page 1236, entry [858]Open original source
ذِكْرُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيِّ ﵁ مِنْ عُلَمَاءِ مَشَايخِ الصُّوفِيَّةِ، أُقْعِدَ بَعْدَ الْجُنَيْدِ فِي مَجْلِسِهِ لِتَمَامِ حَالِهِ وَصِحَّةِ عِلْمِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيُّ: مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ النَّفْسُ صَارَ أَسِيرًا فِي حُكْمِ الشَّهَوَاتِ مَحْصُورًا فِي سِجْنِ الْهَوَى وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ الْفَوَائِدَ، فَلَا يَسْتَلِذُّ بِكَلَامِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ تِرْدَادُهُ عَلَى لِسَانِهِ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . لَا يَفْهَمُونَهُ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ لَذَّةٌ، صَرَفَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَهْمَ مُخَاطَبَاتِهِ، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِمْ سَبِيلَ فَهْمِ كِتَابِهِ وَسَلَبَهُمُ الانْتِفَاعَ بِالْمَوَاعِظِ، فَلَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَلَا يَسْلُكُونَ سَبِيلِهِ. وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ: الرَّجَاءُ طَرِيقُ الزُّهَّادِ، وَالْخَوْفُ سُلُوكُ الْأَبْطَالِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيُّ: كُنْتُ عَلَى بِسَاطِ الْأُنْسِ وَفُتِحَ لِي طَرِيقُ الْبَسْطِ، فَزَلَلْتُ زَلَّةً فَحُجِبْتُ عَنْ مَقَامِي فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ دُلَّنِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَبَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: يَا أَخِي، الْكُلُّ فِي قَهْرٍ هَذِهِ الْخُطَّةِ، لَكِنِّي أُنْشِدُكَ أَبْيَاتًا لِبَعْضِهِمْ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: قِفْ بِالدِّيَارِ فَهَذِهِ آثَارُهُمْ ... تَبْكِي الْأَحِبَّةَ حَسْرَةً وتَشَوُّقًا كَمْ قَدْ وَقَفْتُ بِهَا أُسَائِلُ مُخْبِرًا ... عَنْ أهْلِهَا أَوْ صَادِقًا أَوْ مُشفِقًا فَأَجَابَنِي دَاعِي الْهَوَى فِي رَسْمِهَا ... فَارَقْتَ مَنْ تَهْوَى فَعَزَّ الْمُلْتَقَى