Hadithcore

Narrator · #500900

قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار

قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار

Appears in 0 hadiths

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

1 book · 1 entry

Source dossier

Source-built evidence rollup from parsed rijal entries and reviewable fact hints.

JSON
Tier
no_source_dossier
Source entries
0
Strong identity entries
0
Chronology hints
2
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Aqwāl al-jarḥ wa-l-taʿdīl

1 book · 1 entry · 1 full-text · 0 snippets

Verbatim quotations from classical biographical dictionaries, ordered by the author's death year. We display every report; we do not adjudicate between them.

بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

full-text

· 1 entry

  • full passagepage 2132, entry [577]53,313 chars
    ذكر قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار قال ابن كثير: وفيها أرسل شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب [حلب] (¬٥) يسأل الإذن من السلطان في التوجه إلى الحجاز، فأذن له، وأنعم عليه بألفي دينار عينًا، وفوضت نيابة حلب في غيبته للأمير شهاب الدين قرطاي الحاجب
    ▸ expand full passage (53,313 chars)
    ذكر قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار قال ابن كثير: وفيها أرسل شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب [حلب] (¬٥) يسأل الإذن من السلطان في التوجه إلى الحجاز، فأذن له، وأنعم عليه بألفي دينار عينًا، وفوضت نيابة حلب في غيبته للأمير شهاب الدين قرطاي الحاجب، وخرج قراسنقرعلى نية الحج، فلما وصل إلى أطراف البلاد من بلاد البلقاء بلغه أن السلطان جَرَّد جماعة من مماليكه بالهجن والخيل، فظن أنهم يقصدونه، فرجع إلى حلب، فَمُنع من الدخول إلّا بعد العود من الحجاز الشريف، أو بمرسوم شريف، فطلب موجوده الذي بحلب فمُنع أيضًا منه، فجاء إلى الأمير ابن مهنا وعَرَّفه بذلك، فأرسل إلى الأمراء بحلب في تمكينه من موجوده، وإن لم تفعلوا هجم حلب ونَهَبها، فمكنوه من موجوده فأخذه وقصد البرية، وجهز ولده فرج (¬١) إلى ديار مصر بجملة من أمواله، فوصل إلى القاهر [ة] (¬٢) في أواخر ذي الحجة، فأُنْعِمَ عليه بإمرة عشرة، واستقر بالقاهرة مع أخيه علاء الدين عَلِيّ، ثم إن قراسنقر كاتب أقوش الأفرم ونائب طرابلس وبذل له بالطاعة وأن يكون هو صاحب الأمر، وبذل له المال مرة ومرة ومرة، وهو يُدافعه. ولما اتصل خبر قراسنقر بالسلطان جَرَّد الأمير أرغون وجماعة أمراء فوصلوا دمشق واستصحبوا جماعة من عسكرها وتوجهوا، ثم أردف السلطان هذه العساكر بعساكر أخرى، فوصلوا إلى حمص واجتمعوا بمرجها، ولما توجهت العساكر توهم أقوش الأفرم منهم فركب ونزل على رأس عين، ووصل إليه بها: أيدمر [الزردكاش] (¬٣)، وبلبان الدمشقي، وبيبرس الحسامي، وذكروا له أن الكلمة قد اجتمعت عليه، [وكاتب] (¬٤)، الأمراء بطرابلس، فلم يجيبوه، فركب وقصد البرية، فتبعه [أَلركتمر] (¬٥)، الجمدار الناصري، فلحقَ أثقالَه فأخذها، ولم يلحقه فرجع، ولما بلغ قراسنقر مسير الأفرم خلفه ظنه مكيدة، فجعل كلما نزل منزلة يتقدمه منزلة، حتى أرسل إليه يحلف له إنما جاء في ميعاده، فقال: إن كان الأمر كذلك [فلتجتمع] (¬٦) معي مع مَمْلوكَيْن، فركب علىالهجن ولحقه، وحلف له، فاطمأن، ثم قال: خفف من هذا الجمع الذي معك فليس لنا بهم حاجة، فاحتال عليهم الأفرم حتى رجعوا، وتوجه هو وقراسنقر، والثلاثة الأمراء الذين كانوا لحقوا بالأفرم، كما ذكرنا، وتبعهم العسكر الناصري إلى الرحبة، ثم رجع، ولما قربا من بلاد التتر كتبا إلى خربندَا يستأذناه في الوصول إليه، فأرسل إليهما الإذن والخُلع، فوصلوا إليه فأكرمهم، وأعطى جمال الدين أقوش الأفرم همدان، فتوجه إليها ولم يزل بها حتى مات (¬١)، وأقام قرا سنقر عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، كما [سنذكره] (¬٢) إن شاء الله تعالى. وذكر في كتاب سيرة الناصر: أن قراسنقر طلب مماليكه وقال لهم: إني بقيت رجلًا كبيرًا، والله تعالى يعلم ما بقي من عمري، وقد عولت أن أسير إلى بيت الله الحرام وأزور قبر نبيه محمد سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن شاء الله تعالى أجاور في بقية عمري عند ضريح النبي ﵇، فتجهزوا، ثم كتب كتابًا إلى السلطان يستأذنه إلى الحجاز الشريف [ويشاوره] (¬٣) على أن يكون النائب مكانه إلى حين يجئ، وأرسل الكتاب مع مملوكه مغلطاي الخطاي، فلما وصل إلى مصر، وتمثل بين يدي السلطان، باس الأرض وناوله الكتاب، فلما قرأه السلطان، قال لمغلطاي: لم ما أعلمني من قبل هذه الأيام حتى كنت أجهز جميع ما يحتاج إليه وأقمت بواجب حقه؟ لأن الأمير شمس الدين عندي في منزلة الملك المنصور، فباس مغلطاي الأرض ودعا له، فأمره السلطان بالإنصراف إلى حين يكتب جوابه. وفي تلك الليلة طلب السلطان [نائبه] (¬٤) بيبرس الخطاي، وقال: غدًا أطلب لي الجمالين الجادة إلى الحجاز، وتخليهم أن يحملوا إلى مكة [شرفها] (¬٥) الله: ألف أردبشعير، ومائة قنطار بقسماط، وألف علبة حلاوة، وأن يُشتري هناك خمسمائة رأس غنم لأجل قراسنقر، ثم أَرسَلَ البريدي إلى الكرك، وأمر لنائبها بأن ينزل لقراسنقر، ويُرسل له: ألف أردب شعير، وخمسمائة رأس غنم، وأن يجهز له الإقامات في المنازل، ثم طلب مملوكه وكتب جواب كتاب قراسنقر يقول فيه: والله لقد عتبت على الوالد كيف أنه ما أعلمني من قبل، وربما كنت أنا أيضًا توجهت إلى الحج وكنا نقضي الفرض جميعًا، وأنت تعرف علو منزلتك عندي، والإذن معك، وأي مَنْ أردتَ أنت عَيِّن لنيابة الغيبة إلى حضورك، لأنك تعلم بأن حلب هي لك ما لأحد فيها حكم. وذكر أيضًا أنه أرسل لأجله إلى مكة كذا وكذا، وأمر من الكرك أيضًا، وخَلع على مملوكه خُلعة هائلة، وسَيَّر معه لقراسنقر أيضًا خُلعة كاملة، فلما وصل إلى أستاذه وقرأ قراسنقر الكتاب، قال: الله يكفينا شر هذا العطاء، ثم إن قراسنقر عاد إلى مكره وخداعه، وقال: قل للذي يدعي علم الفلسفة، حَسِبتَ شيئًا وغابَتْ عنك أشياء، إن كان خاطر الملك الناصر شيء لأجلي وأذن لي أن أدخل البلاد ليتمكن مني مثل ما يريد، فقد فرطت أنا في روحي، على أني أدعي أني أدري أهل الأرض وأمكر من كل ماكر. ثم كتب كتابًا إلى السلطان، يقول فيه: أقل المماليك قراسنقر المنصوري الناصري، لما أتى إليه المثال الشريف قبله قائمًا، وقابله لاثمًا، وأثنى بالشكر له على ذلك دائمًا، وإن المملوك يسأل من الصدقات الشريفة "مرسومًا شريفًا بأن لا يدخل إلى دمشق، لأن أهلها حين خرج المملوك من بينهم سبوه وشتموه، ولولا خوفهم من سطوة السلطان رجموه، وربما إذا دخلت إليها فأهلها يُسْمِعُونني ما لا أريده، وقد شملت المملوك الصدقات الشريفة" (¬١) فيكون تمامها أن يروح إلى البرية ولا يخرج إلا من الكرك. فلما وصل كتابه إلى السلطان رَدَّ إليه الجواب، بأن البلاد كلها في تصريفك وتحت حكمك أينما أردت توجه، فلما أتى إليه الجواب فرح فرحًا شديدًا، واهتم في أمره، وتجهزهو ومماليكه، وتجهز معه أكثر أهل حلب، ثم كتب كتابًا إلى مهنا يُعْلمه أنه قصد سفر الحجاز، وسأله أن يُرْسل إليه ابنه سليمان ليكون معه، فلما وصل الكتاب إلى مهنا أرسل إليه ابنه مع جماعة من العربان، فأنزلهم قراسنقر في الميدان، ورتب لهم ما يكفيهم طول إقامتهم، ثم خرج قراسنقر من حلب في الثاني عشر من شوال من هذه السنة، وقيل من سنة اثنى عشر. قال الراوي: وخرج في زي عظيم عجيب، حتى قال أهل حلب هذا نهاية قراسنقر بالعُجب، إن كان يرد إلى حلب بعد ذلك، وكان أخرج معه مَخْمَلًا أصفر وعليه رَصَّافِيَّه من الذهب وقد رُصعت بالفصوص، وهو على جمل بختى (¬١) في رقبته قلائد الذهب والفضة، وفي رجليه خلاخيل الذهب، وحوله جملة كجوات (¬٢) من الأطلس المختلفة الألوان، وخرج هو في سبعمائة مملوك غائصين في حديد، ورُفعت العَصَائب على رأسه، ودُقَّت الكُوسات، وزَعقت البُوقات، واستناب مملوكه جركس وأوصاه بأنه لا يقطع كتبه عنه مع النجابة، ويطالعه الأخبار ساعة بساعة، ولا يخرج من حلب، ثم سار بمن معه من منازل البرية، والعرب أدلاؤه في الطرقات، فما خرجوا به إلا من تحت صرخد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى زيزاء (¬٣) فاجتمع بركب دمشق، وكان أمير الحاج للركب الشامي طيبغا قراباش، أخو بهادر آص، فلاقى قراسنقر وسار معه في خدمته حتى نزل في مخيمه، وما استقر به النزول حتى جاءت إليه من الكرك الأغنام والشعير. وكان قراسنقر لما نزل بالركب على زيزاء أمر لمماليكه أن لا ينزلوا مع الركب ولا يخلوا أحدًا منهم ينزل بينهم، ولا يدخل بينهم غريب، فنزلوا على جانب من الركب، ولم يزل طيبغا أمير الركب الشامي معه إلى نصف الليل، فخلع عليه قراسنقر، ثم أمره بالانصراف فانصرف، وأقاموا هناك