برهان الدين البقاعي - عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران جـ 1 - 5
full-text— · 2 entries
- full passagepage 364, entry [161]8,237 chars
١٥١ - أبو بكر بن محمد بن علي [ابن أحمد] بن داود بن عبد الحافظ بن سرور بن بدر بن يوسف بن بدران بن مطر (¬٣٤٣) بن يعقوب، شقيق سيدي تاج العارفين أبى الوفا العراقي. وأبو الوفا اسمه محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن العريض الأكبر بن زيد بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم …
▸ expand full passage (8,237 chars)١٥١ - أبو بكر بن محمد بن علي [ابن أحمد] بن داود بن عبد الحافظ بن سرور بن بدر بن يوسف بن بدران بن مطر (¬٣٤٣) بن يعقوب، شقيق سيدي تاج العارفين أبى الوفا العراقي. وأبو الوفا اسمه محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن العريض الأكبر بن زيد بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الشيخ تقى الدين بن أبي الوفا القدسي الشافعي. ولد [أبو بكر] (¬٣٤٤) سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بالقدس الشريف وقرأ بها القرآن وحفظ كتبا فيها «المنهاج» للنووي بعد أن كان حفظ غالب «التنبيه» وأخذ الفقه عن الشيخ شهاب الدين بن الهائم وكذا النحو، وبحث عليه جميع كتابه «السماط» وقرأ في كتب الصوفية كالعوارف واللباب لأحمد أخي الغزالي وغالب «الإحياء» على الشيخ يوسف الإمام الصفدي، وكذا بحث بعض «الإحياء» على الشيخ إبراهيم المزي وسلك هذه الطريق واختلى على يد الشيخ شهاب الدين أحمد بن الموله خال والده ثم على الشيخ زين الدين الحافي واستخلفه على جميع أصحابه في كل البلاد، وسار سيرة حسنة في طريقه؛ وجمع النّاس على الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتخليص المظاليم من نواب القدس وسائر الظلمة مع مداراة الناس ومعرفة استعطاف قلوبهم حتى كان المرجع إليه في الأمور المعضلة في القدس وبلادها، وهو أمثل المتصوّفة في زماننا باعتبار تشرّعه وشدّة انقياده إلى الحق وصلابته في الأمر بالمعروف وعفته وكرمه، على قلة ذات اليد. ثم بنى الأمير حسن الكشكلى (¬٣٤٥) مدرسة في المسجد الأقصى بعد سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وجعله شيخه وهو بها الآن، وتردّد إلى القاهرة مرارا، وكان معظما عندالملوك فمن دونهم، وعلى ذكره رونق وأنس زايد، لا يترك جماعته يصنعون شيئا ممّا يصنعه المتصوّفة من الصّياح والعجلة ونحو ذلك مما يظهرون به التواجد والغياب عن الحس. وله قدرة على إبداء ما في نفسه بعبارة غالبها مسجوع، وله نظم فيه الجيّد، وسمع الحديث على شيخنا الزين عبد الرحمن (¬٣٤٦) القبابى القدسي والشمس الديري الخليلي وغيرهما. حكى لي قال: «كان بعض الأصدقاء يشير علىّ بقراءة كتب ابن عربى وأنظارها وبعض يمنع ذلك، فاستشرت الشيخ يوسف الإمام في ذلك فقال: «اعلم يا ولدى وفّقك اللّه تعالى أن هذا العلم المنسوب إلى ابن عربى ليس هو المخترع له وإنما هو كان ماهرا فيه، وقد ادّعى أنه لا يمكن معرفته إلّا