page 755, entry [416]Open original source
٣٨٨ - محمد بن الحسن بن يوسف اللخمي المرسي، المكنى بأبي بكر، المعروف بابن حَبيش (¬١). ترجمه تلميذه العلامة أبو عبد الله محمد بن القوبع التونسي صاحبنا، وقال: كان من نوادر الدهر، جامعًا للعلوم، حافظًا للحديث، متقنًا للنحو واللغة والأدب والأنساب والعروض والقوافي والبيان، صدرًا في أهل الآداب، كاتبًا بليغًا، وشاعرًا مُفلقًا، أقدر الناس على النظم والنثر، وأحفظهم للأخبار والأشعار. وذكر من محفوظاته: "السيرة" (¬٢) لابن هشام، و"زهر الآداب" (¬٣) للحصري. وأخذ عن أبي عيسى ابن أبي السداد، وأبي بكر ابن محرز، وأبي الحسن سهل بن مالك، وأبي محمد ابن برطلة، وأبي عبد الله ابن عسكر، وغيرهم. وله "ديوان" شعر، وشعره حسن الديباجة، ريّان من ماء السلاسة وجميع الفنون. قال: ولا أعلم له في الهجاء قيلًا، نزاهةُ نفسٍ، ورئاسةُ طبعٍ، وله الإجادة التامة في التوشيح والأزجال البديعة، ويُخَمِّس شعر غيره، حتى يكاد يكون أحق به منه. خمَّس قصائد كثيرة، منها قصيدة ابن زيدون المشهورة بالرثاء، فجاء لا يفرق بين كلامهما، وكانت طريقتهما واحدة. قال: ولو قلت أن ابن حَبيش أشعر وأقدر لم أجازف لكثرة بدائعه وصفاء شرائعه، ثم إن الله ﷾ ألهمه رشده، ورغَّبه في ما عنده، فوقف نظمه ونثره في آخر عمره على مدح نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى ما ينحو ذلك المنحى، والحضّ على الرغبة في خير الأخرى، فخلد من ذلك ما خلَّد له الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى. ومن القصائد التي خمَّسها قصيدة الشقراطسي، خمَّسها ثلاث تخميسات، وسدَّسها، وثمَّنها، ووشَّحها، فجاء ذلك سفرًا. وعشَّر قصيدة أبي تمام التي مدح بها المعتصم ورثى الواثق، ﵀، التي أولها قوله: ما للدموع تروم كل مرام فجعلها ابن حَبيش في رِثَاء الحسين بن علي، ﵄. وخمَّس قصيدة ابن أبي الخصال التي أولها قوله: شعر إليك فهمي والفؤاد بيثرب وهي مرتفعةٌ في الحسن والجودة. قال الشيخ ركن الدين: قال لنا لما أراد تخميسها: خفتُ أن أنقطع قبل إتمامها، قال: فاختبرت نفسي ببيتين منها ليس فيها أصعب منهما بالنسبة إلى ما أخذ به نفسه من الالتزام والإجادة، أحدهما قوله: تمشي جفانٍ كالجوابي منيخة … ملين غبيطات السّديف المرغّب فقال: إذا ندف الصنبر كل سنيخة وصُمَّت لعصف النوح مصيخة … دعا الجفلى من غلمةٍ ومشيخة وهذا أصعب من جهة التزام الخاء، مع أنه لا يلزمه. والثاني: قوله لما ذكر حَسَب النبي ﷺ، وقال: كروض الرُّبى كالشمس في رونق الضحى … كناشئ ماء المزن قبل التصوُّب فقال في تخميسه: كفاه من الرحمان مدحًا مصرَّحًا بشرح ألم نشرح وإيضاح والضحى … فقد أفحم القرآن من قال مفصحا وقال: إنه لم يبدل في تخميسه واوًا بفاءٍ، ولا فاءً بواوٍ، ولا حرفًا من حروف المضارعة بآخر منها، على جاري عادة المخمسين لاضطرارهم إلى ذلك، إلا في أول بيت من القصيدة، فإنه تغزّل فيه لمؤنَّث، فدعاه ذلك إلى كسر الكاف المفتوحة، فقال: جَلَتْ عن ذكاء الحسن غيمُ التنقُّب … لتثني غربي عن ثنايا التغرُّب بأحور ساج أو بألعس أشنب … إليك فهمي والفؤاد بيثرب ثم لم تطب نفسه بذلك حتى غيَّره، وأبقى الكاف على الفتح. وخمّس أيضًا قصيدة أبي الفضل ابن النحوي التي أولها: اشتدي أزمة تنفرجي. بما جاد، وزاد أبياتًا. وله موشحة بديعة، يمدح بها المصطفى ﷺ التي أولها قوله: شعر إذا حنت الأزهار … بناسمها المعطار وهبَّت صبًا تفضح … شذا المسك بل أفوح بليلًا بما تسمح … من دمع الحياء المدرار على مقل النوار … محيًا ترى يثرب واستمر على هذا المنوال. وله من قصيدة طويلة قوله: شعر طرقت لولا تبسّمها … كاد جنح الليل يكتمها ظبية لولا تأنُّسها … دِمية لولا تكلُّمها ومحاسنه كثيرة. قال: وكان كثير التواضع لا يُثبت لنفسه حقًا، جميل العشرة، يعظِّم الصغير والكبير، ولا يدَّعي معرفة شيءٍ، وكل من يلقاه كأنه دونه. واستوطن في آخر عمره تونس، إلى أن توفي بها سنة سبع وثمانين وست مئة. ومولده سنة خمس عشرة وست مئة، رحمة الله عليه.