page 662, entry [619]Open original source
٥٦٤ - بشر بن غياث بن أبى كريمة أبو عبد الرحمن المريسىّ (¬*) مولى زيد بن الخطّاب. كان يسكن فى الدّرب المعروف به، ويسمّى درب المريسىّ (¬١)، وهو بين نهر الدّجاج ونهر البزّازين. أخذ الفقه عن أبى يوسف القاضى، واشتغل بالكلام، وجرّد القول بخلق القرآن، وحكى عنه أقوال شنيعة، ومذاهب مستنكرة، أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفّره أكثرهم لأجلها (¬٢). وكان الأليق بكتابنا هذا عدم ذكره، والإضراب عن الاعتناء بأمره، فإنه كان- والحقّ أحقّ أن يتّبع-سيّئة من سيّئات الزمان، ونقمة من نقم الحدثان، لكن ذكرناه تبعا للغير، وتحذيرا منه ومن العمل بطريقته، ولاحتمال أن يكون الله قد هداه قبل الموت إلى الحقّ واعتقاده، وإلاّ فالمشهور أنّ الرجل كان غير متقيّد بدين ولا مذهب، وسنذكر ما قاله فى حقّه الثّقات الأثبات، من غير ميل إليه، وانحراف عنه، والله تعالى أعلم بالصّواب. قال فى «الجواهر»: أخذ الفقه عن أبى يوسف، وبرع فيه، ونظر فى الكلام والفلسفة. قال الصّيمرىّ، فيما جمعه: ومن أصحاب أبى يوسف خاصّة بشر بن غياث المريسىّ، وله تصانيف، وروايات كثيرة عن أبى يوسف، وكان من أهل الورع والزّهد، غير أنه رغب الناس عنه فى ذلك الزمان، لاشتهاره بعلم الكلام، وخوضه فى ذلك، وعنه أخذ حسين النّجّار (¬٣) مذهبه، وكان أبو يوسف يذمّه. قال: وهو عندى كإبرة الرّفّاء، طرفها دقيق، ومدخلها ضيّق، وهى سريعة الانكسار. انتهى. وعن إسحاق بن إبراهيم بن عمر بن منيع: كان بشر المريسىّ، يقول يقول صنف من الزّنادقة، سمّاهم صنف كذا وكذا، الذين يقولون ليس بشئ (¬١). وعن عبّاد بن العوّام (¬٢): كلّمت بشرا المريسىّ، وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم ينتهى إلى أن يقولوا: ليس فى السماء شئ. وعن يحيى ابن عاصم (¬٣)، قال: كنت عند أبى، فاستأذن عليه بشر المريسىّ، فقلت: با أبت، يدخل عليك مثل هذا!! فقال: يا بنىّ، وماله؟ قال، قلت: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه فى الأرض، وإن الجنة والنار لم يخلقا، وإن منكرا ونكيرا باطل، وإن الصّراط باطل، وإن الشّفاعة (¬٤) باطل، وإن الميزان باطل، مع كلام كثير. قال، فقال: أدخله علىّ. فأدخلته عليه. قال: فقال: يا بشر ادنه، ويلك يا بشر ادنه، مرتين، أو ثلاثا. فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بشر، من تعبد، وأين ربّك؟. فقال: وما ذاك يا أبا الحسن. قال: أخبرت عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وإن الله معك فى الأرض. مع كلام (¬٥). -ولم أر شيئا أشدّ على أبى (¬٦) من قوله: القرآن مخلوق، وإن الله معه فى الأرض-. فقال: يا أبا الحسن، لم أجئ لهذا، إنّما جئت فى كتاب خالد تقرأه علىّ. قال: فقال له: لا، ولا كرامة، حتى أعلم ما أنت عليه، أين ربّك ويلك؟. قال، فقال له: أو تعفينى؟. قال: ما كنت لأعفيك. قال: أمّا إذا أبيت، فإن ربّى نور فى نور. قال: فجعل يزحف إليه، ويقول، ويلكم، اقتلوه، فإنه والله زنديق، وقد كلّمت هذا الصّنف بخراسان. /وعن الحسين بن على الكرابيسىّ (¬١)، أنه قال: جاءت أمّ بشر المريسىّ إلى الشّافعىّ، فقالت: يا أبا عبد الله، أرى ابنى يهابك ويحبّك، وإذا ذكرت عنده أجلّك، فلو نهيته عن هذا الرّأى الذى هو فيه، فقد عاداه الناس عليه، ويتكلّم فى شئ يواليه الناس عليه ويحبّونه. فقال لها الشافعىّ: أفعل. فشهدت الشافعىّ، وقد دخل عليه بشر، فقال له