page 1148, entry [619]Open original source
٥٨٧ - يونس بن محمد الجايري الحريري (¬١). نبغ في الشعر، وأتى على جميع أنواعه، فلم يُبْق من الإحسان فيها شيئًا ولم يَدع، وأتى منه بما تعجز عنه أبناء جنسه، لا باشتغالٍ بفنونه، بل بجودة طبعه وقوة حدسه، فجاء منهُ بالعجب العجاب، ولبَّى قَصيَّ الإجابة، فكان المجاب. أنشد كلٌّ من العدلين الفاضلين سديد الدين محمد بن فضل الله القوصي، وعلاء الدين أبو الحسن علي الجزري، قالا: أنشدنا لنفسه يمدح الأديب شمس الدين محمد البادرائي. قال لي سديد الدين: وكُنَّا قد اجتمعنا في الحمَّام؛ أنا، وفخر الدين ابن السوسي، ويونس، والبادرائي، وجَعَلْنا البادرائي ملك الشعراء، وقلنا: كُلٌّ منا يمدحه، فقال: امدحوني على وزن قصيدة فلان والقافية. قال: فنظم يونس هذه القصيدة التي أولها قوله: شعر يا صاحبيَّ ديارُ علوه … ظهر الهوى الخافي المموَّهْ والصَّبُّ يوبقه الجوى … وتخلُّف الرُّفقاء جفوَه فقفا وإلا فالهوى … يستوقفُ المشتاق عنوَه وسلا على تدريكُما … فأعزُّ ما في الحبِّ سلوه لا بأس أن يشكو المعاهِد … أو يبثُّ الدَّار شجوه يا سطوةَ البيْن المشتِّ وهل لغير البَيْن سطوه خلَّفتني أشكو الصفا … شكوى الخليلِ خليلَ صفوه بتأوُّهٍ أعْيَا الصدى … لو كان يُنجِى من تأوَّه بأبي أُوَيْطَان تسَقَّيْتُ الهوى فيهنَّ قهوه بلواحظٍ شهدَتْ سراياها بقلبي ألف غزوه وأنا المطيعُ الحبَّ إلا في تأمُّره بخلوه سافرتُ في العلياء حتى … صرتُ شهوةَ كل شهوه لا أستجيبُ لغيرِ مدح الشيخ شمس الدين دعوه ونظم سديد الدين قصيدة أولها قوله: شعر برقٌ بدا من دار علوه … أو قلبُ صبٍّ صار جَذْوَه فيها قلوب العاشقينَ تصرَّمت صدًّا وجفوه إني اجتهدت فصرتُ في العُشَّاق قدوةَ كلِّ قدوه لو أنَّ قيسًا مدركي … لمشَى على نهجي وعُرْوه لا عيش من بعد الصِّبا … يحلو سوى بجنونِ صبوه بمُهفهفٍ يُسبي العقول كأن في جفنيه قهوه أبدى قضيب القَدِّ منه يميلُ من لينٍ ونشوه قد أسكرتْ رشفاتهُ … لكنها كالشَّهد حلوه ومنها أيضًا في المدح قوله: شعر لك كلُّ وصفٍ يجعلُ السكيت مُنطلقًا مفوَّه أدبٌ وأَحسابٌ وإحسانٌ ونخوه شعري إليكَ حثثته … فأتى رقيقَ اللفظ نضوه وأتَتْ قوافيه على … أعقابهِ فأتت بقوَّه وقد اعترفتُ بفضلكَ لا بإكراهٍ وسطوه ووفيته جهرًا ولو … أخفيتهُ لأتاك رشوه ونظم ابن السوسي ما لا يناسب شعره، فتركتهُ. وأنشدني أبو الحسن علي بن إبراهيم الجزري، قال: أنشدني يونس المذكور لنفسه قوله: لو تودَّان للمشوق شفاءا … لن تريدا غير اللِّوى إلواءا إن هذي البقاع كانت لأسماءَ قديمًا فأصبحت أسماءا قد رأى هذه الرُّسوم ديارًا … من رأى رسمَ أعْظُمي أعضاءا حيَيَّاها فإن أهاجت بكاءً … يمنعُ النُّطق فابعثا إيماءا أسْعِداني إن تستطيعا وإلَّا … فذراني أعدُّ ذلك وفاءا كل يومٍ لمهجَتي يحدثُ البينَ مدى الدَّهر غارةً شعواءا ودموعًا توابعًا لدموع … وزفيرًا يعاود الأحشاءا صاحِ إن الغَضَى ليطفي بإذني … من دُموعي بل ليسَ ذا الدَّمع ماءا منها قوله: أيها الرَّبعُ إن عيني لتبكيك … وإن كنتَ كاتم الأنباءا غادَرتني دماك أبكي دماءً … ولقد زادني بَلَاك بلاءا رُبَّ دهرٍ تألفتني الأماني … في مغانيكَ إلف عَيني البكاءا بحسانٍ تستكثر الأرض إن لُحْنَ … بها أنجمًا فتبكي السَّماءا كلُّ عذراء إن تراءت لعيني … رأت النَّاس بعدها أقذاءا أسكرَتْ خمرةُ الصِّبا مقلتيها … فرأت أهل وُدِّها أعداءا فاحذرا نهبها النفوس وإن … ألبسها النُّسْك والحياء رداءا واقبلا زجْرَ حاجبيها وعوجا … إنَّ للموت آلةً حدباءا وأنشدني أيضًا قال: أنشدني يونس لنفسه قوله: شعر وشادنٍ زارَ بعد يأسٍ … كالغيثِ وافى على قنوطِ وباتَ يجلو عليَّ كأسًا … جاءت بحلِّ الدَّم العبيط ولم نُثَلِّث إذا اختلسنا … إلا بإثمٍ بنا محيط فقلتُ والليل في شبابٍ … عاجله الصبح بالوُخُوط مشمِّرٍ ذيله لسيرٍ … تشمير ذي الرِّحلة النشيط بالله يا صُبْحُ لا تزرنا … فالصُّبح حربٌ لقوم لوطِ وأنشدني أيضًا قال: أنشدني يونس لنفسه قوله: شعر وإني لذو سمعٍ يطول اشتياقه … إلى موعدٍ منها وإن شانه المطل وما الصبُّ إلا في حياة ذميمةٍ … إذا لم يَفُز بالوعد إن فاته الوصل وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه قوله: شعر يا أهلَ وُدِّي وما أهلًا دعوتكم … بالحقِّ لكنها العادات والدَّربُ أبدعةٌ ظهرت في الحبِّ حادثة … بالغدر أم رجعتْ عن دينها العرب وأنشدني عنه أيضًا لنفسه قوله: شعر أيا ميُّ إن البين أعْمَى بصيرتي … فلم أدرِ بعد اليوم رشدًا ولا غيَّا وإني لأسقي حيكم من مدامعي … وأعجبُ من ذا ميِّتٌ يَسْقيَ الحيَّا قال: وقلَبَهُ مَوَاليًا، فقال أيضًا: شعر لما بدت بين أترابٍ لها من طيّ خودٌ … طوَتْ ثوبَ صبري بعد نشر وطيّ قلتُ سقيت بدمعي حَيَّكم يامَيّ … قالت أعجب ما رأينا مَيْت يسقي حيّ توفي بالقاهرة، في حدود العشرين وسبع مئة، عفا الله عنه، ورَحِمَهُ اللَّهُ.