page 1105, entry [591]Open original source
٥٥٩ - يحيى بن محمد بن يحيى بن أبي بكر السبتي المولد، المكنى بأبي زكرياء، المعروف بابن هَمُشْك، الفقيه الأديب (¬١). ذكره ابن سعيد، وقال: نشأ بسبتة، فلقي علماءها وصلحاءها، فروى عنهم، وأخذ عن أبي محمد ابن حوط الله جملةً. وكان من أهل الصلاح والدين، مشهورًا بالنزاهة والتطهر من الأنجاس، مع حظٍّ من حفظ الحديث والفقه، وكان من أهل الفطنة والذكاء، جميلَ العشرة، جوادًا كريمًا، ذا وجاهة، يصل من قصده، مقدَّمًا عند الحكام، وكان حسن الصوت، مليح التلاوة، جامعًا للأدب. وولي إمامة الجامع بقصبة سبتة، والخُطْبَة بها، والأمانة على مفاتيح البلد، والقصبة، والبحر، ثم خرج منها عام ثلاثين وست مئة في فتنة ابن المنصور وسطوته، خوفًا على نفسه، فاستوطن الجزيرة الخضراء ستة أعوام، ملازمًا للعلم، عاكفًا على الصلاح والخير، وبنى بها مسجدًا، ثم عاد إلى سبتة سنة ست وثلاثين، وعاد إلى ما كان عليه من الولايات والجاه. ولما ولي الوزير أبو علي ابن خلاص سبتة سنة إحدى وأربعين، أبقاه على حاله ثقةً به وركونًا إليه، فلما مات ابن خلاص، خرج في سنة سبع وأربعين، وتوجه إلى تونس، وأقام بها ملازمًا الجامع، محافظًا على التلاوة والخير، مشتغلًا بما يعنيه إلى حين وفاته. وقيل له: لم لا تتزوج؟ فقال: ما صحبتُ أحدًا من طبقات الناس، وقلتُ له أي حاليك أفضلُ وأحبُّ إليك، إلا قال: الأوّل، قال: فاقتديتُ بالتجارب. قال: وأنشدني في جارية اسمها نسيم، كان يَكْلَفُ بها ويهيم، ويستضيءُ بنورِ محيَّاها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظُّرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد المشيب إلى أخلاق الشباب، فقال فيها قوله: شعر تباركَ بارئ الخلقِ إذ صوَّر الخلقا … وأتقنهم صنعًا وأطلَعُهم أفقا وأودعَ في الأجفانِ شَعرًا مضاعفًا … يعلّمني التَّهْيام والوجد والعشقا خليليَّ عيدُ الفطر وافَى فهاجني … غرامًا وتهيامًا وزاد الحشَا خَفْقا وذكَّرني من كنتُ أعهدُ أُنسهُ … مقيمًا ولما بانَ أورثني شوقا ولما رأيتُ الحسن بالطَّاق واقفًا … لمحتُ ثنَايَاها وقد لمعتْ برقا صبوتُ وقد يصبو الحليمُ لمثلها … يرقُّ وكم صبٍّ لغانيةٍ رقَّا قال: وكتب من إشبيلية إلى سبتة قوله أيضًا: شعر يا صاحبيَّ اعْذرا من ظلَّ معذورا … في ما مضى كنتُ بالأعياد مسرورا وهاجني بمنىً ذِكري لنيل مُنىً … قضِّيتُها وطرًا جدلان محبورا إذا تذكَّرت عيد الفطر من سنةٍ … قد انقضتْ عاد قلبُ الصبِّ مفطورا فيا نسيمَ الصبا إن زرتني سحرًا … خَبِّر نسيم بمن أبقَتْه مسحورا وقلْ لمنزلها السَّامي إذا سحبت … ذيل الصّبا وأرتك اللحْظ مخمورا يا من بسبتةَ مُضناها على صدرٍ … ثوى وينفثُ بالأشواقِ مصدورا عسى الذي قد قضى التَّفْريق يجمعنا … وتجتَلي العين من مرآكم نورا وله: لحضرتِكَ العليا تُزَجَّى الركائبُ … ومن يدك البيضا ترجَّى المواهبُ وفي فضلها المألوف أصبحتُ راغبًا … فمنها على سخطٍ تنالُ الرَّغائب وما هي إلا رحمةٌ لعبيدها … فكم سهَّلت حاجٍ بها ومآرب توفي بتونس، في ثالث عشر شهر رمضان، سنة ست وخمسين وست مئة. وتبع جنازته الخاصة والعامة، وأتبعوه ثناءً جميلًا، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.