ثلاثة أيام، ومن الليلة الرابعة، حرك قراسنقركوساته ورحل، فرحل طيبغا خلفه، وكل منزلة ينزلها قراسنقر يجد فيها الإقامة من الكرك، وكذا لما نزل على الكرك بعث له النائب شيئًا كثيرًا، وأعلمه بأنه سير إلى معان خمسمائة أردب شعير، وكان قراسنقر دائمًا يقول: اللهم اعطنا خير هذا العطاء واكفنا شره. ولما نزل قراسنقر على معان وصل إليه نجابان من مصر، من عند ابنه، ومعهما كتاب، فلما قرأه تغير لونه، فقال: الله أكبر، والله حسبت هذا الحساب، ثم اختلى بمماليكه الذين يعتمد عليهم، فقال له مملوكه بنجار: رأيت وجهكم قد تغير حين قرأت الكتاب، فقال: حتى أقرأه عليكم، فإذا فيه ساعة وقوفك على الكتاب احذر على روحك غاية الحذر، واعلم بأن السلطان قد جهز أرغون الدوادار ومعه: قرا لاجين الزيرباح، وجنكلي ابن البابا، ومعهم جماعة من الفرسان أكثر من ألفي نفس وأمرهم أن يروحوا إلى غزة، فإذا خرجت إلى البر يسيرون إلى الكرك ويتوجهون خلفك، وجرد أيضًا أمير حسين بن جندر والأمير قُلَيّ ومعهم عسكر، أكثر من ألفي نفس، وأمرهم بأن يسيروا ويلاقوك من طريق المدينة النبوية، فاحذر كل الحذر. قال الراوي: فلما سمع مماليكه ذلك الكلام بهتوا وشخصوا، فقال لهم قراسنقر ذللتم يا مخانثة، الله يدري أصحيح هذا أم كذب، فإذا كان صحيحًا هل يتلاقون معنا أم لا؟ فلعن الله من يرجو منكم خيرًا يوم الشدة، ثم إنه أمر لهم أن يردوا ما معهم من الأثقال ولا يخلوا معهم غير نصف الزاد، ثم طلب سليمان بن مهنا، وقال له: يا سليمان جرى كذا وكذا، وأوقفه على الكتاب، فقال له سليمان على ماذا عولت يا أمير؟ فقال: يا سليمان أنا ما اخترتك معي إلا لعلمي بغزارة مروءتك وزيادة كرمك وشدة شجاعتك، ومثلك لا يضيع نزيله ولا يُخَيَّب سائله، وأنا اليوم صرت من ألزامك ومن جملة نزلائك، فقم معي قومة الرجال ولا تخلِّ يتحدث فيك الأرذال. فلما سمع سليمان بذلك انتخى وهزته أريحيَّة المروءة وطبع العرب، فقال: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، فها نحن بين يديك، والله، ما يصيبك إلا مايصيبنا، ولكن أخبرنا على ماذا عولت؟ فقال له: أعلم أن معنا الحريم والعيال والأحمال والأثقال في هذه البراري، وليس من المروءة أن نضيعهم، فنرجع بهم، وأنت قدامنا في البراري حتى نصل إلى حلب، فإذا وصلنا نرى هناك رأيًا آخر مما قدره الله تعالى، فقال سليمان: نِعْمَ ما رأيت. وما أصبح الصباح حتى شالوا الأحمال وحَمَّلُوا الجِمَال، وساروا وسليمان أمامهم. ثم إن قراسنقر يتذكر ما جرى عليه، وتفيض عيناه بالدموع وينشد ويقول: إذا ثار الغبار إلى العنان … وقام الحرب ملأ العيان وأبرقت الصوارم مشهرات … يكف همامها البطل المُدَان ودارت من الأكف على البرايا … كؤوس الموت يا بئس الأواني هناك ترى مني صبرًا جميلًا … أقدَّ الرؤوس ضربًا باليماني حلفت ولي جنان لا يبالي … على كُثر الخطوب وإن دَهاني ولي قلب صبورٌ على الرزايا … ولي جَلَدٌ على رَيْبِ الزمان وكم من شدةٍ ورخَاءِ وضيقٍ … وأَخُول لها كل اللسان صبرت لها فولت عند صَبْري … ودَلَّت من حسامي مع سناني فكيف أخشى من الأيام ريبًا … وأُمَرَاء آل فضل يُعضَدان غطارفة سموا للعزّ قادة … برامكة علوا يوم الطعان أبا موسى مهنى قد لجأنا … إليك وقد دهاني ما دهانوإني واثق منكم بحبل … متين لا يُرَثُّ له مباني فكن لي عنده حِصْنًا حَصِينا … فإن في ذمامك في أمانى قال الراوي: فلا سمع سليمان ذلك من قراسنقر طرب واهتز على ظهر حصانه، وأنشد يقول: ألا يا صاح دع ذكر المغاني … وكاسات المثالث والمثاني ولهو العيش مع بيض وغيد … تعرق الشمس حسنا مع معاني ألا يا آل فضل يا عوادي … أيا عونًا على رَيْب الزمان أجيبوا للنداء بكل فحل … متين المتن مُعْتدّ حصان وكلٍ سَمَيْدعٍ شهم هُمام … غضنفر باسلٍ ضخم اليدان أنا ليث الحروب أبو المعالي … سليمان غدًا تنظر طعاني إذا ثار الغبار من السعالي … وطار الشُّهب من تحت اليدان هناك تري ليثًا عبوسًا … أُوَافيها ولو قطعت يمان بسيف كان لي في عهد عادٍ … صقيل المتن أخضر هندواني وتبصر موقفي في كل أرض … صديقي مع عدوي يشهداني مهنى كن لنا ظَهرًا وحِصنًا … فنحن إليك نسعى لاستماني إذا جئنا نزلنا منك أرضًا … فشمس الدين يُصبح في أمان قال الراوي: فلما سمع قراسنقر ذلك من سليمان شكره ودعا له، فقال له سليمان: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، ما بقى ينالك مكروه، ها نحن لكوبين يديك، وأنت تعلم إش بينك وبين مهنا من الصداقة والمودة، فقال قراسنقر: صدقت، ولكن أخاف أن الصداقة في ذلك الزمان كانت وأنا مالك البلاد، فقال سليمان: دع عنك هذا المقال، والله، لو أُعْطى مهنا ملُؤ الدنيا ذهبًا على أن يتركك لما تركك ولا يتخلى عنك. ثم إنهم جدوا في السير ليلًا ونهارًا، حتى قطعوا البراري من بين الرحبة وتدمر على قرية يقال لها أريكة، فنزلوا عليها يومين واستراحوا، ورحلوا في اليوم الثالث طالبين حلب. وشاعت الأخبار برجوع قراسنقر، وسمع السلطان بذلك، فأرسل البريدي في الحال إلى حلب وعلى يديه كتاب للأمير قرطاي الحاجب ولبقية الأمراء بحلب، يقول: إن كان يجئ إليكم قراسنقر فلا تمكنوه من العبور إلى حلب، فلما وقفوا على كتب السلطان احترزوا وتأهبوا، ومسك قرطاي نائب قراسنقر، الذي استنابه في حلب، وهو مملوكه جركس، كما ذكرنا، وحبسه في قلعتها. وأقاموا ينتظرون قدوم قراسنقر، فإذا به وقد قدم ومعه مماليكه وحاشيته كلهم ملبسون، وخرج أمراء حلب بعسكرها، ولما وقعت العين على العين أرسل قرطاي الحاجب يقول لقراسنقر: مَا لَكَ عبور إلينا، لأنك خرجت على أنك تروح إلى الحجاز ثم رجعت، فلا ندري هل رجعت بمرسوم السلطان أم لا؟ ولا نمكنك من الدخول إلا بمرسوم السلطان، فقال قراسنقر: حبًا وكرامة، فأنا أنزل على حَيْلان وأرسل إلى السلطان ليرسل مرسومًا بذلك، فخلوا حريمي يدخل حلب، فخلوا الحريم، فدخلوا الدور، وأقام قراسنقر على حَيْلان، وهي قرية بالقرب من حلب من ناحية الشمال، والقناة التي تعبر حلب تجوز عليها، وخيولهم تلفت جدًّا من كثرة السوق وبُعْد المسافة. وكان قراسنقر لما خرج من حلب خَلَّى جملة خيل على القصيل، وهو ربيع حلب، وكانت قد سمنت من أكل القصيل والراحة، فقال لأصحابه: أبصروا كيف تعملون حتى تجيبوا لنا هذه الخيل، فقالوا: كيف الوصول إليها؟ وهي في داخل حلب وبعضهافي بستان السلطان، وقرطاي كل ليلة يُبَيّتْ عليها حُراسًا؟ فقال رجل منهم، من أهل النجدة والقوة، يسمى عثمان بن قرا علام: أما التي في البستان فأنا أجيبها الليلة، وكانت مائة فرس، فلما جن الليل أخذ معه عشرة مماليك وسار يطلب البستان حتى وصل إليه، وإذا بالبَيَّاتة على الباب، وهم مقدار عشرين رجلًا من حلقة حلب، فَخلَّاهم عثمان ودار إلى خلف البستان، وأخرب موضعًا من الحائط، وعبروا على السواس (¬١) بقدومهم، فقاموا وأخرجوا الخيل كلها من ذلك الموضع، وساروا بها إلى قرا سنقر، فلما رآهم قراسنقر فرح فرحًا شديدًا، وقال كُنَّا رَجّالة [قَّلَّما] (¬٢) ركبنا الخيل، وأخبره السواس وأمير آخوره بما جرى في حلب، وأن جركس مملوك ملك الأمراء محبوس في القلعة. وكان سليمان بن مهنا سار إلى أبيه يطلبه وكان على الجبُّول، ثم إن قراسنقر جمع مماليكه وقال لهم: إني غدًا أريد أن أهجم على حلب، فإن ظفرت بما أريد فيها، وإن جاء عسكر دمشق أو تجريدة من مصر دخلُ البرية مع العرب، فقال مماليكه: كيف تعمل بعسكر حلب؟ وهم أيضًا كثير، فقال قراسنقر: أكثرهم ما يقاتلون، فأجناد الحلقة لا يقاتلون، ولا يقاتل منهم إلا الأمراء، وأنتم كفؤ لهم. ولما أصبحوا ركب قراسنقر ومعه مقدار سبعمائة ملوك من الذين كانوا معه في السفر، ومن الذين اجتمعوا حوله حين قدم، وسمع الأمير قرطاي حاجب حلب بذلك فركب، وركب أمراء حلب بعسكرها، فلما تلاقوا صاح عليهم قراسنقر وقال لهم: يا طناجرة مسكتم مملوكي وكسرتم حرمتي فإش جرى؟ أنا عاصٍ للسلطان حتى فعلتم ما فعلتم؟ ثم حمل عليهم حملة مَنْ أَيس من الحياة، فتقلعوا من بين يديه إلى قريب القلعة، ثم أرسل إليهم ناصر الدين الدوادار يقول لهم: أقسم بالله العظيم، لئن لم تطلقوا مملوكي جركس ولم تسلموا إلَيَّ بقية خيلي وجمالي التي في حلب نهبت حلب وأحرقتها ولا أبالي،فلما سمع الأمراء بذلك قالوا لقرطاي: ما كان القبض على مملوكه بمصلحة، فقال قرطاي: قد كان ذلك، وإن لم يرجع إلى أن يجئ مرسوم السلطان قاتلناه، فقال له جمال الدين بن قَرا عَلِي: يا أمير، بمن نُقاتل؟ وهو نار مُحْرقة، والله، يقاتل معك واحد وعشرة ما تقاتل، فقالت بقية الأمراء: صدق والله جمال الدين، فطلب قرطاي الحاجب قضاة حلب وأكابرها، فأرسلهم إلى قراسنقر ليرجعوه عما هو فيه، فجاءوا إليه، وقال لهم قرا سنقر: لماذا جئتم؟ فقالوا: يا مولانا شمس الدين، نسألك لوجه الله تعالى أن ترحم هؤلاء المساكين وترجع عنهم، فإن الذي تفعل فيه خراب المملكة وفساد بين الخلق وسفك الدماء، وحاشى منك أن تكون سببًا لهذه الأشياء، ولا يَخْفى عليك أن في حلب طوائف مُجَمَّعة وفيهم أكراد، فنخاف إذا وقع القتال تنهب هؤلاء المدينة فيحصل الفساد في حريم الناس، فقال لهم قراسنقر: ما أقل عقولكم، فأُخَلِّي مملوكي في الحبس من غير ذنب وأترك أموالي وأروح بغيرهم لأجلكم! فوالله العظيم، لئن لم يطلقوا مملوكي ومالي لدخلت في دماء أهل حلب، فعادوا وأخبروا قرطاي بذلك، فقال: ما أقدر على إطلاق مملوكه إلا بمرسوم السلطان. وهَمَّ قراسنقر بالحملة عليهم، ولكن ما منعه من ذلك إلا غبار شديد ثار عليهم من جهة جَبّول، فانكشف الغبار عن جماعة من الفرسان وهم عرب مهنا ملك العرب، ومهنا قدامهم ومعه أخوته، ولما رآه قراسنقر أسرع إليه [وتصافح] (¬١) معه، وهما على ظهر الخيل، فقال مهنا ما الخبر؟ فحدثه قراسنقر بما جرى عَلَى مملوكه جركس، وكيف منعه أهل حلب عن الدخول إليها، ثم إن مهنا: قال لولده سليمان: اذهب إلى قرطاي وقل له: يقول لك مهنا: أقسم بالله العظيم، لئن لم تُخْرِج كل شيء للأمير شمس الدين قراسنقر وتطلق مملوكه تركت حلب كجوف حمار، فسار سليمان إلى قرطاي وبلغه ما قال له مهنا، فقال له: قرطاي: نحن قد فرحنا لما جاء أبوك، وقلنا إنه يرده عنا، وما هو إلا يقويه علينا، ولما أبطأ سليمان على مهنا أرسل أخاه فضلًا، وقال له: قل لهذاالنحس قرطاي: إن كان معه مرسوم السلطان بالقبض على مملوك الأمير قراسنقر يوقفنا عليه، وإلا يطلقه سريعًا، فسار فضل إليه وبلغه ما قال له مهنا، قال: والله، ما جاءني مرسوم بذلك غير أني قبضت عليه، ولا أقدر على إطلاقه إلا بمرسوم من السلطان، فقال له فضل: أخرجه وسلمه إليّ بالإشهاد بأنك سَلَّمته إليَّ، وكذا [خيله] (¬١) وقماشه، وكل شيء له، فقال له قاضي حلب: هذا هو المصلحة، فأنزلوا جركس من القلعة وكل مَنْ معه، وأخرجوا كل شيء لقراسنقر في حلب من الخيل والجمال. ثم سار قراسنقر ومهنا بمن معهما ونزلوا على حَيْلان، وتَشَاورا تلك الليلة، فقال قراسنقر لمهنا: يا ملك العرب، أنت اليوم ملك العرب، وليس في الترك ولا في العرب أكبر منك، ولا أَدْرَي بالأمور، وأنا ما بقى لي مقام مع السلطان الملك الناصر بعد أن جرى هذا الأمر، ولا بَقَيتُ آمن على روحي منه، وقد علمت ما جرى على الذي قبلي، فقال له مهنا: ماذا تريد تَفْعل؟ قال: أعبر إلا بلاد التتار، وأجلب العساكر وأقلع المُلْك منه، فقال له مهنا: بئس الرأي، تبدل الإيمان بالكفر، فما الذي جرى عليك الآن فلا تعرف رجوعك إلى حلب إلَّا مِنِّي، وفي هذه الساعة أكتب إلي السلطان فيك، ونجيب لك بكل ما تختار، فقال: يا ملك العرب، لا تفعل، لأني ما بقيت آمنًا على نفسي منه أبدًا، لأني رأيت كيف حلف لغيري، ثم أخذه، فقال مهنا: أنا أقول لك شيئًا آخر، وهو أني آخذ لك حلب وأتدرَّك أن لا يسير إليك تجريدة، وأنت تدرَّك بلاد حلب، فقال قراسنقر: رضيت بذلك، ولكن إذا جاء عَلَيَّ عسكر كثير فأَذهب حينئذ إلى البلاد. ثم إن مهنا وقراسنقر تحالفا أن يكونا على قلب رجل واحد في السراء والضراء. ثم في الحال طلب مهنا ولده سليمان، وكتب معه إلى السلطان، وذكر فيه أحوال قراسنقر، وأنه كان رائحًا إلى بلاد العدو المخذول، وقد منعته عن ذلك، وضمنت له عن مولانا السلطان أنه يرده إلى حلب كما كان، وسؤاله من الصدقات الشريفة أن لا يُرَدُّ ماسأله المملوك، لأن مولانا السلطان يعلم أني ما قصدت بهذا إلا خيرًا لمولانا السلطان ولبلاده، لأنه لو عبر إلى بلاد التتار لكان يحصل منه فساد كثير، وربما كان يحوصل (¬١) إلى أمور لا يقدر عليه غيره، فمولانا السلطان، خلد الله ملكه، يعلم ما جرى على المسلمين من نوبة [قفجق] (¬٢)، ولا شك أن قفجق ما يجيء قدر ذَرَّة في قراسنقر، ولولا أني أدركته لفات الأمر، وكنا نتعب بعد ذلك. وهم في هذا، فإذا بقاصد قراسنقر قد وصل من دمشق وأخبر أن أرغون الدوادار قد وصل إلى دمشق ونزل على القابون، وقد تجرد معه أربعة آلاف فارس وهم طالبون، فقال قراسنقر لمهنا: كيف ترى ما أقول لك؟ فقال: طيب قلبك، فأنا ما أُخلِّي أحدًا منهم يتجاوز عن حمص حتى يجيء إلينا مرسوم السلطان بما نعتمد عليه، فركب قراسنقر من حلب ونزل على الباب (¬٣)، ثم رحل من الباب ونزل على بالس (¬٤). وأما سليمان فإنه لما حضر بين يدي السلطان أعطاه [كتاب] (¬٥) والده فقرأه وعلم ما فيه، فقال: ولأي معنى رجع قراسنقر من سفر الحجاز؟ وقد سَيَّرنا له الإقامات إلى المنازل، واحتفلنا له غاية الاحتفال، فباس سليمان الأرض، وقال: فكأنه توهم من العسكر الذي أخرجه مولانا السلطان مع أرغون الدوادار فظن أنه لأجله، وداخله الخوف من السطوات الشريفة، ولولا مهنا لكان قراسنقر الآن في بلاد العدو، غير أنه قد عوقه، وضمن له عن مولانا السلطان، فقال السلطان: هذا الذي توهمه قراسنقر قطّ ما مر بخاطري، ولكن لمَّا سافر هو خِفْت على أطراف البلاد، فجرَّدت أرغون إليها فيقيم بها إلى حين يقدم قراسنقر، وما عندي في أمراء مصر والشام أحدٌ أكبر منه عندي، فيرجع إلى حلب منشرح الصدر طيب الخاطر منبسط الأمل، ثمأمر سليمان بالخروج. وأمَّا كتاب مهنا لما وصل إلى أرغون فإنه قد تأخر عن حمص مثل ما أشار به مهنا، ثم بعد خروج سليمان من مصر قدم مملوك أرغون الدوادار إلى مصر ومعه كتاب أرغون فيه: أننا لما وصلنا إلى حمص جاءنا كتاب مهنا يذكر فيه أنك أي وقتٍ تتحرك من حمص يهرب قراسنقر ويذهب إلى بلاد العدو المخذول، فتأنَّ فيه إلى أن يجيء مرسوم السلطان، فإني قد سَيَّرت إليه، وننظر بماذا يجيء الجواب، فنعتمد نحن وأنت عليه، واليوم قراسنقر على الجزيرة المنسوبة للرقة، ولو تقدمنا يومًا واحدًا قطع الفرات إلى بَرِّ العدو، وأما مهنا فإنه نازل على سلمية، وأخوه فضل وولده موسى عندي. ولما وقف السلطان على كتابه، كتب جواب كتاب مهنا بأنا نحن نعلم ما أشار به الوالد من شفقته على هذه الدولة، وأما ما ذكره من قراسنقر، فوالله العظيم، أنا ما عندي خبر من كل ما جرى، وما هذا الوهم الذي دار في قلبه؟ وما موجب هذا؟ وأنا ما أنسى خدمة قراسنقر لي، ولا في مماليكي كلهم من هو خير منه عندي ولا أكبر منه، وحلب دربست له، والذي جرى من قرطاي الحاجب كان بغير أمري، وإن أراد هو أُرْسل إليه وأُخْرجه من حلب، وكذلك الأمراء الذين قاتلوا معه، فيرجع هو إلى بلده، ونحن لا نستغني من مشورته وكتبه على عادته، فما بقى من مماليكي الكبار لأبي غيره، وأما [أرغون] (¬١) فقد أرسلت إليه وقلت له: أنه إذ سمع بأن قراسنقر قد رجع إلى حلب يرجع هو من حمص. وكتب أيضًا [لأرغون] (¬٢) مثل كتاب مهنا في الظاهر، وفي الباطن أنك تكشف أخبار قراسنقر، فإذا تحققت عبوره إلى حلب اعمل كما عمل الأمير كراي للأمير اسندمر (¬٣)، وهو أنك تركب أول الليل من حمص ولا تُدْري أحدًا وتسوق إلى ناحية حلب، فتهجم على قراسنقر على غفلة، ثم تعود من حلب وتأتي إلى طرابلس، وتعملمع الأفرم كما عملت مع قراسنقر، ثم تأتي إلى حمص فإن كان مهنا على سلمية تركب من الليل وتكبس عليه وتمسكه، وتمسك معه أولاده، وإياك أن ينفلت منهم أحد، واحذر كل الحذر، ثم ارجع بهم إلى دمشق، وامسك في دمشق الأمير [الزردكاش] (¬١) والبرواني وبلبان الدمشقي، وهاتهم صحبتك تحت الاحتياط. وكتب أيضًا كتابًا لقرا لاجين مثل كتاب أرغون، وكتب لبقية الأمراء، لكل واحد بمعنى، ثم أمر المملوك أرغون بالخروج والرواح إلى أستاذه. ولما خرج تلاقى في الطريق سليمان بن مهنا، فإنه كان خرج قبله بمقدار نصف يوم، فسار ليلًا ونهارًا إلى أن وصلا إلى قاقون، وكان قد وقع بينهما أنسٌ في الطريق، وكان سليمان صاحب مكر وخداع. قال الراوي: فشرع كلاهما يتحدثان في أمر قراسنقر، فقال سليمان: والله، لو أني كنت صاحب مصر ما كنت أبقى قراسنقر ساعة واحدة لأنه شيطان الأرض، وكل شرٍّ يقع في مصر أو في الشام فهو من تحت رأسه، وهو ذخيرة سوء، وإشْ كان هذا النحس حتى ردَّ السلطان إليه حلب، فماذا يرجو منه؟ وكان المملوك غُتْمِيًا (¬٢) لا يعرف المكر ولا المكيدة، فلما سمع هذا الحديث من سليمان ضحك، وقال له: أنت تظن أن هذا صحيح من السلطان وأنه يردّ قراسنقر إلى حلب، والله، ما بينك وبينه إلى جوازه إلى حلب، ثم أحاط به البلاء. فلما سمع سليمان هذا الكلام من المملوك سكت وأَضمره في خاطره، وركبا من قاقون وسارا، فصار سليمان يتحيل إلى [أن] (¬٣) يسرق بعض الكتب التي مع مملوك أرغون، فتَمَّا سائران إلى أن وصلا إلى دمشق، وقت والعشاء الآخرة، فقال سليمان للمملوك: قد هجم علينا الليل ونحن سهارى، وما ينقطع الليل إلا بالتلهي، ثمأخرج دينارًا وأعطاه لغلام البريد وقال له: خذ لنا بهذا نُقْلا (¬١) وحَلَاوة صابونية نتنقل بها في الطريق حتى لا ننعس، فأخذ الغلام ذلك، ثم ركبوا، ولما وصلوا إلى قابون قال سليمان للغلام: هات لنا الحلاوة، فأتى بعلبة ففتحها سليمان، وأخرج منها قطعة لنفسه، وقطعة للمملوك، وأعطى الباقي [للغلام] (¬٢)، فأكلوا وهم سائرون إلى أن وصلوا إلى حرستا، فصار المملوك لا يقدر أن يحمل روحه من غلبة النوم، فقال لسليمان: يا أمير، قد قتلنا النوم، انزل بنا ساعة نستريح، ثم نركب، فنزلوا، وانطرح