page 1722, entry [437]Open original source
٣٩٨ - يُوْسُف بن عَبْدِ الرّحمنِ بنِ عَليِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ (¬١) بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَمَّادِي (¬٢) ابن الجَوْزِيِّ (¬٣)، القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، البَكْرِيُّ، البَغْدَاديُّ، الفَقِيْهُ، الأُصُوْلِيُّ، الوَاعِظُ، الصَّاحِبُ، الشَّهِيْرُ، مُحْيِي الدِّيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَبُو المُحَاسِنِ، ابْنِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّيْنَ أَبِي الفَرَجِ المُتَقَدَّمِ ذِكْرُهُ، أُسْتَاذُ دَارِ الخِلَافَةِ المُسْتَعْصِميَّةِ. وُلِدَ فِي لَيْلَةِ سَابِعَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةِ بِـ"بَغْدَادَ". وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِيْهِ، وَيَحْيَى بْنِ بُوْشٍ، وَذَاكِرِ بْنِ كَامِل، وَابْنِ كُلَيْب، وَأَبِي مَنْصُوْر عَبْدِ اللهِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، وَابْنِ المَعْطُوْشِ (¬١)، وَأَبِي الحَسَنَ عَلِيِّ (¬٢) بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ يَعِيْشَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ العَشْرِ علَى ابْنِ البَاقِلَّانِيِّ بِـ"وَاسِطَ" وَقَدْ جَاوَزَ العَشْرَ سِنِيْنَ مِنْ عُمُرِهِ، وَلَبِسَ الخِرْقَةَ مِنَ الشَّيْخِ ضِيَاءِ الدِّيْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ابْنِ سُكَيْنَةَ. وَاشْتَغَلَ بِالفِقْهِ وَالخِلَافِ وَالأصُوْلِ، وَبَرَعَ فِي ذلِكَ، وَكَانَ أَمْهَرَ فِيْهِ مِنْ أَبِيْهِ وَوَعَظَ فِي صِغَرِهِ علَى قَاعِدَةِ أَبِيْهِ، وَعَلا أَمْرُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَوَلِيَ الوِلَايَاتِ الجَلِيْلَةَ. قَالَ ابْنُ السَّاعِي: شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيِّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمَائَةَ، ثُمَّ وَلِيَ الحِسْبَةَ بِجَانِبَي "بَغْدَادَ" وَالنَّظَرَ فِي الوُقُوْفِ العَامَّةِ، وَوُقُوْفِ جَامِعَ السُّلْطَانِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الحِسْبَةِ، نُمَّ عَنِ الوُقُوْفِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَانْقَطَعَ فِي دَارِهِ يَعِظُ، وَيُفْتِي وَيُدَرِّسُ، ثُمَّ أُعِيْدَ إِلَى (¬١) الحِسْبَةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَاسْتَمَرَّ مُدَّةَ وِلايَةِ النَّاصِرِ. ثُمَّ أَقَرَّهُ ابْنُهُ الظَّاهِرُ. قَالَ: وَهُوَ مِنَ العُلَمَاءِ الأفَاضِلِ، وَالكُبَرَاءِ الأمَاثِلِ، أَحَدُ أَعْلَامِ العِلْمِ، وَمَشَاهِيْرِ الفَضْلِ، ظَهَرَتْ عَلَيْهِ آثَارُ العِنَايَةِ الإِلهيَّةِ مُنْذُ كَانَ طِفْلًا، فَعُنِيَ بِهِ وَالِدُهُ، وَأَسْمَعَهُ الحَدِيْثَ، وَدَرَّبَهُ مِنْ صِغَرِهِ فِي الوَعْظِ، وَبُوْرِكَ لَهُ فِي ذلِكَ، وَصَارَ لَهُ قَبُوْلٌ تَامٌّ، وَبَانَتْ عَلَيْهِ آثَارُ السَّعَادَةِ. وَتُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَعُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ سَبع عَشْرَةَ سَنَةً، فَكَفَلَتْهُ الجِهَةُ وَالِدَةُ الإِمَامِ النَّاصِرِ، وَتَقَدَّمَتْ لَهُ بِالجُلُوسِ لِلْوَعْظِ عَلَى عَادَةِ وَالِدِهِ عِنْدَ تُرْبَتِهَا، بَعْدَ أَنْ خَلَعَتْ عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَ بِمَا بَهَرَ بِهَ الحَاضِرِيْنَ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تَرَقٍّ مِنْ حَالِهِ، وَعُلُوٍّ مِنْ شَأْنِهِ، يَذْكُرُ الدُّرُوْسَ فِقْهًا، وَيُوَاصِلُ الجُلُوْسَ وَعْظًا عِنْدَ التُّرْبَةِ المَذْكُوْرَةِ، وَبِـ"بَابِ بَدْرٍ" وَكَانَ يُوْرِدُ مِنْ نَظْمِهِ كُلَّ أُسْبُوعٍ قَصِيْدَةً فِي مَدْحِ الخَلِيْفَةِ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَوَلَّاهُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُوْلِ إِلَى وَليِّ عَهْدِهِ، ثُمَّ أَوْصَى النَّاصِرُ عِنْدَ مَوْتهِ أَنْ يُغَسِّلَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ كَامِلَ الفَضَائِلِ، مَعْدُوْمَ الرَّذَائِلِ، أَمَرَ النَّاصِرُ بِقَبُوْلِ شَهَادَتِهِ وَقَلَّدَهُ الحِسْبَةَ بِجَانِبَيْ "بَغْدَادَ" وَلَهُ ثَلاثٌ وَعُشْرُوْنَ سَنَةً، وَكَتَبَ لَهُ النَاصِرُ علَى رَأْسِ تَوْقِيْعِهِ بِالحِسْبَةِ: حُسْنُ السَّمْتِ، وَلُزُوْمُ الصَّمْتِ أَكْسَبَاكَ يَا يُوْسُفُ -مَع حَدَاثَةِ سِنِّكَ- مَا لَمْ يَتَرَقَّ إِلَيْهِ هِمَمُ أَمْثَالِكَ، فَدُمْ عَلَى مَا أَنْتَ بِصدَدِهِ. وَمَنْ بُوْرِكَ لَهُ فِي شَىْءٍ (¬١) فَلْيَلْزَمْهُ، وَالسَّلامُ. ثُمَّ رُوْسِلَ بِهِ إِلَى مُلُوْكِ الأطْرَافِ (¬٢)، فَاكْتَسَبَ مَالًا كَثيْرًا، وَأَنْشَأَ مَدْرَسَةً بِـ"دِمَشْقَ" وَوَقَفَ عَلَيْهَا وُقُوفًا مُتَوَافِرَةَ (¬٣) الحَاصِلِ، وَأَنْشَأَ بِـ"بَغْدَادَ" بِمَحِلَّةِ "الحَلْبَةِ" (¬٤) مَدْرَسَةً لَمْ تَتِمَّ (¬٥)، وَبِمَحِلَّةٍ "الحَرْبِيَّةِ" دَارَ قُرآنٍ (¬٦) وَمَدْفَنًا، ثُمَّ وَلِيَ التَّدْرِيْسَ بِـ"المُسْتَنْصِرِيَّةِ" ثُمَّ وَلِيَ أُسْتَاذَ دَارِيَّةَ الدَّارِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذلِكَ إِلَى أَنْ قُتِلَ صَبْرًا شَهِيْدًا بِسَيْفِ الكُفَّارِ عِنْدَ دُخُوْلِ هُوْلاكُو مَلِكِ التّتارِ إِلَى "بَغْدَادَ" فَقُتِلَ الخَلِيْفَةُ المُسْتَعْصِمُ بِاللهِ (¬١) وَأَكْثَرُ أَوْلادِهِ، وَقُتِلَ مَعَهُ أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ، وَالأمَرَاءِ، وَشَيْخُ الشُّيُوْخِ، وَأَكَابِرُ العُلَمَاءِ، وَقُتِلَ أُستَاذُ الدَّارِ مُحْيِي الدِّيْنِ (¬٢) وَأَوْلَادُهُ الثَّلاثَةِ، وَذلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِظَاهِرِ سُوْرِ "كَلْوَذَا" رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ. كَانَ المُسْتَنْصِرُ لَهُ شُبَّاكٌ علَى إِيْوَانِ الحَنَابِلَةِ، يَسْمَعُ الدَّرْسَ مِنْهُمْ دُوْنَ غَيْرِهِمْ، وَأثرُهُ بَاقٍ. قَالَ الشَّرِيْفُ عِزُّ الدِّيْنِ: كَانَ أَحَدَ صُدُوْرِ الإسْلامِ، وَفُضَلائِهِمْ وَأَكَابِرِهِمْ، وَأَجِلَّائِهِمْ مِنْ بَيْتِ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. وَحَدَّثَ بِـ"بَغْدَادَ" وَبِـ"مِصْرَ"، وَغَيْرِهِمَا مِنَ البِلادِ. وَذَكَرَهُ الدُّبَيْثِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" -وَقَدْ مَاتَ قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ- وَقَالَ: فَاضِلٌ، عَالِمٌ، فَقِيْهٌ، علَى مَذْهَب أَحْمَدَ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالوَعْظِ. وَجَلَسَ لِلْوَعْظِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبيْهِ، وَدَرَّسَ وَنَاظَرَ، وَتَوَلّى الحِسْبَةَ بِجَانِبَيْ "بَغْدَادَ" وَالنَّظَرَ فِي الوَقْفِ فِي