page 262, entry [146]Open original source
١٠٠ - إبراهيم بن ميمون، الصّائغ، المروزىّ (¬*) روى عن أبى حنيفة، وعطاء، وغيرهما. وروى عنه حسّان بن إبراهيم، وغيره. وروى له النّسائىّ، وأبو داود. وقال النّسائىّ: لا بأس به. قال السّمعانىّ: كان فقيها فاضلا، قتله أبو مسلم الخراسانىّ بمرو، سنة إحدى وثلاثين ومائة. قال ابن المبارك: لمّا بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى (¬١) حتى ظننّا أنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلا عاقلا، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر. قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألنى، وكان شديد البذل لنفسه فى طاعة الله تعالى، وكان شديد الورع، وكنت ربّما قدّمت (¬٢) إليه بالشئ (¬٣)، فيسألنى عنه، ولا يرضاه، ولا يذوقه، وربّما رضيه فأكله. *فسألنى عن الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، إلى أن اتّفقنا على أنه فريضة من الله تعالى، فقال لى: مدّ يدك حتى أبايعك. فأظلمت الدنيا بينى وبينه. فقلت (¬٤): ولم؟ قال: دعانى إلى حقّ من حقوق الله تعالى فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل واحد قتل/ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد أعوانا صالحين، ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله، فنعم. وكان يقتضى (¬١) ذلك كلّما قدم علىّ تقاضى الغريم الملحّ، فأقول: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السّماء، وهذه فريضة ليست كالفرائض، يقوم بها (¬٢) الرجل وحده، وهذا متى أمر الرجل به وحده أشاط (¬٣) بدمه، وعرّض نفسه للقتل، فأخاف أن يعين على قتل نفسه، ولكن ننتظر (¬٤)، فقد قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية (¬٥). ثم خرج إلى مرو، حتى كان أبو مسلم فكلّمه بكلام غليظ، فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء (¬٦) خراسان وعبّادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده، فزجره، ثمّ عاوده، ثمّ قال: ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنّك بلسانى، ليس لى قوة بيدى، ولكن يرانى الله وأنا أبغضك فيه. فقتله، رحمه الله تعالى. وروى ابن عساكر فى «تاريخ دمشق» بسنده، عن الحسن بن رشيد العنبرىّ، قال: سمعت يزيد النّحوىّ، يقول: أتانى إبراهيم الصّائغ، فقال لى: ما ترى ما يصنع هذا الطاغية! -يعنى أبا مسلم الخراسانىّ -إن الناس معه فى سعة غيرنا أهل العلم. قال: قلت لو علمت أنّه يصنع بى إحدى الخصلتين لفعلت؛ إن أمرت ونهيت، يقبل منا أو يقتلنا، ولكن أخاف أن يبسط (¬٧) علينا، وأنا شيخ كبير لا صبر لى على السّياط. فقال الصّائغ: لكن لا أنتهى عنه. قال: فذهب إبراهيم، فدخل على أبى مسلم، فأمره ونهاه، فقتله على ذلك (¬٨). وعن الحسن بن رشيد، أيضا، أنه قال: سمعت النّعمان: أنا حدّثت إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ: «سيّد الشّهداء حمزة، ثمّ رجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله على ذلك». وعن الحسن بن رشيد أيضا (¬١)، قال: دعا أبو مسلم الناس إلى البيعة، فدعا الصّائغ، فقال له: بايع طوعا غير كاره. فقال الصّائغ: لا، بل كرها غير طائع. قال: فكيف بايعت لنصر بن سيّار؟ قال: إنّى لم أسأل عن ذلك، ولو سئلت لقلت. وقال أحمد بن سيّار: وذكر يعمر بن بشر، قال: كتب إبراهيم الصّائغ إلى أبى مسلم بكتاب، يأمره وينهاه، وذكر أنّه كان بين أبى مسلم وبينه اجتماع أيّام دعوته، وأن أبا مسلم وعده القيام بالحقّ، والذّبّ عن الحرام (¬٢) أيّام دولة بنى أميّة؛ فلما ملك أبو مسلم وبسط يده، دخل عليه إبراهيم الصّائغ، فوعظه ونهاه. فقال أبو مسلم: يا إبراهيم، أين كنت عن نصر بن سيّار، وهو يتّخذ زقاق الذّهب للخمر فيبعث بها إلى الوليد بن يزيد!؟. فقال إبراهيم: إنّي كنت معهم أخشى، وأنت وعدتنى أن تعمل بالحقّ وتقيمه. فكفّ عنه أبو مسلم، وكان إبراهيم يظهر مخالفته إيّاه، ومع ذلك لا يدع ما يمكنه. تغمّده الله برحمته، فما كان أحبّه فى الأمر بالمعروف، والنّهى عن المنكر. وروى ابن عساكر، بسنده عن علىّ بن الحسين بن واقد (¬٣)، عن أبيه، قال: لمّا قتل أبو مسلم إبراهيم الصّائغ، فأحببت أن أراه فى المنام، فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى مغفرة ليس بعدها مغفرة. قلت: فأين يزيد النّحوىّ؟ قال: أيهات (¬١)، هو أرفع منى بدرجات. قلت: لم وقد كنتما سواء؟ قال: بقراءة القرآن. قال: ورأيت فى منامى رجلا على مصلاه على النار يغلى، فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبو مسلم. قال علىّ: فأخبرنى بعض أهل بيتى، عن أبى، قال: قيل لى فى منامى: إنّه سيرى فى كلّ بلاد خراسان مثل ما رأيت فى هذه الليلة. وبالجملة، فقد كان إبراهيم من العلماء العاملين (¬٢)، الآمرين بالمعروف، النّاهين عن المنكر،/الذّابّين عن محارم الله (¬٢)، الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم. رحمه الله تعالى (¬٢) ونفعنا ببركاته، وبركات علومه، فى الدنيا والآخرة، آمين (¬٢). ***