فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر … ولن تظفرى من بعده بمسوّد وقل للعطايا بعد فضل تعطّلى … وقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدى (¬٧) ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا … أصيب بسيف هاشمىّ مهنّد وقال الرّقاشىّ، وقد نظر إلى جعفر وهو مصلوب على جذعه (¬١): أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى … حساما فلّه السيف الحسام على اللّذّات والدنيا جميعا … لدولة آل برمك السّلام فاستدعى به الرشيد، وقال له: ويحك، ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحرّكت نعمته بقلبى (¬٢) فلم أصبر. قال: كم كان يعطيك جعفر (¬٣) كلّ عام؟ قال: ألف دينار. فأمر له بألفى دينار. وروى الزّبير بن بكّار (¬٤)، عن عمّه مصعب بن الزبير، قال: لمّا قتل جعفر بن يحيى، وقفت امرأة على حمار فاره، فقالت/بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية، فلقد كنت فى الكرم غاية، ثم أنشأت تقول: ولمّا رأيت السيف خالط جعفرا … ونادى مناد للخليفة فى يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنّما … قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هى إلا دولة بعد دولة … تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطّت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حرّكت حمارها، فكأنّها كانت ريحا، لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وقيل: إن الأبيات هذه للعبّاس بن الأحنف (¬٥). وروى الخطيب (¬٦) أن أبا يزيد الرّياحىّ، قال: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكىّ أتفكّر فى زوال ملكه، وحاله التى صار إليها، إذا أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيبة (¬١)، فوفقت على جعفر، فبكت وأحرقت (¬٢)، وتكلّمت فأبلغت، فقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل به (¬٣) عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، النّاعم بالا، يحسن بك الملك، وينفس بك الهلك، (¬٤) ولئن صرت (¬٤) إلى حالتك هذه، فلقد (¬٥) كنت الملك بحقّه، فى جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظم المصيبة (¬٥)، وجليل الرّزيّة، التى لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك (¬٦) وداع غير قال، ولا ناس لذكرك. ثم أنشأت تقول: العيش بعدك مرّ غير محبوب … ومذ صلبت ومقنا كلّ مصلوب (¬٧) أرجو لك الله ذا الإحسان إنّ له … فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأمّلته، ثم أنشأت تقول: عليك من الأحبّة كلّ يوم … سلام الله ما ذكر السّلام لئن أمسى صداك برأى عين … على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم … من الأملاك أسلمك الهمام وروى الخطيب (¬٨)، أن أبا قابوس النّصرانىّ، قال: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكىّ فى يوم، فأصابنى البرد، فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النّصارى، فطرح عليه كساء خزّ قيمته ألف دينار، (¬٩) قال: فانصرفت إلى منزلى، فأردت أن ألبسه فى يوم عيد، فلم أصب له فى منزلى ثوبا (¬١) يشاكله، فقالت لى بنيّة لى: اكتب إلى الذى وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثّياب، فكتبت إليه هذه الأبيات: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا … رأيت مباهاة لنا فى الكنائس فلو كان ذاك المطرف الخزّ جبّة … لباهيت أصحابى به فى المجالس (¬٢) فلا بدّ لى من جبّة من جبابكم … ومن طيلسان من جياد الطّيالس ومن ثوب قوهىّ وثوب علائم … ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس (¬٣) إذا تمّت الأثواب فى العيد خمسة … كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس /لعمرك ما أفرطت فيما سألته … وما كنت لو أفرطت فيه بآيس (¬٤) وذاك لأنّ الشّعر يزداد جدّة … إذا ما البلى أبلى جديد الملابس قال: فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة، من كلّ نوع تختا، قال: فو الله ما انقضت الأيّام حتى قتل جعفر وصلب، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر، فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت (¬٥) قائلا (¬٦) تحت جذع جعفر؟ قال: فقال أبو قابوس: أينجينى منك الصّدق؟ قال: نعم. قال: ترحّمت والله (¬٧) عليه، وقلت فى ذلك (¬٨): أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسك أيّها الملك الهمام وما طلبى إليك العفو عنه … وقد قعد الوشاة به وقاموا (¬٥) أرى سبب الرّضا فيه قويّا … على الله الزّيادة والتّمام نذرت علىّ فيه صيام حول … فإن وجب الرّضا وجب الصّيام (¬١) وهذا جعفر بالجسر تمحو … محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصّا … إلى أن كاد يفضحنى القيام (¬٢) أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للنّاس بالحجر استلام قال: فأطرق هارون مليّا، ثم قال: رجل أولى جميلا، فقال فيه جميلا، يا غلام، ناد بأمان أبى قابوس، وأن لا يتعرّض (¬٣) له. ثم قال لحاجبه: إيّاك أن تحجبه عنّى، صر متى شئت إلينا فى مهمّك. وروى ابن عساكر (¬٤) بسنده، من طريق الدّار قطنىّ، أنه لمّا أصيب جعفر، وجدوا له فى جرّة ألف دينار، زنة كلّ دينار مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار الواحدة جعفر، ومكتوب على الصفحة الأخرى هذان البيتان: وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا … متى يعطه معسر يوسر وروى الخطيب (¬٥) أن جعفرا أمر أن تضرب له دنانير فى كلّ دينار ثلاثمائة مثقال، ويضرب عليها صورة وجهه، فضربت، فبلع أبا العتاهية، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف، فوجّه به إلى جعفر، وكتب إليه رقعة، فى آخرها (¬٦): وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يرى وزنه … متى يلقه معسر يوسر (¬٧) فأمر بقبض ما على الطّبق، وصيّر عليه دينارا من تلك الدّنانير، وردّه إليه. وعن ثمامة بن أشرس (¬١)، قال: بتّ ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه (¬٢) يبكى مذعورا، فقلت: ما شأنك؟ قال: رأيت شيخا جاء فأخذ بعضادتى هذا الباب، وقال (¬٣): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس ولم يسمر بمكّة سامر قال: فأجبته: بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا … صروف اللّيالى والجدود العواثر (¬٤) /قال ثمامة: فلمّا كان الليلة المقبلة، قتله الرشيد، ونصب رأسه على الجسر. قال (¬٥): ثم خرج الرشيد فى بعض الأيّام ينظر إليه وهو مصلوب، فأنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفا … وكدّر عيشك بعد الصّفا فلا تعجبنّ فإنّ الزّمان … رهين بتفريق ما ألّفا قال: فنظرت إلى جعفر، فقلت: أما لئن أصبحت آية، فلقد كنت فى الخير غاية. قال: فنظر الرشيد كأنه جمل يصول (¬٦)، ثم أنشأ يقول: ما يعجب العالم من جعفر … ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن … كانت بنو برمك لولا نا ثم حوّل وجه فرسه، وانصرف. وعن محمد بن عبد الرحمن الهاشمىّ (¬١) صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت على أمّى فى يوم أضحى، وعندها امرأة برزة (¬٢)، فى أثواب دنسة رثّة، فقالت لى: تعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أمّ جعفر بن يحيى. فسلّمت عليها، ورحّبت لها، وقلت لها: يا فلانة، حدّثينى ببعض أمركم. قالت: أذكر لكم جملة كافية لمن اعتبر، وموعظة لمن فكّر، لقد هجم علىّ مثل هذا العيد، وعلى رأسى أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابنى عاقّ لى، ولقد أتيتكم فى (¬٣) هذا اليوم والذى يقنّعنى جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعارا، والآخر دثارا. ولنختم أخبار البرامكة بحكاية عجيبة، وقصة غريبة، لا يسمع فى باب المكارم مثلها، ولا فى أخبار الوفاء بأعجب منها. ذكر أبو الفرج ابن الجوزىّ، فى كتابه «المنتظم» (¬٤)، أن المأمون بلغه أن رجلا يأتى فى كلّ يوم إلى قبور البرامكة، فيبكى عليهم، ويندبهم، فبعث من جاءه به، فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك، ما حملك على صنيعك هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّهم أسدوا إلى معروفا، وخيرا كثيرا، ولى خبر يطول. فقال: قل. قال: أنا المنذر بن المغيرة، من أهل دمشق، كنت فى نعمة عظيمة، فزالت عنّى، وأفضى بى الحال إلى أن بعت دارى، ولم يبق لى شئ، فأشار بعض أصحابى علىّ بقصد البرامكة، فأتيت بغداد ومعى نيّف وعشرون امرأة، فأنزلتهنّ فى مسجد، وقصدت مسجد الجامع، فدخلت، فإذا فيه جماعة لم أر أحسن منهم، فجلست إليهم، فجعلت أراود نفسى فى طلب قوت منهم لعيالى (¬٥)، فيمنعنى من ذلك ذلّ السّؤال، فبينا أنا كذلك، إذا بخادم قد أقبل فاستدعاهم، فقاموا كلّهم وقمت معهم، فدخلوا دارا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد، فجلسوا حوله، وعقد عقد ابنته عائشة على ابن عمّ له، ونثروا علينا سحيق المسك، وبنادق العنبر، ثم جاءت الخدم إلى كلّ واحد من الجماعة بصينيّة من فضّة، فيها ألف دينار، ومعها فتات المسك، فأخذها القوم ونهضوا، وبقيت الصّينيّة التى وضعوها بين يدى، وأنا أهاب (¬١) أن آخذها من عظمتها (¬٢) عندى، فقال لى بعض الحاضرين: ألا تأخذ وتقوم. فممدت يدى فأخذتها، وأفرغتها فى جيبى، وأخذت الصّينيّة تحت إبطى. وقمت وأنا خائف أن تؤخذ منّى، فجعلت ألتفت والوزير ينظرنى ولا أشعر، فلمّا بلغت السّتارة أمر بى فردّونى، فيئست من المال، فلما رجعت قال لى: ما شأنك؟ فقصصت عليه خبرى، وخبر عيالى، فبكى/وقال لأولاده: خذوا هذا فضمّوه إليكم. فجاءنى خادم، فأخذ منّى الذهب والصّينيّة، وأقمت عندهم عشرة أيام، من ولد إلى ولد، وخاطرى كلّه عند عيالى ولا يمكننى الانصراف. فلما انقضت العشرة، قال لى الخادم: ألا تذهب إلى أهلك، فقلت: بلى والله. فقام يمشى أمامى ولم يعطنى الذهب، فقلت فى نفسى: يا ليت هذا كان من قبل. فسار أمامى إلى دار لم أر أحسن منها، فإذا فيها عيالى يتمرّغون فى الذّهب والحرير، وقد وصل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتاب فيه تمليك الدّار بما فيها، وتمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة فى أطيب عيش، فلمّا أصيبوا أخذ منّى عمرو بن سعيد القريتين، وألزمنى بخراجهما، فكلّما لحقنى فاقة قصدت دورهم وقبورهم، فبكيت عليهم. فأمر المأمون بردّ القريتين عليه وخراجهما، فبكى الشيخ بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم أستأنف بك جميلا. قال: بلى، ولكن هو من البرامكة. فقال: امض مصاحبا للسّلامة، فإن الوفاء مبارك، (¬٣) وحفظ العهد (¬٣) من الإيمان. والله تعالى أعلم. ***