العَامِّ. وَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: كَانَ إِمَامًا كَبِيْرًا، وَصَدْرًا مُعَظَّمًا، عَارِفًا بِالمَذْهَبِ كَثيْرَ المَحْفُوْظِ، ذَا سَمْتٍ وَوَقَارٍ، دَرَّسَ، وَأَفْتَى، وَصَنَّفَ. وَأَمَّا رِئَاسَتُهُ وَعَقْلُهُ فَيُنْقَلُ بِالتَّوَاتُرِ، حَتَّى إِنَّ المَلِكَ الكَامِلَ -مَعَ عِظَمِ سُلْطَانِهِ- قَالَ: كُلُّ أَحَدٍ يُعْوِزُهُ زِيَادَةُ عَقْلٍ إِلَّا مُحْيِيَ الدِّيْنِ بْنَ الجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ يُعْزِزُهُ نَقْصُ عَقْلٍ، وَيُحْكَى عَنْهُ فِي هَذَا عَجَائِبُ، مِنْهَا: أَنَّهُ مَرَّ فِي "سُوَيْقَةِ بَابِ البَرِيْدِ" وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ رَاكِبٌ البَغْلَةَ، فَسَقَطَ حَانُوْتٌ، فَضَجَّ النَّاسُ وَصَاحُوا، وَسَقَطَتْ خَشَبَةٌ، فَأَصَابَتْ كِفْلَ بَغْلَتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ، وَلَا تَغيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُنَاظِرُ، وَلَا تَحَرَّكُ لَهُ جَارِحَةٌ. وَكَانَتْ خَاتِمَةَ سَعَادَتِهِ الشَّهَادَةُ. ﵁. قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبي الجَيْشِ، بَلَغَنِي عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ سَكْرَان الزَّاهِدِ المَشْهُوْرِ (¬١)، أَنَّه قَالَ: رَأَيْتُ أُسْتَاذَ الدَّارِ ابْنَ الجَوْزِيِّ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: كَفَّرَتْ ذُنُوْبَنَا سُيُوْفُهُمْ. ﵁ (¬٢). وَلَهُ تَصَانِيْفُ عِدَّةٌ، مِنْهَا "مَعَادِنُ الإِبْرِيْزِ فِي تَفْسِيْرِ الكِتَابِ العَزِيْزِ" وَمِنْهَا: "المَذْهَبُ الأحْمَدِ فِي مَذْهَبِ أَحمَدَ" (¬٣) وَمِنْهَا: "الإيْضَاحُ فِي الجَدَلِ" (¬٤) وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْق بِـ"بَغْدَادَ" وَ"دِمَشْقَ" وَ"مِصْرَ". وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي الجَيْشِ، وَالحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الكَسَّارِ، وَالدُّمْيَاطِيُّ، وَابْنُ الظَّاهِرِيُّ، وَأَبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ الفُوَطِيِّ، وَبِالإجَازَةِ خَلْقٌ آخِرُهُمْ زَيْنَبُ بِنْتُ الكَمَالِ المَقْدِسِيِّ (¬١). وَمِنْ نَظْمِهِ مَا أَنْشَدَنِي عَنْهُ ابْنُ السَّاعِي، وَأَنْبَأَتْنَاهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ عَنْهُ: صَبُّ لَهُ مِنْ حَيَا آمَاقِهِ غَرَقٌ … وَفِي حُشَاشَتِهِ مِنْ وَجْدِهِ حَرَقُ فَاعْجِبْ لِضِدَّيْنِ فِي حَالٍ قَدِ اجْتَمَعَا … غَرِيْقُ دَمْعِ بِنَارِ الوَجْدِ يَحْتَرِقُ لَمْ أَنْسَ عَيْشًا علَى سَلْعٍ وَلَعْلَعِهَا … وَالبَانُ مَفْتَرِقٌ وَجْدًا وَمُعْتَنِقُ وَنَفْحَةُ الشِّيْحِ تأْتِيْنَا مُعَنْبَرَةً … وَعَرْفُهَا بِمَعَانِي المُنْحَنَى عَبِقُ وَالقَلْبُ طَيْرٌ لَهُ الأشْوَاقُ أَجْنِحَةٌ … إِلَى الحَبِيْبِ رِيَاحُ الحُبِّ تَخْتَرِقُ قُلْ لِلْحِمَى بِالرُّبَى وَاعْنِ الحُلُوْلَ بِهَا … مَا ضَرَّهُمْ بِجَرِيْحِ القَلْبِ لَوْ رَفَقُوا وَقَدْ بَقَى رَمْقٌ مِنْهُ فَإِنْ هَجَرُوا … مَضَى كَمَا مَرَّ أَمْسٌ ذلِكَ الرَّمَقُ وَلَهُ قَصِيْدَةٌ طَوِيْلَةٌ مَدَحَ فِيْهَا النَّبِيَّ ﷺ، أَوَّلُهَا: قَدْ زُلْزِلَتْ أَرْضُ الهَوَى زِلْزَالَهَا … وَقَالَ سُلْطَانُ الغَرَاِمِ مَا لهَا وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الثَّلاثَةَ (¬٢) الَّذِيْنَ قُتِلُوا مَعَهُ ﵃ (¬٣) فَأحَدُهُمْ: