Hadithcore

Narrator · #500906

نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام

نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام

Appears in 0 hadiths

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

1 book · 1 entry

Aqwāl al-jarḥ wa-l-taʿdīl

1 book · 1 entry · 1 full-text · 0 snippets

Verbatim quotations from classical biographical dictionaries, ordered by the author's death year. We display every report; we do not adjudicate between them.

بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

full-text

· 1 entry

  • full passagepage 2217, entry [586]24,306 chars
    ذكر نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام وكان السبب [في] (¬٥) ذلك سعى الأمراء الذين هربوا من السلطان والتجأوا بخربندا والتتار، وهم: الأفرم، وقراسنقر، والزردكاش، وبلبان الدمشقي، وغيرهم كما ذكرنا فيما مضى مفصلًا (¬٦). ولما استقر هؤلاء الأمراء هناك، قالت أمراء المغل يومًا من الأيام لخربندا: والله،
    ▸ expand full passage (24,306 chars)
    ذكر نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام وكان السبب [في] (¬٥) ذلك سعى الأمراء الذين هربوا من السلطان والتجأوا بخربندا والتتار، وهم: الأفرم، وقراسنقر، والزردكاش، وبلبان الدمشقي، وغيرهم كما ذكرنا فيما مضى مفصلًا (¬٦). ولما استقر هؤلاء الأمراء هناك، قالت أمراء المغل يومًا من الأيام لخربندا: والله، لقد رَفعت منزلة هؤلاء الذين لو كان فيهم خير لما خامروا على أستاذهم الذي اشترى بعضهم واستخدم بعضهم ورباهم وخولهم في النعم والحكم وصرفهم في بلاده وبين رعاياه، فهذا كان جزاؤه منهم حيث لم يرعوا حقه ولا حفظوا حرمته، فإذا لم يكن لهؤلاء خيرللذي فعل معهم هذا الفعل فما يكون لك، وإش يُرْجى منهم الخير؟ فقال لهم خربندا: أخطأتم في هذا المقال، وحملكم الحسد والحقد، وهؤلاء استجاروا بنا والتجأوا إلينا، وليس من المروءة نخيبهم، فيا أمراء، لقد حضرت حكاية عجيبة اسمعوا لها، وهي أن موسى بن عمران ﵇ كان يومًا من الأيام جالسًا، وإذا بباز قد [طارد] (¬١) حمامة يريد قبضها، فاستجارت بموسى ﵇ ودخلت تحت ذيله، فأتى الباز وجلس بحذاء موسى ﵇، وقال له: يا نبي الله، سلم إلىَّ صيدي وإلا أشكوك غدا إلى الله تعالى ﷿، فتحير موسى ﵇، وقال إن الله تعالى قد قال: من أجار خائفًا كان جزاؤه الجنة، ومن أشبع جائعًا كان جزاؤه الجنة، وقد جاءني جائع وخائف، ورِضَى الواحد منهما هلاك الآخر، فكيف أصنع؟ ثم قال للباز: هل لك أن تتبعنى إلى منزلى لأذبح لك شاة من الغنم تأكل لحمها وتشرب دمها، فقال له: أنا ما آكل إلا مِنْ صَيدي ولا ألتفت إلى غيره، ثم قال موسى للحمامة: هل لك أن تذهبي إلى الباز ليأكلك وأضمن لك على الله ﷿ الجنة، فقالت الحمامة: يا موسى كيف تكون حليمًا عند غضب غيرك، لأى شيء هربت من فرعون حين أراد قتلك؟ لم لا وقفت له حتى كان قتلك، وكنت من أهل الجنة؟ فكيف يهون عليك ما يعز عليّ؟ وكذا أنتم، فعلى كل حال، هؤلاء غرماء وقد التجأوا إلىَّ ولا بد لي [من أن] (¬٢) أتبعهم إلى كل ما يرضيهم. ولما سمع المغل كلام خِربندا ورأوه منبسطًا معهم من غير عادة ويدافع عنهم، تركوا التعرض بالكلام، ولم يعد أحد منهم يذكرهم إلا بخير. ثم إن يومًا من الأيام جمع خربندا الأمراء للمشورة في العبور إلى الشام، فتكلم كل واحد من أمراء المغل بنوع من الحديث، فقال خربندا لقراسنقر والأفرم: ما لكم [لا] (¬٣) تتحدثون؟ فقال قراسنقر: أيد الله الخان، هؤلاء الأمراء أقدم منا، ونحن أناس غرباء فمايمكننا الكلام، فقال خربندا: نحن ما نعبر الشام إلا لأجلكم ولأجل أهلكم وأولادكم، فقام قراسنقر وقبل الأرض، وكذا قام معه بقية أصحابه من الأمراء ودعوا له، فانقضى ذلك النهار. ثم بعد ذلك طلب قراسنقر الحضور بين يدي خربندا في الخلوة، فأمر بإحضاره، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، فأمره بالجلوس فجلس، ثم قال له: ما يقول الأمير؟ فقال قراسنقر: أطال الله عمر الخان، أنتم ترسمون لنا بالحديث في مجالس الأمراء، وكل حديث نتحدث به فيها يُنقل إلى الملك الناصر أولًا فأولا وقتا فوقتا. فقال خربندا: ومن ينقل الكلام من مجلسي؟ فقال: يا مولانا أخبار الملوك تنقل من القصاد والذين يظهرون النصيحة، ألا تنظر إلى هؤلاء الفداوية كيف سبقونا إلى تبريز، فإن كان لمولانا نية في العبور إلى الشام يكون بمشورتنا بحيث لا يقف عليها أحد، ونتجهز ونروح وندهم، ولا يدري أحد بذلك، فقال له: كيف العمل؟ فقال غدًا إذا حضرت مع الأمراء اطلبني إليك واخلع علىّ وعلى مَنْ معي من الأمراء، وقل لنا: يا أمراء خليتم أهلكم وأولادكم وبلادكم وإنا إن شاء الله تعالى ما أخيب سعيكم، ولكن ما في هذه السنة عبور إلى الشام، فإن شاء الله في السنة الآتية، ثم قل: أنا أوليكم بلاد خراسان فاستقلوا بها، فتروح الأخبار إلى الملك الناصر فيهل في أمرنا ويغفل، ثم لا يسمع إلا ونحن في بلاده، فقال خربندا: هذا رأي سديد. ثم إنه طلب جميع الأمراء، ومدَّ لهم سماطًا هائلًا، فأكلوا، ولما فرغوا خلع على قراسنقر وأصحابه، ثم قال لهم: يا أمراء خذوا لكم بلادا في خراسان واستقلوا بها، فقبلوا الأرض ودعوا له، فتحدث الناس بأن خربندا أعطى لأمراء الشام بلادًا من أعمال خراسان، واشتاع الخبر بذلك، ثم إن قراسنقر وجوبان، نائب خربندا، يدخلان عليه في الخلوة ويتحدثون في أمر الشام. وأرسل خربندا إلى جميع بلاده بأن تُحمل إليه الخيل والبغال، ويُجمع الشعير والأغنام، ثم أنهم اتفقوا على أنهم يعبرون إلى الشام في ثلاث فرق، كل فرقةخمسون ألفا: فرقة من ناحية الروم، وفرقة من ناحية الرحبة، وفرقة من ناحية البيرة، ثم سَيَّر خربندا إلى قزان جُق الذي هو في الروم من جهته، فقال له: قرر أمر الروم حتى نجهزكم إلى الشام. قال الراوي: ولما وصل القاصد إلى قزان جُق وبَلَّغه ما أمر به خربندا طلب أرنجي وتشاور معه في هذا الأمر، وقال له: متى خليتك في الروم وخرجت بالعسكر إلى ناحية الشام خرجت عليك التركمان وأخذوا منك البلاد، وذلك لأنه قد بلغني أن مقدم [التركمان] (¬١) الدوم ابن إيلامين يكاتب ابن قرمان، وقد عولت أن أمسكه قبل رواحي لتستقر البلاد، فاتفقوا على أنهم يبعثون خلفه فإذا حضر قبضوا عليه. وكان جميع أمراء قازان جق يحبون ابن إيلامين، فأرسلوا إليه وأعلموه في الباطن بأن قازان جق يريد أن يمسكك، فعند ذلك جمع أمراءه وأمرهم بالرحيل فرحلوا، وهم مقدار خمسين ألف بيت يطلبون ابن قرمان. فلما سمع قازان جق برحيله ركب خلفه بعشرين ألف فارس ولم يلحقهم، وقد عبروا الدربندات. وأما خربندا فإنه جهز جميع أشغاله وجمع العساكر من جميع الجهات، ولم يخلِّ في بلاده أحدًا حتى طلبه، فجهز جيشًا عظيمًا، فقال له جوبان: إن هذا الجيش ما تحمله الأرض ينزل فيها، فقال له خربندا: قد عولت إلى أفرق الجيش ثلاث فرق، وما نجتمع إلا في سنجار أو في الموصل، فقال: هذا هو الرأي. وكانت عُدة جيشه في ذلك الوقت مائة وخمسين ألفا، فأخذ منه قطعة وسلمها إلى جوبان، وقال له: خذ قراسنقر وروح على أخلاط وبدليس إلى البشيرية، وأنزل أنا على شهروز وأخرج إلى الموصل، ويكون اجتماعنا على الرحبة، ثم أرسل خربندا قاصدًا إلى الروم، فأخذ قازان جق عسكر الروم ونزل إلى الدربند إلى ناحية حلب، ولاقاهمالتركمان مع ابن قرمان [فوقعت] (¬١) بينهم حرب [شديدة] (¬٢)، فآخر الأمر انكسر قازان جق وتشتت شمله، وقُتل قزان جق، فجاء الخبر بذلك إلى خربندا وأنهم معولون إلى أخذ بلاد الروم. ولما سمع خربندا ذلك ضرب يده على يد، وقال: الله أكبر، كل ما نعزم على العبور إلى بلاد الشام يعرض أمر يعوقنا عن ذلك، وهذا من سعد الملك الناصر. ثم إنه طلب جوبان وقراسنقر والأفرم والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسرى وأمراء المغل، وأحضروا القاصد الذي أتي بخبر قازان جق، فقال خربندا: اسمعوا وانظروا ما قد نزل بقازان جق وأصحابه، فكيف العمل؟ ونحن قد جهزنا الجيش إلى الشام، وهؤلاء التركمان قد خرجت على عسكر الروم واستطالوا عليهم. فقال له بعض الأمراء: خلى التركمان وغيرهم وسيروا إلى الشام، فإذا فتحت الشام دلت (¬٣) البلاد للخان. فقال جوبان: والله هذا رأي فاسد، من لم ينظر في عواقب الأمور يقع في المحذور، وربما يكون الملك الناصر قد اتفق مع التركمان وتواعد معهم على أنهم يأتون من ورائنا إذا قابلنا عسكر الناصر ونبقى بين العسكرين. وتقدم قراسنقر أيضًا وقال: إن الأكراد في جبل هكار كلهم مع الملك الناصر، فنخاف أيضًا منهم أن ينزلوا من الجبال على بيوتنا فينهبوها وتتخبط البلاد، وما نعلم هل يكون النصر لنا أم علينا. فقال خربندا: ولا يمكن تعطيل حركتنا من بعد أن سُمع في البلاد أنا قد تجهزنا فيطمع كل أحد فينا.فتقدم في ذلك الوقت الأمير الزردكاش وقَبَّل الأرض، فسأله خربندا عن مقصوده، فقال: أطال الله عمر الخان، المملوك أخبر الناس بالتركمان، وقد جاورهم المملوك عشر سنين، فإن رسم الخان أن يعطيني ثلاثين ألفًا من العسكر آخذهم وأسير بهم إلى الروم، وأخرب بلاد التركمان، وأقتل رجالهم، وأنهب أموالهم، ولو أن عسكرهم مائتا ألف فارس، فإذا كسرتهم آخذ الجيش وأنزل إلى حلب. فلما سمع خربندا بذلك فرح فرحًا شديدًا، وفي الحال جهز معه ثلاثين ألف فارس، وسيره إلى الروم، ثم ركب خربندا وسار يطلب شهروز، وقام جوبان ومعه قراسنقر والجيش الذي عينه خربندا معه وساروا يطلبون ديار بكر. وأما الأفرم فإنه لعب عليه جرحه، الذي كان الفداوي جرحه على ما ذكرنا (¬١)، فأمر خربندا أن يقيم في تبريز، فقبل الأرض، وقال: قتلى أهون عَلىَّ من المقام، فأشتهي أن لا تقطعني من العسكر، فقال خربدا: ما قلت لك هذا إلا شفقة عليك، ثم أمر بأن يحملوه معهم في محفة، فحملوه كما أمر. ولما وصل خربندا إلى شهروز سمعت بذلك أكابر الدولة من الأكراد مثل: أمير على، وشمس الدين، والشهروزي، والغرز، وكان هؤلاء أكبر مماليك الأكراد، فقال لهم الغرز: اعلموا أن خربندا جاء يريد العبور إلى بلادنا، ولا غنى لنا عن النزول إليه، لأنكم ما تقدرون على العصيان عليه، وكان خربندا يهادى الأكراد، ويهاديهم كل وقت. قال الراوي: فلما سمع الأكراد كلام الغرز قالوا له: صدقت، لكن أمرنا كله للشيخ شرف الدين بن الشيخ عدي. فبينما هم في هذا الحديث إذ وصل رسول خربندا إلى الغرز فطلبه، فجهز الغرز شيئًا كثيرًا من التقادم لخربندا، وأرسل ابنه الأمير على إلى الشيخ يشاوره في أمر المسير إلى خربندا، فرد عليه الشيخ يقول: إياك والرواح إليه، فإن سمعتم مني تحصنوافي جبالكم، فوالله، أي وقت ظفر بكم ما يخلى أحدًا منكم. فلما وصل ابن الغرز إلى أبيه بهذا الحديث من الشيخ، قالت الأكراد: صدق الشيخ فيما قال، فقال الغرز: لا تفعلوا، فإنكم متى عصيتم يخرب البلاد والقرى التي في لحف الجبال كلها. ثم إن الغرز لعب بعقول بعض الرجال من الأكراد، وأخذ معه الحسام الشهروزي، ونزل إلى خربندا، وقدم ما معه من التقادم لخربندا، فقال خربندا: وأين الشيخ؟ فقبل الغرز الأرض وقال: أطال الله عمر الخان، إن الشيخ أي وقت نزل من الجبل يقع السيف بين الأكراد فيقتل بعضهم بعضا لأنهم ما لهم عقول، ولولا الشيخ بينهم لكان بينهم كل وقت حرب وفساد، فسكت خربندا على مضض منه، لكن يريد أن يلاطفهم رجاء أن ينزل الشيخ ويقبض على الجميع. فنظر الغرز وإذا بالأفرم والزردكاش مع خربندا في منزلة عالية بالقرب منه، فسأل عنهما الغرز، فقال له خربندا: هؤلاء تَجَبَّر عليهم الملك الناصر، ونحن سائرون إلى إعانتهم لأجل حمية الإسلام، ويجب على كل مسلم مساعدتهم لأنهم قد فارقوا أولادهم وبلادهم وقد ذلوا بعد العز، ثم قال له: يا غرز الدين أريد منك أن تركب معي في عشرة آلاف نفس من الأكراد، وعندي كل ما تريد من الدنيا، ويكون لك يد بيضاء عندي. فقبل غرز الأرض وقال: أيها الملك، طب نفسا وقر عينا، فلو طلبت مني عشرين ألفا لكنت قادرا عليها، لكن أريد من الخان أمرا تفعله، فقال: وما هو؟ فقال: إن الشيخ رجل جليل القدر، وجميع الأكراد يسمعون منه، وما يخلى لنا رأيا في أمر (¬١) نفعله، ونحن في تعب معه في هذا الجبل إلى غاية ما يكون. وكان الغرز صاحب مكر وخديعة، فتحيل بهذا الكلام، ولما سمع خربندا بذلك فرح، وبقى في النار من جهة الشيخ، ثم قال له: فماذا يكون العمل؟ فقال: تخلصنا منه،فقال خربندا: وكيف الوصول إليه؟ فوالله، لو وقع في يدي ما خليته يشم الهواء، فقال الغرز: أنا أجيبه بلا تعب ولا نصب. قال: وكيف تعمل؟ فقال تجهز معي في هذه الساعة رسولًا من عندك ومعه خلعة للشيخ وبعض هدية، فإذا وصلنا إليه تحدثه بما رأيت منك من المحبة والمودة والنية الحسنة، وأطمعه منك بكل لما يريد، فإذا نزل إليك لا تخله يعيش ساعة واحدة، وأي وقت قتلته بقيت الأكراد قدامك مثل الغنم. ولما سمع بذلك خربندا، ظن أنه صحيح، ففي الحال أمر أن يجهز للشيخ وأصحابه عشرة خُلع مذهبة، وكتب له توقيع بالموصل، وخلع على الغرز خُلْعة سَنية، فقال له: إن جئت لي بالشيخ أعطيتك جبل هكار والموصل وأعمالها، فقال الغرز: لا تعرف هذا إلا مني، لكن بشرط: أنه إذا وقع لك تقتله ولا تستبقيه. وكان خربندا كلما سمع بهذا وتحريض الغرز على قتل الشيخ كان يفرح بالوقوع بينهم، ويقول في خاطره: إذا قبضت على الشيخ والغرز أجوز إلى الجبل وأُهلك كلَّ من فيه من الأكراد، ثم جهز مع الغرز رسولًا من المغل أميرًا، وقال له: سر إلى الشيخ. وكان عنده أمراء الأكراد فأراد أن [يخليهم] (¬١) عنده، فقال الغرز: أي وقت بقى عندك منهم أحد ينكر الشيخ علينا (¬٢) في الأمر الذي نريده، فالمصلحة أن تطلب الأمراء وتخلع عليهم، وتأمر لكل واحد منهم أن يأتيك بألف فارس من عشيرته وقومه، قال خربندا: فإن كانوا يعصون علينا إذا راحوا وطلعوا إلى الجبل، فقال الغرز: ضمانهم علىّ بالطاعة، فطلب خربندا الحمام الشهروزي وجميع أمراء الأكراد فخلع عليهم، وطلب من كل واحد منهم بأن يأتيه ألف فارس ونفقتهم علىّ. فركب الغرز وهو لا يصدق بالسلامة من خربندا، وركب معه الرسول بمائة فارس، وساروا يطلبوا الجبل، فلما جاوزوا دربند الجبل، قال الحسام الشهروزي للغرز: إش هذا التدبير الذي دبرت؟ فقال: والله لولا هذا التدبير لكنا شربنا كأس الحمام،فمكري وخداعي هو الذي خلصكم من شباك البلايا، وقد سلمتم ووصلتم إلى الجبل فمن هاهنا افتصلوا بأرواحكم، فقالوا: نروح كلنا إلى الشيخ ونأخذ رأيه، لأنه قال لنا لا تنزلوا وما قبلنا منه فنزلنا، فساروا حتى نزلوا على الشيخ. وكان الشيخ في قرية تسمى لاكش، فلاقاهم الشيخ، وأنزل الرسول ومن معه في مكان أخلاه لهم، فاجتمع بالغرز والأمراء، فسألهم عما لقوا من خربندا، فحدثه الغرز وقال: لولا عملت عليه حيلة ما سلم منا أحد، ثم أحضر الخُلَع والخَوائص والخيل، وذكر له ما قال خربندا عنه، وقال له أي وقت نزلت إليه ما يخلى من الأكراد لا كبيرًا ولا صغيرًا، وأخبرهم بأنه نزل إلى الشام وقد طلب منى عشرة آلاف فارس فتبسم الشيخ وقال: سيرهم يا غرز حتى يغزون في المسلمين ويكون الثواب لك. ثم إن الأكراد حلفوا للشيخ أنهم ممتثلون أمره وسامعون قوله وأنهم ما يموتون إلا بين يديه، فقال لهم: يا جماعة، اعلموا أن خربندا نازل إلى الشام، وقد أطمعه الأفرم وقراسنقر في بلاد الشام، وعلى كل حال التتار أطمع الناس، وأنا، أقسم بالله العظيم، لو ملكوا الشام ما خلوا الأفرم ولا قراسنقر ولا غيرهما، واعلموا يا أمراء إذا لم ننصر إخواننا في الإسلام نروح مع الكفرة اللئام، فإذا نصرناهم فأين نروح من الله ﷿، ثم إنهم اتفقوا بأن يمسكوا الرسول ومَنْ معه، فقال الشيخ: ما هو مصلحة، بل نرده عنا. فلما أصبح الشيخ طلب الرسول، وعنده أمراء الأكراد وبين يديه أكثر من ألفي كردي بأيديهم السيوف، فلما حضر الرسول، لم يقم له الشيخ ولا قال له اقعد، بل قال للترجمان: قل له فيما أتيت؟ قال الرسول: جئت من عند ملك الأرض خربندا بأن تنزل إليه أنت وأصحابك ولك منه ما يسر قلبك، فقال له الشيخ: أنا رجل كبير وشيخ مقيم في هذه الجبال، ولولا أرد الأكراد عنكم وعن البلاد ما خلوكم تقرون، وأى وقت نزلت من الجبال أكل بعضهم بعضًا، فإذا نزلوا من الجبال أخربوا البلاد وأفسدوا في العباد، فارجع وأعلم خربندا أنني ما أقدر على النزول إليه، فقال له الرسول: لا تفعل هذا فيكون سببهلاك الأكراد ويركب إليك خربندا ببعض التوامين فلا تقدر حينئذ على دفعهم. فلما سمع الشيخ بذلك قال له: اخسأ يا كلب، ومَنْ خربندا من الكلاب؟ ويلكم (¬١)، أخرجوه عني، فأخرجوه من عنده، فلما خرج طلب الغرز، فخرج إليه وحوله جماعة من الأكراد، وقال له: مالك سَكتَّ والشيخ قد أخرق بي هذا الإخراق العظيم؟ فقال له الغرز: أحمد الله الذي قد أخرجك من عنده سالمًا، ونحن قبل دخولك عنده شفعنا فيك، وإلا كان أمر بضرب عنقك، رح إلى خربندا وقل له يقطع طمعه من الأكراد وجبالها، ويلك، نحن نذهب ونغزو المسلمين؟! فإش هذا الفعل الفاسد؟ فرجع الرسول وهو لا يصدق بالنجاة. وأما الأكراد فإنهم جفلوا إلى رؤوس الجبال وحصنوا الدربندات وسدوا الطرقات، ووصل الرسول إلى خربندا وأعلمه بأن كل ما فعله الغرز كان مكرًا وخديعة حتى خَلَّص نفسه والأكراد، وأن الشيخ لم يجب إلى الطاعة، وأن الغرز وأصحابه كلهم متفقون على ما يريده الشيخ. فندم خربندا غاية الندم كيف راح الغرز من يده سالمًا وهو قوام الجبل، ثم سار خربندا حتى نزل على كشاف، وهي قلعة خراب على شط نهر الموصل، وسير القُصَّاد إلى نواب بلاده كلهم يطلبهم، وأرسل آخر إلى جوبان يطلبه، وجمع الناس على كشاف. وحضر جوبان من معه، مثل قراسنقر والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسري، وعمل خربندا مجلسًا عظيما، وجمع الأمراء للمشورة، وأجلس قراسنقر فوق جميع الأمراء وخلع عليه خلعة سنية مكللة بالدر والياقوت وحياصة مجوهرة، ثم قال له: طيب قلبك واشرح صدرك فأنت عندى بمكانة عظيمة، فبكى قراسنقر بكاء شديدا، وبكى معه أصحابه، فقال له خربندا: مم بكاؤك؟ فقال: تذكرت أولادي وتغربت عن أوطاني وأهلي والتجأت إلى جنابك الرفيع وحجابك المنيع، وفي أملي بمواعيدك الحسنة أن أرجع إلىأهلي وأولادي، وهؤلاء الأكراد قد عصوا عليك، فخطر بخاطري أنك رجعت عما نويت في السفر إلى الشام. قال الراوي: فلما سمع خربندا حصل عنده بعض الانحراف، فقال: أنا أبالي من الأكراد، حتى أرجع عن عزمي؟ وما مكثت إلى هذه الأيام إلا لأجمع أمراء المغل جميعهم وأشاورهم في ماذا نفعل. ثم طلب جوبان ودمندار وحسن قطلو وقطلوقيا ورمضان الغزي وسويح الخراساني وهندو وبلاى وغيرهم، ممن يطول ذكرهم، من أمراء التوامين، وطلب الأفرم وغيره أيضًا، وتشاوروا، فقال جوبان: إن سمعتم مني، هذه السنة ما هي سنة نزول الشام، لأن أكثر خيلنا بمرض الطابق (¬١)، والبلاد جدبة، وليس فيها شيء يؤكل، ونخاف يجرى علينا مثل نوبة مرج الصُّفر (¬٢)، ونبقى أحدوثة بين الناس. وتكلم كل واحد بلون، فقال خربندا: كل هذا، ما أسمعه، ثم التفت إلى قراسنقر وكان إلى جانبه، وقال له: قل يا أبي فكلامك مسموع. فقال قراسنقر: الرأي عندي أن نرحل وننزل على الرحبة ونحاصرها، فإذا سمع الملك الناصر لا بد أن يجرد عساكرا من مصر، لأنه رجل حاد لا يصبر، وخيلهم اليوم في الربيع، ولا يصلون إلينا إلا وقد انقطع أكثرهم، وأما الضعفاء فلا يقدرون أن يتبعوهم أصلًا، ومع هذا فقد قاسوا رملًا، ولا يجيئون إلا وهم هلكى، وعسكرنا مستريح، فننال منهم ما نريد، وإن لم يجئ إلينا أحد فقد أخذنا الرحبة، لأنها لا تحتمل الحصار، وخط