page 752, entry [415]Open original source
٣٨٧ - محمد بن جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله العجلي، المنعوت ناصر الدين (¬٢). الأمير، الفقيه الحنبلي، الأديب، الجواد الكريم، صاحب الفضل الجزيل والإحسان العميم، الجامع بين فضيلتي السيف والقلم، ومن له في الفتوة والمروءة لواء وعلم، وفي الجوفى والسخاء رسوخ قدم، وفي الجاه والوجاهة سابقة قدم، ومن شهد له عدل من سجاياه غير متهم، إنه سرّ أبيه في السيادة والكرم، ومن أشبه أباه فما ظلم، كم فرَّج من كُرْبة، وكم من عثرة أقال، وكم من موثق بحبال شدة قد حلَّه من عقال، وكم له من مقعد صدق ومجلس حق لم يدع لسواه فيه من مقال، وكم تجمَّلت به المجالس وتزيَّنت به الدروس، وكم رفع للعلم من عَلَم، وأحيى معالم السنة بعد الدروس، لم يزل ناديه بالنَّدى عامرًا، وفيض كفه من ديم الكرم هامرًا، ومغناه كعبة وفود الإفادة عاكفة عليه، وحرمًا تُهدى هدايا الفضل إليه، يشح على الأدب أن تصح مغانيه داثره، وتسحُّ راحته بالكرم إذا شحَّت السَّحاب الهامرة، لا جرم أنه لما اتصف بالوصف الجميل، سار وقد أبقى له الذكر الجميل والثناء الجزيل، شعر: تيقَّن أن المال يفنى وأهله … تزول وما يُبقي الثنا غير زائل فلم يُبْق وجهًا في الجميل يفوته … ولا في مقال الحقِّ قولا لقائل سمع الحديث من جماعة من أشياخنا، كالأمير عبد القادر بن عبد العزيز ابن الملك المعظم عيسى، والمسند عبد الله الصنهاجي، والواني، وسمع من الحافظ الأديب أبي الفتح محمد بن محمد اليعمري الكثير، وتخرج عليه في الحديث والأدب. واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ثم على مذهب أحمد. وقرأ الأصول والمنطق على التاج التبريزي، وشارك في تفسير وبيان، وموسيقى، وكتب الخط الحسن، ونظم ونثر وحدث. وخرَّج له صاحبنا العالم الفاضل أبو العباس أحمد الدمياطي "مشيخة". وسمعتُ منه، وسمع مني، وأجاز لي، ونقلت من خطه قوله: شعر بك استجار الحنبلي محمد بن جنكلي … فاغفر له ذنوبه فأنت ذو التفضِّل وجُدْ له بتوبة صادقة يا أملي … ورحمةٍ شاملةٍ تمحُ عظيم الزَّلل واختم له بصالح عند انقضاء الأجل … مسامحًا عما جنى من سيئات العمل وله، ونقلته من خطه أيضًا، قوله: وإذا اعتبرت سني عمرك في الدنا … ومرورها في أعصر الخسران وعلمت أن المرء منها راحلٌ … سفرًا به للسخط والرضوان أيقنت أن الفوز فيها للتُّقي … ولمن يقوم بمحكم الفرقان فاجهد لنفسك يا أخيَّ مخلصًا … فلقد نصحتك في جميل بياني وكان محبًا لي، ومتفضلًا علي، ومحسنًا إليَّ، وكان ذخيرة لأهل العلم وأولي الفضائل، عونًا لهم عند حدوث النوازل. ومع رفعة منزلته فهو في غاية الاتضاع، رافعٌ من يغش مغناه إلى المكان اليفاع، وما زال متصفًا بخير يوليه، وجميل يبديه، ومعروف ينيله ويسديه، إلى أن ساح إلى ساحة القبور، وصار إلى من يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والدعاء يُهْدى إليه، والعبرات تُسْكب عليه: شعر أبكي عليه بدمعةٍ كتبت على … صفحات خدٍّ للكئيب سُطُورا تجري من العين التي إنسانها … ما زال من إحسانه مسرورا سالت عقيقًا فاستحالت عَنْدَما … شابت فصارت لؤلؤًا منثورا توفي ﵀ بالقاهرة، ليلة السبت رابع عشرين رجب، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة، عفا الله عنه.