بالكشف، فإذا صحّ مدّعاهم فلا فائدة في تقريره، لأنه إذا كان المقرر والمقرّر له مطّلعين فالتدبر تحصيل الحاصل، وإن كان المطلع أحدهما فتقريره لا ينفع الأخر وإلّا فهما يخبطان خبط عشواء، فسبيل العارف عدم البحث عن هذا العلم وعليه السلوك فيما يوصل إلى الكشف عن الحقائق، ومتى كشف له عن شئ علمه وسعى في ما هو أعلى منه» قال: «ثم استشرت في ذلك الشيخ زين الدين الحافي بعد أن ذكرت له كلام الشيخ يوسف فقال: كلام الشيخ حسن وأزيدك أن العبد إذا تخلّق ثم تحقّق ثم جذب اضمحلّت ذاته وذهبت صفاته وتخلّص من السوىّ، فعند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق فيطلع على كل شئ ويرى (¬٣٤٧) الله عند كل شئ فيغيب بالله عن كل شئ ولا يرى شيئا سواه، فيظن أن الله عين كل شئ، وهذا أول المقامات، فإذا ترقّى عن هذا المقام وأشرف عليه من مقام هو أعلى منه وعضّده التأييد الإلهى رأى أن الأشياء كلها قبض وجوده تعالى، لا عين وجوده، فالناطق حينئذ بما ظنه في أول مقام إما محروم ساقط وإما نادم تائب، وربما يفعل ما يشاء ويختار».وحكى لي أن الشيخ (¬٣٤٨) صالحا الزواوى-شيخنا-حصلت له جذبة في بلاد مصر في خلوة اختلاها وخرج من الخلوة وقد فتح عليه مع الجذب، ثم قدم القدس-وقد تراجع قليلا-ومعه الشيخ يوسف الصفى يخدمه ويحمل نعله، وعكف عليه العلماء وغالب (¬٣٤٩) الناس؛ ثم قال: «إنه جاء إلىّ وأنا شاب وطلب منّى أن أجيزه فقلت: يا سيدي أنا أطلب ذلك منكم، فقال: لا بدّ من ذلك فأنى لم يحصل لي هذا الفيض إلّا من جدّك (¬٣٥٠) تاج العارفين، فإني رأيت واقعة، وأشار إلىّ إشارات، فحصلت الجذبة في تلك الليلة، فامتثلت أمره، وكتبت: «الحمد للّه الذي جعل في كل وقت من يقوم بالوفا صالحا، وألهمه رشده إذ نجا مانحا، وأدرجه في سلسلة الفقراء الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم فترى نور السعادة عليهم لائحا، وشفاه إذ أسقاه أبو الوفا بالوفا، فأشربه شربة يشربها من سكر سكره وما صحا، أحمده حمد من غدا في جنات جنات الفردوس غاديا ورائحا، وبشر بنشر عرف عرف فاحت منه في أريج الأرجاء نفحات نفحات المسك فغدا الكون منه فائحا، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة يكون معتقدها في الميزان راجحا، والدليل إلى الفردوس بها واضحا، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفوته وخليله، حلية (¬٣٥١) الأولياء وتاج العارفين، إمام الأتقياء وأمان الخائفين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه كان لهم فاتحا، نبي بعثه الله رحمة من عنده، أخذ العهد والميثاق على آله وصحبه وجنده، وأوصى إلى أبى بكر الخليفة من بعده فكان من بعده لأمّته ناصحا، وبعد فقد ورد علىّ لزيارة القدس الشريف، الخيّر الصالح، العالي القدر المنيف، العالم العارف الناجح، سيدي الشيخ الصالح، ثم سألني في لبس الطريقة التي هي إن شاء الله إلى الجنة في الحقيقة، فتوقفت برهة تعظيما لقدره، ثم بادرت إلى ذلك امتثالا لأمره، وكنت أنا أولى بالسؤال وهو بالجواب، ولكن امتثال الأوامر من سلوك الآداب».