page 1689, entry [424]Open original source
٣٨٥ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللهِ (¬٢) بْنِ أَبي السَّعَادَاتِ الدَّبَّاسُ، الفَقِيْهُ، الإمَامُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي بَكْرٍ البَغْدَادِيُّ، أَحَدُ أَعْيَانِ فُقَهَاءِ "بَغْدَادَ" وَفُضَلَائِهِمْ. سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابْن شَاتِيْلٍ، وَابْنِ زُرَيْقٍ البَرَدَانِيُّ (¬١)، وابْنِ كُلَيْبٍ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ الكَثِيْرَ عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبي بَكْرٍ الأنْصَارِيِّ، وَدَرَسَ الفِقْهَ علَى إِسْمَاعِيْلَ بْنِ الحُسَيْنِ، صَاحِبِ أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ. وَقَرَأَ عِلْمَ الخِلَافِ وَالأُصُوْلِ وَالجَدَلِ عَلَى النَّوْقَانِيِّ (¬٢)، وَبَرَعَ فِي ذلِكَ، وَتَقَدَّمَ علَى أَقْرَانِهِ، وَتَكَلَّمَ وَهُوَ شَابٌّ فِي مَجَالِسِ الأئِمَّةِ، وَاسْتَحْسَنُوا كَلَامَهُ، وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي صَالِحٍ، وَوَلِيَ الإعَادَةَ وَالإمَامَةَ بِالحَنَابِلَةِ بِـ"المُسْتَنْصَرِيَّةِ"، وَنَظَرَ المَارَسْتَانَ. قَالَ ابْنُ السَّاعِي: قَرَأْتُ عَلَيْهِ "مُقَدِّمَةً فِي أُصُوْلِ الفِقْهِ" وَكَانَ صَدُوْقًا نَبِيْلًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، جَمِيْلَ السِّيْرَةِ، مَحْمُوْدَ الأفْعَالِ عَابِدًا، كَثيْرَ التِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ، مُحِبًّا لِلْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، صَابِرًا علَى تَعْلِيْمِهِ، لَمْ يَزَلْ عَلَى قَانُوْنٍ وَاحِدٍ، لَمْ تُعْرَفْ لَهُ صَبْوَةٌ مِنْ صِبَاهُ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ، يَزُوْرُ الصَّالِحِيْنَ، وَيَشْتَغِلُ بِالعِلْمِ، لَطِيْفًا، كَيِّسًا، حَسَنَ المُفَاكَهَةِ، يُعْرِبُ كَلَامَهُ، وَيُفَخِّمُ عِبَارَتَهُ، قَلَّ أَنْ يَغْشَى أَحَدًا، مُقْبِلًا علَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَكَانَ لَا يَنْسِبُ أَحَدًا مِنَ الأعْيَانِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى النَّبْوَةِ، كَابْنِ الدَّامَغَانِيِّ، وَابْنِ الجَوْزِيِّ، وَابْنِ الحُبَيْرِ، وَابْنِ اللَّمْغَانِيِّ، بَلْ يَقُوْلُ: تَكَلَّمْتُ عِنْدَ الدَّامَغَانِيِّ، وَاجتَمَعْتُ بِابْنِ الجَوْزِيِّ، وَنَاظَرْتُ الحُبَيْرَ، وَعَرَضَ عَلَيَّ اللَّمْغَانِيِّ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيْخِهِ" وَوَصَفَهُ بِنَحْوِ مَا وَصَفَهُ ابْنُ السَّاعِي. تُوُفِّيَ فِي حَادِي عِشْرِيْنَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ"بَابِ حَرْبٍ"، وَقَدْ نَاهَزَ الثَّمَانِيْنَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَمَرَّ لَيْلَةً بِسُوْقِ المَدْرَسَةِ "النِّظَامِيَّةِ" لِيُصَلِّي العِشَاءَ الآخِرَةَ بِـ"المُسْتَنْصَرِيَّةِ" إِمَامًا فَخَطَفَ إِنْسَانٌ بِقْيَارَهُ (¬١) في الظَّلْمَاءِ وَعَدَا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: عَلَى رِسْلِكَ، وَهَبْتَكَ. قُلْ: قَبِلْتُ. وَفَشَى خَبَرُهُ بِذلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ عِدَّةُ بِقَايِيْرَ، قِيْلَ: أَحَدَ عَشَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدًا تَنَزُهًا، وَهَذَا مَشْهُوْرٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ "بَغْدَادَ" عَنْهُ.