page 699, entry [387]Open original source
٣٥٩ - مَجْبَر (¬١) بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن مَجْبَر الصقلي المولد، المصري المنشأ والوفاة، يكنى أبا القاسم (¬٢). حدث عن الخلعي، وسمع من جماعة. روى عنه الحافظ أبو الطاهر السِّلفي. وكان أديبًا فاضلًا بارعًا، مدح الملوك. وذكره القاضي الرشيد ابن الزبير الأسواني في كتابه المسمى بـ "الجنان"، وقال عنه: غزير موارد الفكرة، واري زناد القريحة، ترك إنشاد الشعر مدةً تديّنًا وتورعًا لما نُظم في سلك العدول بمصر، ثم عاد بعد زمان طويل. وله "ديوان" شعر يزيد على بضعة عشر ألف بيت، ومدح الأفضل أمير الجيوش بهذه القصيدة، سنة سبع وخمس مئة، أولها، قوله ﵀: شعر شفَّت زجاجة دمعة عن دائه … لو كان عند الناس علم شفائه وألحَّت الزّفرات في إظهاره … لما ألحَّ السقم في إخفائه صبٌّ إذا سحَّت سحائب دمعه … سُقيت عِطاش حباه من حوبائه قسمًا بمن قسم الهوى فاختصَّني … دون الأنام عناية بعنائه لأقبلن على الأسى قلبي عسى … يرثى له من حلَّ في سودائه يا إخوة المشتاق فكُّوا أسره … من دائه وتفضَّلوا بفدائه أمن الحفيظة والمودة في الهوى … والحبُّ تخضع أسده لظبائه رخصت على رخص الأنامل مهجتي … وغلا جنى العُنَّاب من جنَّائه وهي قصيدة طويلة بديعة. وله أيضًا يمدح الأفضل أمير جيوش شاه بهذه القصيدة، على وزن قصيدة الشريف الرضي فقال: شعر يا غرَّة البدر من بالهجر أغراك … أم من بفتك دم العشّاق أفتاك جنيتِ قتلي ولى في وجنتيك دمٌ … صحَّت عليك به الدعوى لقتلاك وما بجفنيك من حق الفتور لقد … أصبحت فتنة زهاد ونساك خُلقت سيفًا على العشاق مشتهرًا … خدَّاه خدَّاك والجفنان جفناك يا سلم ألقيت سلمي في هواك فلِمْ … سَلَّت عليَّ سيوف الحرب عيناك تراك أنذرت قلبي قبل صبوته … أن سوف يهوي صريعًا حين يهواك عيني أعانت على قلبي بنظرتها … فصادني صيد أشراكي بإشراك يا عين أصبحتِ من جراك في تعبٍ … فمن على نظرٍ في الحسن جرَّاك لولاك ما قرعت قلبي الخطوب ولا … غرقت في غمرات الحبِّ لولاك أجرت دموعك ساعات الفراق دمًا … لما رعيت خؤونًا ليس يرعاك يا روضة البان جادتك السحاب بما … أهدى لنا طيب ريَّا طيب رياك ويا صبا الجزع لولا من صبوت له … حيَّاك بالعَرف منه ما عرفناك يا أهل رامة ما للريم عندكم … يُشكى إليه فلا يحنو على الشاكي وما لغزلانكم تغزوا القلوب إذًا … من كل طرف حديد اللحظ فتَّاك يا ظبية بظبا ألحاظها سفكت … دمي كفاك الذي تجنيه كفَّاك لم تنقدح بين قلبي والهوى زندٌ … حتى اشتكت ضيقة القلبين زنداك ولم تحل في جفوني للكرى سنةٌ … مذ جال كالخنصر الممشوق خصراك قاسيت من قلبك القاسي أليم جفًا … رفقًا به خلقت للعطف عِطْفَاك أراك مؤثرة عوْد الأراك على … أن الخواطر والألباب مرعاك حرَّمْتِ ظَلمك أن تدنو الشَّفَاه له … فكيف حللت ظلم الواله الشاكي ما للكرى ضل عن عيني الخيال به … ألَّا أهتدى بك يا سلمى فأهداك لا أنت تسري ولا أسري إليك فما … أقصاك يا لذة الدنيا وأقساك خذي يميني يمينًا غير خائنة … إني على كل حال لست أنساك وكيف يأتي سلوًا أو يهمُّ به … مَن إن تناهت أمانيه تمناك إن كان أحلا من الوصل الفراق بدا … فإن قلبي معمورٌ بذكراك لِمْ أنت يا كعبة الفردوس ساخطة … وفي مقاصيره