المملوك مثل الميت وهو يشخر، وكان مع سليمان بنج في كاغدٍ، فجعل منه شيئًا في الحلاوة التي دفعها للمملوك، وكان سبب تغلبه ذلك، ثم مد سليمان يده إلى جراب المملوك وأخرج جميع الكتب وقرأ عنوانها، فأخذ الكتاب الذي باسم أرغون، [فقرأ] (¬٣) كل ما ذكر السلطان في حق قرا سنقر في هذا الكتاب، ورد باقي الكتب في الجراب، ثم اتكأ ونام إلى الصبح، ثم انتبه ونبه المملوك، فقعد وهو مُخَبَّل من البنج، فركبوا وساروا إلى القصير، فغيروا خيولهم، ولم يزالوا سائرين إلى أن صلوا إلى القطيفة، فافترقا، فسار سليمان يطلب درب جنيجل، وسار المملوك يطلب حمص. ولما وصل سليمان إلى أبيه مهنا وهو في سلمية، دفع له كتاب السلطان، فلما قرأه فرح وشرع يسأل عما جرى عند السلطان في حق قراسنقر، فلما سمع ذلك من أبيه أخرج له الكتاب الذي أخذه من جراب المملوك، وقال له: اقرأ هذا، فلما قرأه، قال: الله أكبر، يا للرجال، ثم أمر في الحال بأن ترحل بيوته من سلمية فرحلوا، وما أصبح الصباح إلا وهم على منزلة يقال لها الشحيرة، وطلب سليمان، وقال له: يا ولدي، اذهب إلى قراسنقر، وقل له: يأتي إلينا بالعجلة حتى نتفق معه على أمر نفعله، وأعطاه الكتاب الذي [كتبه] (¬٤) إليه السلطان، والكتاب الذي كتبه إلى أرغون فيه، فسار سليمان حتىوصل إلى الرقة فاجتمع به وأعطاه الكتابين، فلما قرأ الذي له فرح وانشرح صدره، ولما قرأ الآخر اصفر وجهه وتغير لونه، ثم قال: يا أمير سليمان، لولا هذا الكتاب راحت أرواحنا، فكيف يكون التدبير؟ فقال: مهنا يطلبك حتى تتفق معه على مصلحة تُفعل. فبينما هما في الحديث إذ عبر مملوكه مغلطاي، وقال: قد حضر بريدي من السلطان، فأمر بإحضاره، فحضر، فإذا هو علاء الدين بن الدبيس، فدفع له الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: عتبت على قراسنقر من جهة [تَخَيُّلِه] (¬١) بهذا الخيال الذي لم يخطر على البال، وهذا جزاؤك مني! فأنت عندي أكبر من الكل وأَخْيَر، فحال وقوفك على هذا الكتاب ترد إلى حلب على ما كنت عليه، وتُخرج منها قرطاي والأمراء الذين اتفقوا معه على ما جرى في حقك. فقال قراسنقر: يا علاء الدين، أنا ما بقى يجئ مني نائب في حلب، وقد بقيت شيخًا كبيرًا، فإن كان الكلام صحيحًا، وله فيَّ حُسن ظن يعطيني البيرة أو الرحبة، وأنا أكفيه مؤنة التجاريد إلى الأطراف في كل وقت، وأكون أنا ومماليكي مقيمين بها، وإن كان كَرِهني فأنا أخليه وأروح من البلاد، فقال له علاء الدين بن الدبيس: اصبر عَلَيَّ حتى أروح إلى مصر وأعود إليك بكل ما تريد، ولكن اكتب معي كتابًا إلى السلطان بطلب أي قلعة أردتَ، حتى آتي بمرسوم السلطان بما تريد، فكتب قراسنقر، وطلب البيرة. ثم قال لعلاء الدين: قل لأرغون لا يتحرك من حمص، فأي وقت ركب من حمص عبرت إلى بلاد العدو، فركبَ علاء الدين وسار. وأما مملوك أرغون فإنه لما وصل إليه دفع له الكتب التي معه ففرقها للأمراء، وما رأى كتابًا يخصه، فتحيَّر، وقال: لله العجب، ما جاءني كتاب، ثم سأل عن لاجين، فقال: أين كتابك؟ فأحضره وقرأه، وإذا فيه نسخة الكتاب الذي كتبه السلطان لأرغون، وهو الذي أخذه سليمان في الطريق كما ذكرنا، وكلما يذكر فيه فصلًا يقول: هكذا ذكرنا في كتاب أرغون، فعلم أرغون أنه جرى أمر في كتابه، فَاخْتَلَىبمملوكه، فقال له: قل كيف كانت قضيتك؟ وما جرى في الكتاب الذي أرسله السلطان إليَّ مع كُتب الأمراء، فشرع يحكي له بجميع ما جرى له مع سليمان حين رافقه في الطريق، وكيف ناموا في حَرَسْتا، فقال أرغون: ما أخذ الكتاب إلا سليمان بلا شك، وأنه قد جَفَّل قراسنقر ومهنا، ففي تلك الساعة أمر بالركوب، فركب هو وساق يطلب حلب، وقال الأمير جوبان: خذ معك ألف فارس، ورُحْ بهم إلى الرحبة، فأخذهم وساروا نحو الرحبة. وجاء الخبر إلى قراسنقر بجاسوسه أن أرغون وصل إلى حلب، فرحل من الرقة ونزل على جعبر، وأرسل جواسيسًا من الناس إلى الثقات عنده يُعَرِّفُونه الأخبار كل وقت، ورحل أرغون من حلب ونزل على الحمامات، فجاء الخبر بذلك إلى قراسنقر، فخاف على نفسه، فقال له سليمان: يا أمير، لا تخف، وطيب قلبك، فوالله، لو أن القوم أشرفوا علينا ما نُبَالي، ولاسيَّما بيننا وبينهم مسيرة يومين. ثم كتب قراسنقر إلى أرغون كتابًا وأرسله مع مملوكه مغلطاي، مضمونه: أنه يقول لأرغون لا تستعجل عَلَيَّ، هذا مرسوم السلطان جاءني بحلب، وإنه ما يُغَيِّر عَلَيَّ شيئًا، ولولا وصلت إلى هاهنا لكنت أنا اليوم في حلب، وقد أرسلت إلى مصر وطلبت مرسوم السلطان برجوعك فلا تستعجل عَلَيَّ واصبر حتى يجيء المرسوم (¬١) بم أَعتمد عليه أنا وأنت. وكان الأمير بيبرس العلائي، نائب حمص، مع أرغون، فقال له: المصلحة أن تصبر فلعل مرسوم السلطان (¬٢) يجيء وتستريح من هذا التعب، فقراسنقر اليوم مثل باز على قُفاز، وأي وقت [رحلنا] (¬٣) من هاهنا يذهب إليه الخبر بجاسوسه، فيدخل إلى بلاد العدو، فلا يبقى لنا وصول إليه، فقال أرغون: صدقت، والوقت لا يحتمل المداراة، فلعله ينخدع.