وكان للشيخ زين الدين عبد الرحمن القرقشندى بنت خال تسمّى سارة وكان يهواها ويريد أن يتزوّجها، فطلبت منه أن تزور الخليل ﵇ وكان الوقت مخوفا، وكان من توجّه معه الشيخ أبو بكر أمن. لأن العرب وغيرهم (¬٣٥٢) يهابون أسلافه، فسألني فركبت معه وانضمّ إليه خلق كثير، قال: «ثم كنت في الطريق أراه يرسل إلى تلك المرأة من المآكل ونحوها مع خصى ولم أكن أعرف القضية، فأنكرت عليه فأوضح الحال وقال: لا بد أن يقول في هذا الأمر بيتين، فقلت مشيرا إلى عين الطواشى وعين سارة اللتين بطريق بلد الخليل: أرى عين الطّواشى يا خليلي … ترادونى على قرب الزيارة وما غنج (¬٣٥٣) العيون سلبن قلبي … ولكن لي هوى في عين ساره وأنشدني مجيبا لشخص اسمه أيوب اشتكى إليه شخصين من جماعته، اسم أحدهما محمد، قال «فقلت: الصّبر منك تأسّيا مطلوبى … إذ أنت اسمك يا فتى أيوب وجمال وجهك يوسفى وأنا الذي … لعظيم شوقى في الهوى يعقوب ومحبّة الفقراء حشو حشاشتى … وأنا الذي بحقوقهم مطلوب وإذا خطبت جماعتى في رفقة … فضلا فأنت الخاطب المخطوب لا تعجبوا لمحمّد وشقيقه … فقرابتى أبدا لهم أسلوب هم آل بدر والبئوسة طبعهم … والعفو عن هفواتهم مندوب وأنشدني: فاء الفقير فناؤه لبقائه … والقاف قرب محلّة بلقائه والياء يعلم كونه عبدا له … في جملة الطلقاء من عتقائه والراء: رقة (¬٣٥٤) جسمه من كسره … وعنائه وبلائه وشقائهقال: ثم سمعتها ببعض المخالفة من بعض الناس فلا أدرى هل سبقني أحد إلى نظمها، وكان هذا من مطابق الخاطر ووقع الحافر، أو أراني رأيت الأبيات ونسبتها إلى وبقي المعنى مرتسما ونظمت فجاء على هذا الأسلوب أو غير ذلك، فالله أعلم!» قال: وأرسل إلى إبراهيم بن أخي بيتين يعتذر فيهما من شئ خافه فقلت: وحقّ ما أنزل الرحمن في الصحف … على النبيين أهل الوحي والشّرف ونور أحمد هادي الخلق قاطبة … مبيد أهل الهوى والشّرك والتّرف وذو الجلال يراني مائلا أبدا … إلى ودادك في حولى وفي ضعفي لاحت بروقك روق كأس ودك لي … ولا يروق مقال الواله الكلف يا من ترى رأسه كان الفداء لها … لبان تربيتى من غير ما تخف من ذا تراييه في شعر تزخرفه … قصد استمالة خط لم يخف يا واحدا صار في سوداء منزلة … وزهو ورد صفاه غير مقتطف ان غبت نار إبراهيم مضرمة … في خاطري ولسان العجز لم يصف وإن حضرت فلى أنسى أسامره … كقاتلى قد أتته سائر التحف مقام إنسان إبراهيم ليس له … سواه من سائر الأسلاف والخلف قل للمحبين والأصحاب قاطبة … أقاربى (¬٣٥٥) وجميع [الناس] كل صفى عمّى أبو بكر قد ضاقت مذاهبه … من كثرة الهمّ والأكدار والكلف وأكثر العمر قد ولّى فوا أسفى … لو كان يجبر ما قد فات بالأسف منوّا عليه جميعا بالدعاء عسى … يزويه ربىّ من النيران في كنف فعمره قد تولّى ما له عوض … هل تحلف الدار في الأكتاف بالصّدف لكن لعلّ رسول اللّه ينجدنى … عند اشتداد الأسى والكرب (¬٣٥٦) واللّهف صلّى عليه إله العرش ما نفحت … ريح وما اشتداد الأسى والكرب واللّف والآل والصحب والأنصار قاطبة … أهل النضارة والإحسان والصلفوحدّثنى قال: «حدثني خادم والدي الحاج يوسف الصّلتى الوفائى-وهو الآن حىّ وعمره نحو مائة وعشرين سنة-، قال: رأيت السلطان الملك المؤيّد في المنام وجلست إليه ثم اضطجع فأخذت رجليه أغمرهما بالقبل وسألته أن يرتّب لي شيئا أستعين به على القوت، فأخذ بيدي ثم مضى إلى قوم يكتبون فقال: اكتبوا لهذا نصف درهم في كلّ يوم، قال، فقلت: وماذا يعنيني النصف؟ فقال لي: اقنع به إلى حين: قال: واستيقظت فصار أمرى بعد ذلك أنه إذا حصل لي شئ في الدّنيا أنفقه ثم أمكث برهة لا يحصل لي شئ حتى يكون ما حصل فأسقط كلّ يوم نصفا وهلمّ جرا إلى الآن لا يزيد ولا ينقص، وذلك من غرائب المنامات» قال: ورأيت في كتاب اللمعة الصغرى تصنيف أبى البدر العبدرجى العراقي في مناقب تاج العارفين أبى الوفا أن القطب أبا محمد عبد الرحمن الطفنسونجى سأل شيخه الشيخ أبا الوفا تاج العارفين قدّس الله سرّه عن شيخه أبى محمد طلحة الشنبكى وعن وصوله إلى الله تعالى في ثلاثة أيام على يد شيخه الأستاذ أبى بكر بن هدار البطائحي هل لذلك صحة أم لا؟ وما معنى الوصول؟، فقال: نعم، إنّه أمره في أول يوم أخذ عليه شرط التوبة أن يأتم به في صلاة ركعتين ويؤمّن على دعائه، فأجاب إلى ذلك. وكان من دعائه أنّه يسأل الله تعالى أن يهب لأبى محمد قوة يقدر بها على طاعة شيخه فيما يأمر به ثم أمره في إثر ذلك بالخروج عن الدنيا فلا يبيت في قلبه منها ذرة، فأعين على ذلك حتى كان؛ ثم أمره في اليوم الثاني بذلك ثم دعاه لذلك، ثم أمره أن يترك الآخرة فلا يبيت في قلبه منها ذرّة ثم صنع في اليوم الثالث كذلك وأمره أن يطلب مجردا عمّا سواه ففعل، وأتمّ اللّه تعالى قصده.
- full passagepage 364, entry [161]8,237 chars
١٥١ - أبو بكر بن محمد بن علي [ابن أحمد] بن داود بن عبد الحافظ بن سرور بن بدر بن يوسف بن بدران بن مطر (¬٣٤٣) بن يعقوب، شقيق سيدي تاج العارفين أبى الوفا العراقي. وأبو الوفا اسمه محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن العريض الأكبر بن زيد بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم …
▸ expand full passage (8,237 chars)١٥١ - أبو بكر بن محمد بن علي [ابن أحمد] بن داود بن عبد الحافظ بن سرور بن بدر بن يوسف بن بدران بن مطر (¬٣٤٣) بن يعقوب، شقيق سيدي تاج العارفين أبى الوفا العراقي. وأبو الوفا اسمه محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن العريض الأكبر بن زيد بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الشيخ تقى الدين بن أبي الوفا القدسي الشافعي. ولد [أبو بكر] (¬٣٤٤) سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بالقدس الشريف وقرأ بها القرآن وحفظ كتبا فيها «المنهاج» للنووي بعد أن كان حفظ غالب «التنبيه» وأخذ الفقه عن الشيخ شهاب الدين بن الهائم وكذا النحو، وبحث عليه جميع كتابه «السماط» وقرأ في كتب الصوفية كالعوارف واللباب لأحمد أخي الغزالي وغالب «الإحياء» على الشيخ يوسف الإمام الصفدي، وكذا بحث بعض «الإحياء» على الشيخ إبراهيم المزي وسلك هذه الطريق واختلى على يد الشيخ شهاب الدين أحمد بن الموله