رضوان ربَّاك سكنت قلبي فأسكنتِ الحريق به … ألا بردت بماء الوصل مأواك كظمت للبين غيظًا يوم كاظمة … فكيف أسخطني سخطٌ وأرضاك نويت قبل النوى هجري فلا عجبٌ … إن التفرق من ناديك ناداك يا نفس أنفسُ شيء أحرزته يدي … حلم حرزت به في المجد لقياك منها في المدح قوله: مولى أقام الليالي حوله خدمًا … واستخدم السعد في فلك وأفلاك سعى إلى الغاية القصوى فأدركها … وأعجز الخلق عن سعيٍ وإدراك فوق الثَّرى والثريَّا من سعادته … ركنٌ شديدٌ وفرع في العلى زاك يا دولة الآمر المنصور طبت بما … أعطاك ربك من فضل وأولاك سلالة المصطفى فيك الإمام ومن … كفيله سيف تأييد بيُمناك نوران من جوهريْ دين ومملكة … حُفَّا بجندين من نصر وأملاك سقيًا لأيامك الغرِّ التي حسُنت … فحار في وصفها أو وضعها الحاكي أصبحت جنَّة عدن لا نعيمك ممزوج ببؤس ولا للحزن عقباك وظلك الأمن أمسى من تفيَّأه … في جَنَّة جُنَّة من صرف دنياك لم نعرف العيش في الدنيا ولذتها … ولا انتفعنا به حتى عرفناك إليك يا مصر وافى كل ذي أملٍ … رآك أو في نصير حين وافاك صدَّت عن الماء هيم الناجيات بنا … فما وردنا الغنى حتى وردناك أصبحت كعبة جود للعفاة فما … تنفك تسعى الأماني حول مسعاك ملكٌ حكى نيلك الفياض نائله … فلو غدا النيل غورًا فيك روَّاك يا كفَّه السمحة البيضاء ظَلْتِ فما … أوفاك جودًا وما بالعهد أوفاك لو كنت في زمن ألفيت حاضرة … أغنت حقيقًا عن النعمان نعماك دنياي إن يدي بالأفضل اعتصمت … إياك عني ببؤس العيش إياك ويا صروف الليالي ويحك انصرفي … فجوده بشهاب قد تصدَّاك وله يمدحه أيضًا قوله: شعر املا كُوسَك بالغرام وهاتها … إن الهوى للنَّفس من لذاتها واصرف عن المشتاق صرف مدامةٍ … رشف الرُّضاب ألذُّ من رشفاتها ومريضة الأجفان سامت في الهوى … تلفي فهان عليَّ في مرضاتها مازلت أصفح في القلى عن جرمها … وأغضُّ في الإعراض عن هفواتها حتى توهمت الصدُّود زيادة … في حسنها عندي وفي حسناتها يا هذه رفقا بنفس متيَّم … أفسدت بالهجران طيب حياتها يا هند قتل العاشقين ظلامةٌ … لا يهتدى في الحسن من ظلماتها فأنهى جفونك عن إراقة مهجتي … إني أخاف عليك من تبعاتها يا أهل رامة ما لظبية بانكم … سلَّت ظباء الفتك من لحظاتها أعلى أسود الغاب تجسر في الهوى … ما أخطر الهجمات في أجماتها لا والقساوة في القلوب قسامةً … تختص بالعشاق في قسماتها ما للأسود الضاريات على الورى … ما للعيون النُّجل من فتكاتها أستودع الله القباب وأوجُهًا … فيهنَّ كالأقمار في هالاتها الخمر والكافور في أفواهها … والورد والتفاح في وجناتها حتى وريتُ من التأسف بعده … نارًا دموعي الحمر من جمراتها فمن المحال خفاء أسرار الهوى … والدَّمع من رُقبائها ووُشاتها ومنها في المدح قوله: شعر ما زلت أنظر طيب ذكرك عنبرًا … أرجًا خلال الدُّر من خالاتها حتى إذا نشر الصباح رداءه … عن مثل نشر المسك من نفحاتها وتمثّلت عقدًا تود كواكب … الجوزاء لو عقدته في لبَّاتها أعددتها للقاء مجدك منحةً … أدعو بها وأنال من بركاتها ومدائح الكرماء خير وسيلة … شفعت نهى الآمال في حاجاتها وأحقها بالنُّجْح مدحك إنه … للنَّفس عند الله من قرباتها وله يمدحه أيضًا قوله: شعر نصحت ولكن غيُّه عنك شاغله … وهيهات يهدي ذاهب العقل ذاهله هوىً عقد التبريح