page 742, entry [426]Open original source
ذِكْرُ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ﵀ الثَّوْرِيُّ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو يَزِيدَ، مِنَ الْعُبَّادِ السَّبْعَةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. رَوَى عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ , قَالَ: جَاءَ ابْنُ الْكَوَّاءِ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، قَالَ: مَنْ كَانَ مَنْطِقُهُ تَذَكُّرًا، وَمَسِيرُهُ تَدَبُّرًا. وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ فَقِيلَ لَهُ لَوْ تَدَاوَيْتَ، فَقَالَ «إِنَّ الدَّوَاءَ حَقٌّ , وَلَكِنْ ذَكَرْتُ عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، كَانَ فِيهِمُ الْأَوْجَاعُ، وَلَهُمُ الْأَطِبَّاءُ فَمَا بَقِيَ الْمُدَاوَى وَلَا الْمُدَاوِي» . ثُمَّ يَقُولُ: أَعِدَّ زَادَكَ، وُخُدْ فِي جِهَازِكَ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، إِذَا رَآهُ قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] . أَمَا إِنَّ مُحَمَّدًا لَوْ رَآكَ لَأَحَبَّكَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: كُلُّ مَا لَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ يَضْمَحِلُّ، وَكَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِذَا سَمِعَ وَقْفًا خَافَتَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَجِيءُ وَقَدْ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَيُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ. وَقَالَ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ: كَانَ الرَّبِيعُ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُ، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَطِعْهُ فِيمَا عَلِمْتَ وَمَا اسْتُؤْثِرَ بِهِ عَلَيْكَ فَكُلُّهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَخْزِنْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ إِلَّا مِمَّا لَكَ، لِأَنِّي عَلَيْكُمْ فِي الْعَمْدِ أَخْوَفُ مِنِّي عَلَيْكُمْ فِي الْخَطَإِ , وَمَا خَيَّرْتُكُمُ الْيَوْمَ بِخَيْرٍ وَلَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ آخِرِ شَرٍّ مِنْهُ، وَمَا تَتَّبِعُونَ الْخَيْرَ حَقَّ اتِّبَاعِهِ وَمَا تَفِرُّونَ مِنَ الشَّرِّ حَقَّ فِرَارِهِ، وَلَا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَدْرَكْتُمْ، وَلَا كُلَّ مَا تَقْرَءُونَ تَدْرُونَ مَا هُوَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّرَائِرَ السَّرَائِرَ اللَّائِي تُخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَهُنَّ لِلَّهِ بِوَادٍ الْتَمِسُوا دَوَاءَهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: وَمَا دَوَاؤُهُنَّ إِلَّا أَنْ تَتُوبَ ثُمَّ لَا تَعُودَ. وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى تُبَلَّ لِحْيَتَهُ دُمُوعُهُ وَيَقُولُ: أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا نَحْنُ فِي جَنْبِهِمْ لُصُوصٌ. وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَدْرُونَ مَا الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ وَالشِّفَاءُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: الدَّاءُ الذُّنُوبُ، وَالدَّوَاءُ الاسْتِغْفَارُ، وَالشِّفَاءُ: أَنْ تَتُوبَ ثُمَّ لَا تَعُودَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ إِلَّا بِتِسْعٍ: تَسْبِيحٌ , وَتَكْبِيرٌ , وَتَهْلِيلٌ , وَتَمْجِيدٌ , وَسُؤَالُكَ الْخَيْرَ، وَتَعَوُّذُكَ الشَّرَّ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مَاعِزٍ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَمَعَنَا الرَّبِيعُ فَمَررْنَا عَلَى حَدَّادٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَى حَدِيدَةٍ فِي النَّارِ، فَنَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَيْهَا فَتَمَايَلَ لِيَسْقُطَ، فَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى أَتُونِ بَعْضِ الْحَدَّادِينَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ تَلَهَّبُ النَّارُ فِي وَجْهِهِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] . فَصُعِقَ الرَّبِيعُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَمَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى دَارِهِ وَرَابَطَهُ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: يَا رَبِيعُ، يَا رَبِيعُ، فَلَمْ يُجِبْ، وَرَابَطَهُ إِلَى الْعَصْرِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَرَجَعَ وَقَالَ: يَا رَبِيعُ يَا رَبِيعُ فَلَمْ يُفِقْ فَرَابَطَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَبِيعُ يَا رَبِيعُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ضَرَبَهُ بَرْدُ السَّحَرِ. وَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: مَا نَرَاكَ تَعِيبُ أَحَدًا وَلَا تَذُمُّهُ، قَالَ: مَا أَنَا عَنْ نَفْسِي بِرَاضٍ فَأَتَفَرَّغَ مِنْ ذَنْبِي إِلَى حَدِيثِ النَّاسِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ , وَجَاهِلٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا تُؤْذِهِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا تُجَاهِلْهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ الْغَائِبَ إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ رُجِيَتْ جِيئَتُهُ، وَانْتَظَرَهُ أَهْلُهُ وَأَوْشَكَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ نُسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ: رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَائِمًا يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] . فَمَكَثَ لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحَ مَا يَجُوزُ هَذِهِ إِلَى غَيْرِهَا بِبُكَاءٍ شَدِيدٍ. وَعَنْ عَاصِمٍ , قَالَ: قِيلَ لِلرَّبِيعِ: أَلَا تَتَمَثَّلُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ فَقَدْ كَانَ أَصْحَابُكَ يَتَمَثَّلُونَ؟ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ تُكُلِّمَ بِهِ إِلَّا كُتِبَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَقْرَأَ فِي كِتَابِي بَيْتَ شِعْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ، فَكَانَ يُحْمَلُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُخِّصَ لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النِّدَاءَ بِالْفَلَاحِ، فَإِذَا سَمِعْتُمُوهُ فَأَجِيبُوهُ وَلَوْ زَحْفًا وَلَوْ حَبْوًا. وَقَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ لِرَبِّهِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَعْنِي يَسْتَبْطِئُ الرَّحْمَةَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ: رَبِّ قَدْ أَدَّيْتُ الَّذِي عَلَيَّ فَأَدِّ مَا عَلَيْكَ. وَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ مَطْرُوحٌ فَتَجِيءُ الْعَصَافِيرُ فَتَقَعُ عَلَيْهِ. وَقَالَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ الرَّبِيعُ لَا يُعْطِي السَّائِلَ أَقَلَّ مِنْ رَغِيفٍ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَرَى غَدًا فِي مِيزَانِي نِصْفَ رَغِيفٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا جَلَسَ الرَّبِيعُ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ مُنْذُ تَأَزَّرَ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ رَجُلٌ فَلَا أَنْصُرَهُ، أَوْ يَفْتَرِي رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَأُكَلِّفَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ، أَوْ لَا أَغُضَّ الْبَصَرَ، أَوْ يَقَعَ عَنِ الْحَامِلِ فَلَا أُحْمَلُ عَلَيْهِ. حُكِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فِي الْمَكْتَبِ يَبْكُونَ فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ يَا مَعْشَرَ الصِّبْيَانِ؟ قَالُوا: إِنَّ هَذَا يَوْمُ الْخَمِيسِ يَوْمُ عَرْضِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُعَلِّمِ فَنَخْشَى أَنْ يَضْرِبَنَا، فَبَكَى الرَّبِيعُ , وَقَالَ: يَا نَفْسُ كَيْفَ بِيَوْمِ عَرْضِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَبَّارِ.