full passagepage 625, entry [392]5,953 chars
٣٦٥ - علىّ بن جمعة بن أبي بكر البغدادي ، خادم مقام الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، هو وآباؤه. أخبرني بما يدل على أنه ولد سنة خمسين وسبعمائة أو بعدها، وأن سلفه ناس صالحون، وأنه كان لجده أخ اسمه عبد الملك، كان يركب السباع. ونشأ الشيخ على في بغداد، وتعلم صنائع، ثمّ ساح في البلاد، وطوف العراق والبحرين وال…
▸ expand full passage (5,953 chars)▾ collapse
٣٦٥ - علىّ بن جمعة بن أبي بكر البغدادي ، خادم مقام الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، هو وآباؤه. أخبرني بما يدل على أنه ولد سنة خمسين وسبعمائة أو بعدها، وأن سلفه ناس صالحون، وأنه كان لجده أخ اسمه عبد الملك، كان يركب السباع. ونشأ الشيخ على في بغداد، وتعلم صنائع، ثمّ ساح في البلاد، وطوف العراق والبحرين والهند وأرض العجم وما وراء النهر. وأخبرني أنه رأى دمدمكى (¬١) بقريته المسماة باسمه، وهو الشيخ الذي شاع بين الناس أنه مات في التشهد، وأنه لم يدفن بل ترك جالسا في مكانه على حاله، وأنه إذا ذكر اللّه اهتز؛ فأخبرني أنه شاهده يهتز إذا قيل التحيات للّه والصلوات والطيبات واللّه أعلم. وأنا لا أخشى أنه يكذب؛ فإنه صادق اللهجة، وإنما أخشى أن يكون ليس عليه، لسلامة صدره، وعدم تيقظه لمكر أهل الزوايا. ثم حج وطوف البلاد الشامية، ثم قدم القدس وسكن به، وبالخليل ونابلس، وطوف في تلك البلاد، ثمّ قدم القاهرة وسكنها، وطوف في ريفها وارتزق بها من صنعة الشرائط. وشاهدته بخط الخريزاتيين بين القصرين تجاه الظاهرية (¬٢) العتيقة يصنع ذلك. وشاع عنه في سنة ٨٤٤ أن السباع إذا مرّ بها السبّاعون عليه تأتيه تتلمس به على هيئة السلام عليه، فذهبت فشاهدت الأسد أتى إليه، فاعتنقه الأسد وشرع يحن إليه حنينا متصلا، وينقل رأسه من جانب عنقه الأيسر إلى جانبها الأيمن وبالعكس، ويتمسح به ويخرج لسانه كأنه يريد أن يلحسه، ولا يلحسه … (¬٣) إلا بحالة من ذهب واحدها، ثم وجدته بعد يأس وطول مدة، وطال الأمر على السبّاعين؛ فشرع أحدهم يرفع الأسد ليذهبوا به فلا يقدر، فقال له:رفيقه اتركه لا يجرحك، وطال أيضا على الأسد وقوفه على الأرض؛ فطلع إلى دكان الشيخ علىّ وربض بها، فصارت رجلاه وعجزه في الدكان ويداه على كتفيه، وهو معانق له يحن إليه والشيخ علىّ يملّس على الأسد، ثم رفع الشيخ يد الأسد عن كتفه، وقال له: نعمة ورفعة، فأخذه السبّاعون وذهبوا. ثمّ شاهدت مرة أخرى السبّاعين أتوا بأسد من الجانب الذي تجاه دكانه، كأنهم يريدون أن يبعدوا بالأسد عنه ليعموا عليه أمره فينساه، فشرع يجذبهم إلى جهته جذبا منكرا وهم يسحبونه بالسلاسل إلى خلف، وهو لا يزاد إلا قوة في الجذب ويتقدم، فلما قرب منه صاح عليهم الناس ليطلقوه، ففعلوا، فأسرع الذهاب إليه واعتنقه وشرع يحن حنينا أقوى من الأول، فسألت الثقات المتثبتين من جيرانه في السوق الذين جاوروه نيفا وعشرين سنة عن دينه، فأخبروني: أنه يلازم الصلاة في أول وقتها مع الجماعة، وأنه كثير الذكر وأن ذكره تحن إليه القلوب وتخشع عند سماعه النفوس، ثم سمعت ذكره فوجدته لعمري كذلك، لا يظهر عليه تغير بكثرة اجتماع الناس، ولا يقلقهم. وأخبروني أنه إذا باع بيعة بدرهم ونصف، وأخرى بثلاثة أرباع مثلا، يسألهم أن يحسبوا له ذلك لعدم معرفته به، وأنه شديد الانقباض عن الناس، وفي خلقه حده، فكانوا في أوائل سكناه عندهم يثقلون عليه بالكلام فيتبرم منهم، وتظهر عليه تلك الحدة، فنسبوه إلى الجنون، وأنهم لم يروا عليه ما ينكر في بيع ولا غيره، ولا جربوا عليه كذبة. فاجتمعت به وسألته الدعاء؛ فدعا لي دعاء منه: أن اللّه تعالى يؤيدني من فضله. وسأله شخص بحضرتي عن رأس ماله، فقال: سبعة دراهم ونصف يعنى فلوسا، والذي في دكانه شاهد بذلك، فأعطيته قطعة فضة بنحو الاثني عشر فأخذه، وأخبرت بعد ذلك أن ناسا أعطوه فلم يقبل منهم، وأنه لما