صفقته فمن … يقابله فيها بما أنت قابله فدعه ووجدًا ساررته شجونه … ووسواس شوقٍ أسعرته بلابله فقد فَقَد الصبر الجميل وساقه … إلى حتفه غَيُّ التصابي وباطله رمى الحبُّ بالأشواق حبَّة قلبه … فطاح وقد أصمى الرمية نابله أعاذله عنَّفته غير عادلٍ … فحسبك منه ذائب الجسم ذابله فإن كنت مرتابا بما في فؤاده … فذا الدَّمع سائله لم احمرَّ سائله ففي دمه الجاري من العين آيةٌ … تدلّ على أن قد أصيبت مقاتله أما وغرام لا يزال غريمه … يعاملني في صحتي وأعامله لقد أودعوا قلبي عشية ودَّعوا … حديثا أتتني بالعيون رسائله ضمنتُ لربَّات الدلال جفاءة … فلما استمرَّ البين بانت دلائله وأذهل عقلي يوم منعرج اللوى … تحمُّل سرب لم تعرِّج عقائله يسير وقلبي في يد الشوق عنده … أسيرٌ تعاديه النوى وتعادله وأحْوَر ساجي المقلتين كأنما … بجفنيه ما يحوي من السحر بابله أريقت شمول الحسن في صحن خدِّه … فراقت معانيه ورقَّت شمائله تقسَّم فيه بالسواء جماله … فلم يتحاسد خاله وخلاخله قضيبٌ سقى ريحان بهجته الصبَّا … وغنَّت بأنداء النعيم خمائله يقدُّ فؤادي قدُّه واعتداله … ويضعف صبري لينه وتمايله يكلفني صبرا على شدة النوى … عشيّة زمت للرواح رواحله منها في المدح قوله: وسائلة ما سوَّغ العيش بعدما … تقضت شفاعات الصِّبا ورسائله فقلت عطاءَ الأفضل الملك الذي … تزايد حتى أخجل النيل نائله سحابٌ من المعروف والبشر برقه … ومن غلس الإحسان والعدل وابله يطبِّق أطباق البسيطة قطره … إذا ضاق هامي الغيث عنها وهامله كَفَتْنَا جنايات الحوادث كفه … وقامت بأرزاق الأنام أنامله جواد ينال الخلق غامرَ طوله … ويعجز عن عليائه من يطاوله تُغِيرُ على أمواله خيل جوده … ببذلٍ تصيب الآملين مخائله توحَّد إلا من جميل صفاته … وأعزب حتى لم يجد من يماثله ولما رأى الأوصاف تقصر دونه … وأن ليس يحصى فضله وفضائله تجلَّى لنا إحسانه عن جلاله … فأفهمنا أن لا نظير يشاكله بسيف بلأ لاء البهاء فريده … فيشرق منه دسته ومحافله له بهجةٌ تغشي العيون كأنما … تقابل قرن الشمس حين يقابله تعزُّ ملوك الأرض حين تطيعه … ويدنو إليها الحين حين تقابله تسهَّل صعب الأمر همته فلو … أراد سهيلا لم يفته تناوله تعوَّد نصر الله في كل موقفٍ … فعاجله وقف عليه وآجله ومنتصِرٍ بالله تحيا بنصره … فرائضه في خلقه ونوافله حمى بيضة الإسلام بالبيض والقنا … فصينت رعاياه وعزَّت معاقله ومدَّ على الإسلام من ظلِّ عدله … رِواق أمانٍ سائغ الذَّيل سابِلُه صَفَت لذَّة الدنيا لنا عند مالك … يعمُّ الورى إحسانه وفواضله وباتت عيون الحزم والعزم والنهى … تخادعه عن نومه وتخاتله يدبِّر ملك الأرض شرقا ومغربًا … برأيٍ كفاه خجلة النَّقص قابله ومنها أيضًا: كفى شرفًا للنيل أنك جاره … وأنَّ قصورًا أنت فيها سواحله وأنك تهديه إلى طرق النَّدى … فيفعل فيها مثل ما أنت فاعله فإن يك من عام لعام وفاؤه … ففيك وفاءٌ لا تكاد تزايله تبارك من أعطاك من بركاته … طويل زمانٍ لا تخاف غوائله وهي قصيدة طويلة بديعة، وكل شعره غرر غريب المنزع، غزيرٌ مستبدع. وقد ذكر له ابن جلب راغب (¬١) قطعة جيدة، وذكر أنه ولد بصقلية، في العشرين من ذي قعدة، من شهور سنة ثلاث وستين وأربع مئة. وتوفي بمصر، في سنة سبع وثمانين وخمس مئة، عفا الله عنه.