الشافعىّ: أخبرنى عمّا تدعو إليه، أكتاب ناطق، أم فرض مفترض، أم سنّة قائمة، أم وجوب عن السّلف البحث فيه، والسؤال عنه؟. فقال بشر: ليس فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجوب عن السلف البحث فيه، إلاّ أنّه لا يسعنا خلافه. فقال الشافعىّ: أقررت على نفسك بالخطأ، فأين أنت عن الكلام فى الفقه والأخبار، يواليك الناس عليه، وتترك هذا؟. قال: لنا نهمة (¬٢) فيه. فلما خرج بشر قال الشافعىّ: لا يفلح. قال الحسين (¬١): كلمت يوما بشرا المريسىّ، شبيها بهذا السؤال، قال: فرض مفترض. قلت: من كتاب، أو سنّة، أو إجماع؟ قال: من كلّ. قال: فكلّمته حتى قام وهو يضحك منه. وقال البويطىّ: سمعت الشافعىّ يقول: ناظرت المريسىّ فى القرعة، فذكرت له حديث عمران بن حصين، عن النبىّ ﷺ فى القرعة. فقال: يا أبا عبد الله، هذا قمار. فأتيت أبا البخترىّ، فقلت له: سمعت المريسىّ يقول: القرعة قمار. فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر، واقتله. وقال أبو ثور (¬٢): سمعت الشافعىّ يقول: قلت لبشر المريسىّ: ما تقول فى رجل قتل، وله أولياء صغار، وكبار، هل للأكابر أن يقتلوا دون الأصاغر؟. فقال: لا. فقلت له: فقد قتل الحسن بن علىّ بن أبى طالب، ﵁، ابن ملجم، ولعلىّ أولاد صغار. فقال: أخطأ الحسن بن على. فقلت: أما كان جواب أحسن من هذا اللفظ؟. قال: وهجرته من يومئذ. وعن قتيبة بن سعيد (¬٣)، قال: دخل الشافعىّ على أمير المؤمنين، وعنده بشر المريسىّ، فقال أمير المؤمنين للشافعىّ: ألا تدرى من هذا؟ هذا بشر المريسىّ. فقال له الشافعىّ: أدخلك الله فى أسفل سافلين، مع فرعون وهامان وقارون. فقال المريسىّ: أدخلك الله أعلى علّيّين، مع محمد وإبراهيم وموسى صلّى الله عليهم وسلم. قال محمد بن إسحاق (¬١): فذكرت هذا الحكاية لبعض أصحابنا، فقال لى: لا تدرى أىّ شئ أراد المريسىّ بقوله؟ كان منه طنزا (¬٢)، لأنه يقول: ليس ثمّ جنة ولا نار. وروى (¬٣) عن حميد الطّوسىّ، أنه دخل على أمير المؤمنين، وعنده بشر المريسىّ، فقال أمير المؤمنين لحميد: أتدرى من هذا يا أبا غانم؟ قال: لا. قال: هذا بشر المريسىّ. فقال حميد: يا أمير المؤمنين، هذا سيّد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصّراط، انظره هل يقدر يرفع الموت؟. ثم نظر إلى بشر، فقال: لو رفعت الموت كنت سيّد الفقهاء حقّا. وروى (¬٣) أن يهوديّا مرّ على بشر، والناس مجتمعون عليه، فقال لهم: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعنى أن أباه كان يهوديّا. وعن أبى مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلىّ (¬٤)، قال: حدّثنى أبى، قال: رأيت بشر المريسىّ -عليه لعنة الله-مرّة/واحدة، شيخا قصيرا، ذميم (¬٥) المنظر، وسخ الثياب، وافر الشّعر، أشبه شئ باليهود، وكان أبوه يهوديا صبّاغا بالكوفة فى سوق المراضع، ثم قال: لا يرحمه الله، فقد كان فاسقا. وكان أبو زرعة الرّازىّ، يقول (¬٦): بشر المريسىّ زنديق. وكان أبو يوسف، يقول له (¬٦): طلب العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الشخص رأسا فى الكلام، قيل: زنديق، أورمى بالزّندقة، يا بشر: بلغنى أنك تتكلّم فى القرآن، إن أقررت أنّ لله علما خصمت، وإن جحدت العلم كفرت. وكان يزيد بن هارون يحرّض أهل بغداد على قتل بشر المريسىّ (¬١). وروى (¬٢) عن بعض العلماء الصّلحاء (¬٣)، أنه قال: رأيت ليلة الجمعة، ونحن فى طريق خراسان فى مفازة (¬٤) إبليس فى المنام. قال: وإذا بدنه