أخذ منى كان عليه ديّن صرفه فيه. دعوته إلى مسجدى فأبى، فقلت له الحديث الذي فيه: «لو دعيت إلى كراع لأجبت». وقيل له أنى لست من أهل الدنيا؛ بل منقطع إلى اللّه تعالى اشتغل بالعلم فأجاب، وأطعمته فأكل عندي، وسألته عن نسبه، فأملاه علىّ. وسألته عن سبب مجيء السباع إليه في السنة المذكورة مع طول إقامته قبل ذلك بالقاهرة ولم يأتوه. فأخبرني وهو يظهر كراهة عليه الإخبار بذلك، أنه تقاول مع امرأة له فلعنت والديه، فقال لها: لا تلعنى، فإن بعض أجدادي كان يركب الأسد، وطلقها. وزاد أذى جيرانه في السوق له فقاللبعضهم: كف عنى وإلا ربطت لك الأسد هنا. فاستخفوا به، فلما مرّ عليه الأسد قال له: تعال. فجاءه. ثمّ صار كلما مرّ أسد دعاه فيجيء، ثمّ صاروا يأتونه بلا دعاء. وهو شيخ منور، عليه سكينة، كثير التواضع والهضم لنفسه، والإظهار لمن يجتمع به أنه في بركة أهل العلم ونحو ذلك من الكلام، ولا يخلو من بله غير قليل. وشرع غالب العامة ومن في معناهم من الطلبة يتوقفون في أمره وينكرون عليه إظهار هذا الأمر، أو حكايته له في بعض الأوقات مع مبادرتهم إلى اعتقاد من يزينه لهم إبليس؛ ممن يكشف عورته ويتكلم بالهذيان، ولا ينكرون عليه لعمري صريح المعاصي؛ بل يعتذرون عنه بأنه يخرب على نفسه، يعنون أنه يفعل ما يغطى به أمر ولايته. ولهم في مثل هذا أحوال شديدة النكارة منابذة لشرائع الإسلام، ولا سيما إن خلط هذيانه بما يدل على كشف بل ولو لم يكن في كلامه ذلك، فإنهم يصرفونه إليه، ويرتكبون فيه التآويل البعيدة، ولا شك أن هذا إذا كان مقصودا له يمكن أن يكون من الشياطين باستراق السمع أو نحو ذلك. وأما حذّاق الطلبة الذين جملهم اللّه بنور العلم فلم أر أحد منهم يشك في صلاحه. فكان توقف المحجوبين بظلمات الجهل فيه، واعتقاد أولى البصائر من الأدلة على خيره، نفعنا اللّه وإياكم ببركات الصالحين أجمعين. وحمل السكن بعض الناس أن سأله التوجه معه إلى زاوية كنفوش وأدخله إلى الأسد الذي بها، ورأيته أنا-وهو كبير-فصنع معه من المعانقة والخضوع ما صنع غيره، وشاع الخبر بذلك. وممن حدثني به الشيخ على نفسه. ثم صار الناس بعد ذلك يجتمعون عليه وهو في دكانه، ويزدحمون حتى يتضرر بذلك ويسألهم التفرق عنه، ويقول لهم إنه بطال، ونحو ذلك من العبارات التي يريد بها تزهيديهم فيه. ثم أخبرني بعض أصحابي من طلبة العلم: أن شخصا من جيران الشيخ علىّ حكى أنه سمع بقوله لزوجته عن ركوب بعض أجداده السبع في حين مقاولتهما. ثم أخبرني غير واحد ممن أثق به من جيرانه في السوق، منهم الذي كانت المقاولة معه أن الشيخ علىّ قال لهم ذلك، كما حكى لي وحلف لي بعضهم على ذلك باللّه وبالطلاق من زوجته، وقالوا: إن شخصا منهم كثير المزاح رصد الأسد حتى مرّ عليه، وقال له: يا شيخ علىّ هذا السبع قل له يجئ إليك؛ فقال له: تعال. وأشار إلى الأسد فجاء. قالوا: فتعجبنا من ذلك ولكن لم يبلغ منا مبلغا كبيرا، وصار بعضنا يقول: هذا الأسد مربوط الفم، يدعو غيره. فصار كلما مرّ أسد دعاه فيجيء وأفواههم محلولة، فخضعنا جميعاوقمنا من دكاكيننا نستعظفه، فقام هو أيضا من دكانه قائما وكشف رأسه ودعا لنا: فلا تتفرقون. فأخبرني من أثق به من طلبه العلم أنه سمعه يقول لهم: ما رأيتم شيطانا [ذاكرا] (¬١) غيرى. واستمرت الأسود تأتى إليه نحو خمسة أشهر من سنة أربع وأربعين، حتى كثر زحام الناس عليه لا سيما عند مجيء الأسد، فأخبرني في يوم الأربعاء رابع ذي الحجة أنه أخبر أنهم حلوا عن منديل شخص ذهبا وأخذوه، وكسر لبعض جيرانه أساور زجاج، واستشارنى في أنه إذا أحس مجيء الأسد يدخل إلى المدرسة الظاهرية العتيقة، فأشرت عليه بذلك وأعلمته أنى كنت أشتهي انقطاع ذلك عنه، وحمدت اللّه على إلهامه ما وقع في خاطري، وفي هذا اليوم أخبرت أنه فعل ذلك لما سمع بقرب الأسد. [ومات يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة ثمان وستين وثمانمائة على ما بلغني بالقاهرة] (¬٢).