نائبها عندي أرسَلَه إلىَّ بأنه يسلمها إلينا إذا نزلنا عليها، ثم إذا أخذناها رحلنا إلى حلب وشَتَّيْنَا في بلادها، فهي عامرة كثيرة الخير والغلات، فيقوى عسكرنا وتسمن خيلنا، وإن لم يخرج الملك الناصر فقد علمنا عجزه فترحل إلى دمشق ونصيف فيها، ونفرق العساكر في البقاع وبلاد بعلبك ومرج حمص ومرج برعوث ونستغل بلاد الشام، فتقوىعسكرنا، وعند دخول الشتاء نروح إلى مصر، وإن أكثر الأمراء بمصر يكاتبونني. فلما سمع خربندا بذلك تبسم، وقال: هذا هو الصواب، واتفقوا على هذه المشورة، ثم أخذوا في إصلاح أمورهم وتجهيز احتياجاتهم، ورحل خربندا من قلعة كشاف في نصف شعبان المبارك من هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وسار يطلب الرحبة. ثم تقدم قراسنقر، وقال أيد الله الخان، إن رسمت ترسل قصادًا إلى مصر تأتي لنا بالأخبار، فقال: أفعل ما تريد، فجهز خمسة من العرب من أصحاب (¬١) سليمان بن مهنا، ومعهم نفرًا من أهل رأس العين، وأعطى لهم جملة من الذهب، ووعد لهم بالخير الكثير إذا فتحو البلاد، وكتب معهم كُتُبا إلى ناس، وقال لهم: إياكم والطرق الجادة فربما يدرون بكم فلا يحصل خير، فقال له واحد منهم، يقال له صُمى بن سالم: علىّ أن أسلك بهم في طرقات لا يُرى فيها إنس ولا جن، فقال قراسنقر: هذا هو المقصود فخرجوا ودخلوا (¬٢) البراري. وأما خربندا فإنه سار بمن معه حتى وصل سنجار، ووقعت هجة في تلك البلاد، وكان هناك جماعة ينصحون المسلمين كتبوا إلى نائب الرحبة، بدر الدين الأزكشي - وكان رجلًا كرديًا - بأن خربندا واصل، فجهز هو أيضًا قصادًا من عنده إلى نائب الشام بأن خربندا قد توجه إلى الرحبة، ثم نادى في الرحبة بمجئ التتار والاجتهاد في الاحتراز عنهم، وحصّن الرحبة، وادخر في القلعة شيئًا كثيرًا، وأمر أهل القرى أن لا يخلوا عندهم شيئًا من الحبوبَ فيحولوها إلى مواضع لا تُدرى، وأن يحرقوا الأتبان، ففعلوا ذلك بحيث أن أحدًا لو كان يسير حول الرحبة مسيرة يوم لا يجد شيئًا من الحبوب وغيرها، وكل ما يتجدد الأخبار عند نائب الرحبة يرسل إلى نائب الشام ويُعلمه بذلك. ولما أرسل نائب الشام الخبر إلى السلطان؛ والأمراء قد ربطوا خيولهم على الربيع، فقال السلطان: يا ليتنا ما ربطنا على الربيع، فطلب الأمراء وقال لهم: هذا كتاب نائبالشام يذكر أن عدو الله قاصد إلينا وأنتم تعلمون أني كنت معولًا على السفر حتى أدخل إلى بلاده، وها هو قد عاجلني وخيولنا على الربيع، فإن أخرجناها فلا ننتفع بها، وإن تركنا السفر أخذوا الرحبة، ثم يتوجهون إلى حلب أو غيرها. فسكت الأمراء، وقال لهم: أنا جمعتكم للمشورة لا للسكوت، ثم تكلم مملوكهـ أرغون الدوادار، الذي هو نائب الديار المصرية، وهو أكبر مماليكهـ، فقال: أيد الله مولانا السلطان، إن العدو وحركته ثقيلة بينما يجئ إلى الرحبة ويقم عليها ويحاصرها وتمانعه أهلها مدة يمضي شهران، ومن اليوم إلى شهرين تأخذ الخيول حقها من الربيع، ثم يخرج مولانا السلطان بعسكر جرار فتكون الدائرة عليهم إن شاء الله تعالى، غير أن مولانا السلطان ينبغي له أن يجرد عساكر الشام إلى حلب وحمص، فالبعض يذهب إلى حلب والبعض يقيمون على حمص. فقال السلطان: تجريد العسكر على هذا الوجه ليس بوجه لأنها تضعف. فقام علاء الدين أيدغدي شقير، وقال: أيد الله مولانا السلطان، إذا لم يجرد مولانا السلطان عسكر الشام كلها يجرد بهادر آص وبلبان البدري والإبراهيمي بثلاثة آلاف نفس من عسكر دمشق يروحون إلى حلب، ويكونون عند الأمير سودي نائب حلب، لتقع الأخبار بأن العسكر وصلت إلى حلب. فقال: هذه مصلحة، وأرسل البريدي في الحال ومعه مرسوم بتجريد هؤلاء الأمراء، ثم بقى السلطان ينتظر الجواب، وإذا بمملوك نائب حلب قد وصل، فأخرج مطالعة سودي نائب حلب يذكر فيها: أنه قد ورد إلينا الأخبار بوصول العدو إلى الرحبة، فبعثنا الكشافة فكشفوا، ثم عادوا وأخبروا أن العدو تفرق اجتماعه، وأن خربندا نزل إلى بغداد. فطلب السلطان الأمراء، وقرأ عليهم المطالعة، ففرحوا وقالوا: لو كان مولانا السلطان استعجل وخرج بالعساكر المنصورة كانت قد ضعفت وخربت البلاد. ولما خرج مملوك نائب حلب من عند السلطان، فإذا بمملوك نائب الشام أيضًا قدوصل، و [يقال له] (¬١) عبد الله الخراط، وذكر هو أيضًا أن العدو تفرق وأن خربندا نزل إلى بغداد، فخلع عليه السلطان وأعاده إلى دمشق، فطلب نائب الشام دنكز عبد الله المذكور، وقال له: يا عبد الله هذا الخبر الذي بلغته إلى السلطان لا يكن قد سمعته ممن لا يؤبه به من أطراف الناس ثم يظهر الأمر بخلاف ذلك فيقع علينا الإنكار، فقال: أعز الله مولانا ملك (¬٢) الأمراء، ما أخبرني أحد بذلك، بل أنا الذي شاهدته بعيني. وأما عدو الله خربندا فإنه لما نزل على سنجار جاءته ملوك تلك البلاد، فأمرهم أن يأخذوا معهم المجانيق إلى صوب الرحبة، ثم أمر لهندو وبلاى ومحمد شاه أن يركبوا بعساكر العراق وينزلون على الرحبة، فركبوا وساروا حتى وصلوا إلى موضع يقال له: أبو الديات، وكان عليه كشافة من الرحبة، ومعهم حمام فأطلقوه، ورآهم هؤلاء فركبوا وراءهم فلم يلحقوا بهم، ووصلت الكشافة إلى الرحبة وأعلموا الأزكشي بأنهم شاهدوا العدو، وهم قد نزلوا على أبي الديات قاصدين الرحبة، ومعهم [المجانيق] (¬٣) على العجل، [فسير] (¬٤) الأزكشي إلى دمشق وحلب وغيرهما بالخبر، فجفلت البلاد إلى حلب وإلى دمشق. ولما بلغ الخبر إلى نائب الشام تعجب، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر قال له: هذا كتاب الأزكشي يذكر أن كشافتهم قد فارقوا العدو على أبي الديات، وهذا ضد ما ذكرت أنت، وقال عبد الله: أي يوم نزل عدو الله على الرحبة اشنقني، وربما يكون الكشافة قد شاهدوا منهم جماعة قد ضربوا حلقة صيد فجفلت الناس من ذلك، فقال النائب: يمكن ذلك حتى ننظر. ثم في اليوم الثاني وصل قاصد أيضًا من الأزكشي، وهو يقول: العجل قبل حلول الأجل، فإن عساكر عدو الله قد وصلت ونحن كل ما نرسل كتابا لا يأتي إلينا خبرشافى، وما بقى بعد هذا الخبر خبر، ولا يحل لكم أن تخلونا قدام العدو وتجعلونا هدفا للمصائب. فلما وقف نائب الشام على هذا، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، راحت والله الرحبة، ثم اشتد عضبه، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر، قال له: يا عدو الله، إش حملك على أنك قلت إن العدو تفرقوا؟ وها هم قد وصلوا إلى الرحبة، فقال قيدوني واحبسوني في القلعة إن طلع خبري كاذبًا. ثم أركب نائب الشام دواداره إلى مصر، وأركب استاداره إلى الرحبة، وقال له: اذهب واكشف العدو بعينك، [فسار] (¬١) إلى أن وصل الرحبة، ورأى العدو وقد قطعوا الفرات ونزلوا بقرية على جنب الفرات يقال لها عُشارا فرجع إلى الشام وأخبر النائب بذلك، وقال ليس بحقيق أكثر من ذلك. وكان السلطان قد بعث أميرًا يقال له: عاقول إلى حلب، ليكشف الأخبار فوصل إلى دمشق يوم وصل استادار نائب (¬٢) دمشق من الرحبة، ومعه كتاب نائب حلب بأن العدو ما له خبر عندنا، وأرسلت كشافة إلى بلاد ماردين والخابور فلم يروا أحدًا من العدو، وقال استادار نائب الشام: أنا رأيت بعينى هذه خيامهم وهي مضروبة على جنب الفرات، وهم في إصلاح جسور يعدون عليها. وراح الآتيان إلى مصر، فأخبر كل منهما بما عنده من الخبر، فتعجب السلطان من ذلك، وأنكر على النواب، وأرسل إليهم يستعجزهم، ويقول لهم: إذا كان العدو على الفرات، وأنتم قد عجزتم عن مجرد الخبر، فإش يُرجى منكم؟ والذنب مني أني قد فرطت حيث وليت على البلاد من ليس بكفء. وأما خربندا فإنه طلب قراسنقر، وقال له: قد قلدتك أمر العساكر ولك التصرف حيث شئت فافعل فيه إصلاحنا، فقال قراسنقر: أيد الله الخان، أبشرك بشارة، فأييوم نزلنا على الرحبة يسلمها إلينا نائبها، ونواب البلاد كلهم نوابي، وأي يوم قطعنا الفرات جاءتنا أمراء الشام جميعهم. وهو في هذا الحديث مع خربندا، فإذا حاجبه قد دخل، وقال إن سليمان بن مهنا على الباب، ومعه جماعة من العرب من عند مهنا، وهم يقولون إن البلاد خالية من العساكر، فإش الذي يعوق الحان عن أخذ البلاد؟ وأن جميع أمراء دمشق ونواب البلاد قد تجهزوا ينتظرون قدوم الخان. فتقدم جوبان إلى خربندا وقال له في السر: لا تسمع كلام قراسنقر، ولا كلام مهنا، فإن لهما أغراضًا يريدان أن ينالا إلى أغراضهما بهلاكنا، ولو كان كلامهما صحيحًا بأي شيء يقربا من البلاد، وسيظهر لك صدق كلامي إذا نزلت إلى الشام، فقال له خربندا: كلامك لا يفيد، فإن قراسنقر أخبر منك بهذا الأمر، فتولَّ أنت أمر الجند والمعاملة، وهو يتولى تدبير الأحوال، ثم أمر بالرحيل فرحلوا كالجراد المنتشر، وساروا يطلبون الرحبة، وقراسنقر في أوائل العسكر. وكان خربندا قد رسم على قراسنقر أمير تومان يقال له: إشن قطلو ومعه عشرة آلاف نفس، من غير أن يعلم به قراسنقر، وكان قال له: اركب معه جملة، وانزل جملة، وعينك عليه ليلًا ونهارًا، وإياك أن تغيب عنه وإلا تروح روحك، وكان معه ليلًا ونهارًا في الرحيل والنزول. ولما توسط قراسنقر أهله (¬١)، تذكر أهله وأولاده، وما كان عليه من المملكة والراحة فاضت عيناه بالدموع، ثم أنشأ يقول: رحلت وأحباب الفؤاد لهم بعدي … علىّ حنين لا يقر ولا يهدى يهيم إذا ما لاح من سفح حاجر … نسيم صبا هاجت به الريح من بعديحنوا إلينا في الأصايل والضحى … إذا ما حدى حادى وحركه الوجد وإن صاح من نحو الأثيلات صائح … فتهت بسكري لا أعيد ولا أبد رعى الله أياما تقضت بقربكم … وحبي لويلات على الأجرع السرد يقرب معا سيل من الترك خرَّدا … إذا ما انثنوا تحت الغلائل بالقد أتوه فلا أدري من الغى أن أنا … من المعشر الحضار أم غائب الرشد أيا معشر السادات جدوا وجوّدوا … وثوروا إلى الخيل المسومة الجرد فلا يدرك العلياء عزم مقصر … ولا يبلغ القصوى بغير التجرد ولا كل من رام العلا نالها ولا … كل ساع يدرك السؤل والقصد قال الراوي: واندفعت العساكر، والأفرم قدام خربندا لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، فقال له خربندا، يا جمال الدين لأى معنى قراسنقر في اجتهاد عظيم ليلًا ونهارًا من أمر العساكر وتجهيزها، وأنت ساكت لا تتكلم، فباس الأفرع الأرض، وقال: أيد الله مولانا الخان، أعلم بأن قراسنقر مكره معروف بين الناس، وقد عرفه كل من جربه، والخان أيضًا لا بد أن يعرفه، وله كلام من غير اعتبار سواء أن يصيب أو يخطئ، ومثلك الملك لا ينبغي أن يُتكلم بين يديه إلا بشيء يكون، وشيء فيه مصلحة ظاهرة، ولا بد أن ينكشف لك كلام قراسنقر عن قريب، وأنا، أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، أن كل شيء يقوله قراسنقر قدام الخان ما فيه شيء صحيح، والله العظيم ولو وافقنا من أمراء الشام أميرًا وأميران لما جئنا إلى هاهنا، ولو كان نائب الرحبة سلم الرحبة إلينا لما جئنا إليك، وكيف يقول بين يدي مثلك أن أمراء الشام معي، ونائب الرحبة معي إذا وصلنا إليه يسلمها لنا، هذا شيء أنا ما أقدر أن أقوله قدام مثلك. قال الراوي: وكان جوبان حاضرًا: فلما سمع هذا الكلام ضحك، وقال: هذا هو الكلام الصحيح، فقال خربندا: قراسنقر مجتهد، فإن أصاب كان المراد، وإن أخطأفيكون قد بذل المجهود، ثم ساروا يطلبون الرحبة، والأخبار عند الأزركشي ساعة فساعة، وصمم على التجلد وحفظ القلعة، وأرسل نائب الشام سيف الدين غرلو ومعه مائة فارس ليكشف الأخبار كما ينبغي، فخرجوا متوجهين إلى الرحبة، وغرلو ينشد هذه الأبيات: يا خليلي قد جفاني رقادي … وهجرت الأوطان والأولاد وصحبت لدنًا طويل كعوب … وحسامًا قد كان من عهد عاد أخضر قاطع صقيل متين … ابتر ماض طويل النجاد وركبت من العتاق حصانا … أدهم عال شديد السواد وصحبني من الكرام جماعة … أسود كل منهم قوى الفؤاد من رجال قد بايعوا الله … وناداهم فلبوا المنادى