ملبّس شعرا، ورأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى فوق، وفى بدنه عيون مثل النار. قال: فقلت له: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فقلت له: وأين تريد؟. قال: بشر بن يحيى. رجل كان عندنا بمرو يرى رأى المريسىّ. قال: ثم قال: ما من مدينة إلاّ ولى فيها خليفة. قلت: من خليفتك بالعراق؟. قال: بشر المريسىّ، دعا الناس إلى ما عجزت عنه، قال: القرآن مخلوق. وروى عن بشر (¬٥) أنه قال: القول فى القرآن قول من خالفنى، وغير مخلوق. فقيل له: أما ترجع عنه (¬٦)؟. قال: أرجع عنه! وقد قلته منذ أربعين سنة: وقد صنّفت (¬٧) فيه الكتب، واحتججت فيه بالحجج. فنعوذ بالله تعالى من العناد، والإصرار على ما يؤدّى إلى البوار، ودخول النار. وروى (¬١) أن بشرا دخل يوما على سفيان بن عيينة، وعنده أصحابه، فأخذ يتكلّم بمهملاته، فقال ابن عيينة: اقتلوه. قال ابن خلاّد (¬٢): فأنا كنت ممّن ضربه بيده. وقيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا المريسىّ، يقول: إنّ الله تعالى لا يرى يوم القيامة. فقال: قاتله الله، ألم يسمع الله يقول: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (¬٣)، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأىّ فضل للأولياء على الأعداء؟! وروى (¬٤) أن بشرا دخل على أبى يوسف، فقال له أبو يوسف: حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن النبىّ ﷺ، فذكر حديث الرّؤية. ثم قال أبو يوسف: إنّى والله مؤمن بهذا الحديث، وأصحابك ينكرونه، وكأنّى بك قد شغلت على الناس (¬٥) خشبة باب الجسر، فاحذر (¬٥). وحدّث بعض الثّقات (¬٦)، أنه لمّا مات بشر المريسىّ لم يشهد جنازته من أهل العلم والسّنّة أحد إلاّ عبيد الشّونيزىّ (¬٧)، فلمّا رجع من جنازته أقبل عليه أهل السّنّة والجماعة، وقالوا: يا عدوّ الله تنتحل السّنّة، وتشهد جنازة المريسىّ؟ قال: أنظرونى حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت بها من الخير (¬٨) ما رجوت فى شهود جنازته، لمّا وضع فى موضع الجنائز، قمت فى الصّفّ، فقلت: اللهمّ عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك فى الآخرة، اللهم فاحجبه عن النّظر إلى وجهك الكريم يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفّف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم، فعذّبه اليوم فى قبره عذابا لم تعذّبه أحدا من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفّع فيه أحدا من خلقك يوم القيامة. فسكتوا عنه،/وضحكوا. وحدّث أحمد ابن الدّورقىّ (¬١)، قال: مات رجل من جيراننا شابّ، فرأيته فى الليل وقد شاب، فقلت: ما قصّتك؟ قال: دفن بشر فى مقابرنا، فزفرت جهنّم زفرة شاب منها (¬٢) كلّ من فى المقبرة. وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين، ويقال سنة تسع عشرة. والمريسىّ، بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخرها السين المهملة، نسبة إلى مريس (¬٣)، قرية بأرض مصر، قاله الوزير أبو سعد، فى كتاب «النّتف والطّرف» (¬٤). ثم قال: وإليها ينسب بشر المريسىّ، وإليه تنسب الطّائفة المريسيّة. قال فى «الجواهر»: وله أقوال فى المذاهب غريبة. منها؛ جواز أكل لحم الحمار. ومنها؛ وجوب التّرتيب فى جميع العمر، ذكره عنه صاحب «الخلاصة» فى باب قضاء الفوائت، قال: وربما شرط بعض التّرتيب فى جميع العمر، كقول بشر. هكذا أطلقه، وهو بشر المريسىّ هذا. انتهى. ***