خال والده ثم على الشيخ زين الدين الحافي واستخلفه على جميع أصحابه في كل البلاد، وسار سيرة حسنة في طريقه؛ وجمع النّاس على الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتخليص المظاليم من نواب القدس وسائر الظلمة مع مداراة الناس ومعرفة استعطاف قلوبهم حتى كان المرجع إليه في الأمور المعضلة في القدس وبلادها، وهو أمثل المتصوّفة في زماننا باعتبار تشرّعه وشدّة انقياده إلى الحق وصلابته في الأمر بالمعروف وعفته وكرمه، على قلة ذات اليد. ثم بنى الأمير حسن الكشكلى (¬٣٤٥) مدرسة في المسجد الأقصى بعد سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وجعله شيخه وهو بها الآن، وتردّد إلى القاهرة مرارا، وكان معظما عندالملوك فمن دونهم، وعلى ذكره رونق وأنس زايد، لا يترك جماعته يصنعون شيئا ممّا يصنعه المتصوّفة من الصّياح والعجلة ونحو ذلك مما يظهرون به التواجد والغياب عن الحس. وله قدرة على إبداء ما في نفسه بعبارة غالبها مسجوع، وله نظم فيه الجيّد، وسمع الحديث على شيخنا الزين عبد الرحمن (¬٣٤٦) القبابى القدسي والشمس الديري الخليلي وغيرهما. حكى لي قال: «كان بعض الأصدقاء يشير علىّ بقراءة كتب ابن عربى وأنظارها وبعض يمنع ذلك، فاستشرت الشيخ يوسف الإمام في ذلك فقال: «اعلم يا ولدى وفّقك اللّه تعالى أن هذا العلم المنسوب إلى ابن عربى ليس هو المخترع له وإنما هو كان ماهرا فيه، وقد ادّعى أنه لا يمكن معرفته إلّا بالكشف، فإذا صحّ مدّعاهم فلا فائدة في تقريره، لأنه إذا كان المقرر والمقرّر له مطّلعين فالتدبر تحصيل الحاصل، وإن كان المطلع أحدهما فتقريره لا ينفع الأخر وإلّا فهما يخبطان خبط عشواء، فسبيل العارف عدم البحث عن هذا العلم وعليه السلوك فيما يوصل إلى الكشف عن الحقائق، ومتى كشف له عن شئ علمه وسعى في ما هو أعلى منه» قال: «ثم استشرت في ذلك الشيخ زين الدين الحافي بعد أن ذكرت له كلام الشيخ يوسف فقال: كلام الشيخ حسن وأزيدك أن العبد إذا تخلّق ثم تحقّق ثم جذب اضمحلّت ذاته وذهبت صفاته وتخلّص من السوىّ، فعند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق فيطلع على كل شئ ويرى (¬٣٤٧) الله عند كل شئ فيغيب بالله عن كل شئ ولا يرى شيئا سواه، فيظن أن الله عين كل شئ، وهذا أول المقامات، فإذا ترقّى عن هذا المقام وأشرف عليه من مقام هو أعلى منه وعضّده التأييد الإلهى رأى أن الأشياء كلها قبض وجوده تعالى، لا عين وجوده، فالناطق حينئذ بما ظنه في أول مقام إما محروم ساقط وإما نادم تائب، وربما يفعل ما يشاء ويختار».وحكى لي أن الشيخ (¬٣٤٨) صالحا الزواوى-شيخنا-حصلت له جذبة في بلاد مصر في خلوة اختلاها وخرج من الخلوة وقد فتح عليه مع الجذب، ثم قدم القدس-وقد تراجع قليلا-ومعه الشيخ يوسف الصفى يخدمه ويحمل نعله، وعكف عليه العلماء وغالب (¬٣٤٩) الناس؛ ثم قال: «إنه جاء إلىّ وأنا شاب وطلب منّى أن أجيزه فقلت: يا سيدي أنا أطلب ذلك منكم، فقال: لا بدّ من ذلك فأنى لم يحصل لي هذا الفيض إلّا من جدّك (¬٣٥٠) تاج العارفين، فإني رأيت واقعة، وأشار إلىّ إشارات، فحصلت الجذبة في تلك الليلة، فامتثلت أمره، وكتبت: «الحمد للّه الذي جعل في كل وقت من يقوم بالوفا صالحا، وألهمه رشده إذ نجا مانحا، وأدرجه في سلسلة الفقراء الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم فترى نور السعادة عليهم لائحا، وشفاه إذ أسقاه أبو الوفا بالوفا، فأشربه شربة يشربها من سكر سكره وما صحا، أحمده حمد من غدا في جنات جنات الفردوس غاديا ورائحا، وبشر بنشر عرف عرف فاحت منه في أريج الأرجاء نفحات نفحات المسك فغدا الكون منه فائحا، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة يكون معتقدها في الميزان راجحا، والدليل إلى الفردوس بها واضحا، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله وصفوته وخليله، حلية (¬٣٥١) الأولياء وتاج العارفين، إمام الأتقياء وأمان الخائفين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه كان لهم فاتحا، نبي بعثه الله رحمة من عنده، أخذ العهد والميثاق على آله وصحبه وجنده، وأوصى إلى أبى بكر الخليفة من بعده فكان من بعده لأمّته ناصحا، وبعد فقد ورد علىّ لزيارة القدس الشريف، الخيّر الصالح، العالي القدر المنيف، العالم العارف الناجح، سيدي الشيخ الصالح، ثم سألني في لبس الطريقة التي هي إن شاء الله إلى الجنة في الحقيقة، فتوقفت برهة تعظيما لقدره، ثم بادرت إلى ذلك امتثالا لأمره، وكنت أنا أولى بالسؤال وهو بالجواب، ولكن امتثال الأوامر من سلوك الآداب».وكان للشيخ زين الدين عبد الرحمن القرقشندى بنت خال تسمّى سارة وكان يهواها ويريد أن يتزوّجها، فطلبت منه أن تزور الخليل ﵇ وكان الوقت مخوفا، وكان من توجّه معه الشيخ أبو بكر أمن. لأن العرب وغيرهم (¬٣٥٢) يهابون أسلافه، فسألني فركبت معه وانضمّ إليه خلق كثير، قال: «ثم كنت في الطريق أراه يرسل إلى تلك المرأة من المآكل ونحوها مع خصى ولم أكن أعرف القضية، فأنكرت عليه فأوضح الحال وقال: لا بد أن يقول في هذا الأمر بيتين، فقلت مشيرا إلى عين الطواشى وعين سارة اللتين بطريق بلد الخليل: أرى عين الطّواشى يا خليلي … ترادونى على قرب الزيارة وما غنج (¬٣٥٣) العيون سلبن قلبي … ولكن لي هوى في عين ساره وأنشدني مجيبا لشخص اسمه أيوب اشتكى إليه شخصين من جماعته، اسم أحدهما محمد، قال «فقلت: الصّبر منك تأسّيا مطلوبى … إذ أنت اسمك يا فتى أيوب وجمال وجهك يوسفى وأنا الذي … لعظيم شوقى في الهوى يعقوب ومحبّة الفقراء حشو حشاشتى … وأنا الذي بحقوقهم مطلوب وإذا خطبت جماعتى في رفقة … فضلا فأنت الخاطب المخطوب لا تعجبوا لمحمّد وشقيقه … فقرابتى أبدا لهم أسلوب هم آل بدر والبئوسة طبعهم … والعفو عن هفواتهم مندوب وأنشدني: فاء الفقير فناؤه لبقائه … والقاف قرب محلّة بلقائه والياء يعلم كونه عبدا له … في جملة الطلقاء من عتقائه والراء: رقة (¬٣٥٤) جسمه من كسره … وعنائه وبلائه وشقائهقال: ثم سمعتها ببعض المخالفة من بعض الناس فلا أدرى هل سبقني أحد إلى نظمها، وكان هذا من مطابق الخاطر ووقع الحافر، أو أراني رأيت الأبيات ونسبتها إلى وبقي المعنى مرتسما ونظمت فجاء على هذا الأسلوب أو غير ذلك، فالله أعلم!» قال: وأرسل إلى إبراهيم بن أخي بيتين يعتذر فيهما من شئ خافه فقلت: وحقّ ما أنزل الرحمن في الصحف … على النبيين أهل الوحي والشّرف ونور أحمد هادي الخلق قاطبة … مبيد أهل الهوى والشّرك والتّرف وذو الجلال يراني مائلا أبدا … إلى ودادك في حولى وفي ضعفي لاحت بروقك روق كأس ودك لي … ولا يروق مقال الواله الكلف يا من ترى رأسه كان الفداء لها … لبان تربيتى من غير ما تخف من ذا تراييه في شعر تزخرفه … قصد استمالة خط لم يخف يا واحدا صار في سوداء منزلة … وزهو ورد صفاه غير مقتطف ان غبت نار إبراهيم مضرمة … في خاطري ولسان العجز لم يصف وإن حضرت فلى أنسى أسامره … كقاتلى قد أتته سائر التحف مقام إنسان إبراهيم ليس له … سواه من سائر الأسلاف والخلف قل للمحبين والأصحاب قاطبة … أقاربى (¬٣٥٥) وجميع [الناس] كل صفى عمّى أبو بكر قد ضاقت مذاهبه … من كثرة الهمّ والأكدار والكلف وأكثر العمر قد ولّى فوا أسفى … لو كان يجبر ما قد فات بالأسف منوّا عليه جميعا بالدعاء عسى … يزويه ربىّ من النيران في كنف فعمره قد تولّى ما له عوض … هل تحلف الدار في الأكتاف بالصّدف لكن لعلّ رسول اللّه ينجدنى … عند اشتداد الأسى والكرب (¬٣٥٦) واللّهف صلّى عليه إله العرش ما نفحت … ريح وما اشتداد الأسى والكرب واللّف والآل والصحب والأنصار قاطبة … أهل النضارة والإحسان والصلفوحدّثنى قال: «حدثني خادم والدي الحاج يوسف الصّلتى الوفائى-وهو الآن حىّ وعمره نحو مائة وعشرين سنة-، قال: رأيت السلطان الملك المؤيّد في المنام وجلست إليه ثم اضطجع فأخذت رجليه أغمرهما بالقبل وسألته أن يرتّب لي شيئا أستعين به على القوت، فأخذ بيدي ثم مضى إلى قوم يكتبون فقال: اكتبوا لهذا نصف درهم في كلّ يوم، قال، فقلت: وماذا يعنيني النصف؟ فقال لي: اقنع به إلى حين: قال: واستيقظت فصار أمرى بعد ذلك أنه إذا حصل لي شئ في الدّنيا أنفقه ثم أمكث برهة لا يحصل لي شئ حتى يكون ما حصل فأسقط كلّ يوم نصفا وهلمّ جرا إلى الآن لا يزيد ولا ينقص، وذلك من غرائب المنامات» قال: ورأيت في كتاب اللمعة الصغرى تصنيف أبى البدر العبدرجى العراقي في مناقب تاج العارفين أبى الوفا أن القطب أبا محمد عبد الرحمن الطفنسونجى سأل شيخه الشيخ أبا الوفا تاج العارفين قدّس الله سرّه عن شيخه أبى محمد طلحة الشنبكى وعن وصوله إلى الله تعالى في ثلاثة أيام على يد شيخه الأستاذ أبى بكر بن هدار البطائحي هل لذلك صحة أم لا؟ وما معنى الوصول؟، فقال: نعم، إنّه أمره في أول يوم أخذ عليه شرط التوبة أن يأتم به في صلاة ركعتين ويؤمّن على دعائه، فأجاب إلى ذلك. وكان من دعائه أنّه يسأل الله تعالى أن يهب لأبى محمد قوة يقدر بها على طاعة شيخه فيما يأمر به ثم أمره في إثر ذلك بالخروج عن الدنيا فلا يبيت في قلبه منها ذرة، فأعين على ذلك حتى كان؛ ثم أمره في اليوم الثاني بذلك ثم دعاه لذلك، ثم أمره أن يترك الآخرة فلا يبيت في قلبه منها ذرّة ثم صنع في اليوم الثالث كذلك وأمره أن يطلب مجردا عمّا سواه ففعل، وأتمّ اللّه تعالى قصده.