وأقام أرغون على الحمامات تسعة أيام، ونفذت أزواد الناس، وعلائق الخيل، فهرب أكثرهم من الجوع، فأعلم الأمراء بذلك لأرغون، فأمرهم بالرجوع إلى حمص. وأما جوبان (¬١) فإنه هو ونائب الرحبة كل يوم يركبان ويتصيدان في تلك البراري حتى أن خيل جوبان كانت وصلت إلى البليخ. البَليخ: بفتح الباء الموحدة وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره خاء معجمة، وهو نهر بالعراق معروف، قاله البكري، وقال غيره: هو موضع بجزيرة الشام، ويقال هو برقة الشام. وكان عليه كشافة لجوبان، فجاءوا وأعلموه أن قراسنقر رائح إلى عربان، فركب جوبان ومعه الأزكشي بألف فارس، وجدوا في السير يومين، وفي اليوم الثالث أصبحوا على عربان عند طلوع الشمس، فانذعرت أهل عربان، فخرجوا من البلد وأتوا إلى جوبان، وقالوا: نحن مماليك السلطان وتحت أوامره، فقال الأزكشي، قراسنقر في أين؟ قالوا له: يا مولانا، والله، ماله عندنا خبر، غير أن نهار أمس جاء إلينا من مماليكه عشرة أنفس، قد هربوا منه من البليخ، وكانت أُنَاس عندنا من جهة صاحب ماردين، فأخذوهم وراحوا بهم إلى ماردين، فنزل جوبان والأزكشي على عربان، وتزودوا منها لهم ولدوابهم، وأقاموا ذلك اليوم عندهم. وأما أرغون فإنه لما نزل على حمص علم قراسنقر بذلك، وعاد وقطع الفرات، وسار طالبًا مهنا، ومعه سليمان، فوصلا إلى مهنا، فقال له قراسنقر: يا ملك العرب، ما لهذا السلطان نية جيدة، فإذا قدر، لا يُخَلِّى مَنَّا أحدًا، كيف نعمل؟ قال له: صدقت، ثم إنه في الحال أرسل قاصده إلى دمشق معه كتاب إلى الزردكاش والكتاب الذي أرسله السلطان إلى أرغون، وذكر في كتابه أنكم شبه غنم في حبس جزار، فَكل وقتٍ يخرج منكم جماعة فيذبحهم، والبقية ينتظرون الموت بالنوبة، فخذوا لأرواحكم وارحموا علىأنفسكم، ففي الساعة التي تقفون على كتاب السلطان اركبوا وروحوا إلى الأفرم نائب طرابلس، وخذوه معكم، وتعالوا إلينا لتدبر أمرًا يكون لنا ولكم فيه خلاص أرواحنا، وإن تعوقتم راحت أرواحكم. وكان قد اتفق أن السلطان أرسل تجريدة أخرى تقوية لأرغون وفيهم من الأمراء: أمير حسين بن جندار، والأمير قلي، وكانوا قد وصلوا إلى أرغون واجتمعوا على حمص. ولما وقف الزردكاش على كتاب مهنا، طلب في الحال: بلبان الدمشقي، والتاجي، والبيسري، وغيرهم، وعرض عليهم الكتاب الذي جاءه، والكتاب الذي جاء لأرغون، فقال التاجي: الله يعلم أن هذا صحيح أم لا؟ وربما يكون هذا دسيسة مهنا وقراسنقر لأجل أنها قد خامرا على السلطان، فقال الزردكاش: أنتم إلى الآن تكذبون الخبر، فسنرى مَنْ يندم. ثم اتفق الزردكاش وبلبان الدمشقي والبرواني على أنهم يروحون إلى الأفرم ويأخذونه ويذهبون إلى قراسنقر، فحلفوا على ذلك، وتشاوروا أنهم يخرجون وقت الظهر يوم السبت، وتواعدوا على أنهم يجتمعون على صيدنايا، فلما فرغ الموكب يوم السبت طلب الزردكاش مماليكه وأمرهم أن يركبوا كلهم بالعدة، ثم ركبوا كلهم، وهم ثمانون فارسًا، وخرجوا من باب الفرج، ورآهم الناس، وظنوا أنهم خارجون إلى الصيد، وكان بلبان الدمشقي نازلًا بالعُقَيبة، فجاز إليه الزردكاش فركب معه، ولحقهما البيسري أيضًا، فخرجوا ووقع الصوت أن الأمراء قد هربوا، وأمر النائب لجمال الدين والي البر، وقال له: اركب خلفهم، وانظر إلى أين يروح هؤلاء، فإنهم لو كانوا هاربين لكانوا خرجوا بالليل، وركب أيضًا وراءهم الأمير طرنطاي الحموي والمشد في مائتي فارس، وأدركوهم وهم نازلون على بركة صيد نايا، فركب الزردكاش والبيسري مع جماعة، وخرجوا وحملوا على طرنطاي، وكان طرنطاي رجلًا عاقلًا، فقال لهم: نحن ما جئنا لنقاتلكم، بل جئنا حتى ننظر إلى أين أنتم رائحون، فقال الزردكاش: وإش تريدون؟ ونحن رائحون إلى الصيد، ارجعوا عنا، وإلَّا يكون بيننا أشأم الأيام، فرجع طرنطاي والحموي ومعه المشد،ولاقوا في الطريق ثلاثين بغلًا مُحَمَّلة قرقلات وخوذ ونحو ذلك فأخذوها. وأما الزردكاش فإنه رحل في الليل وطلع على عُسال، ونزل على اللفيكة وقطع العاصي، وسار يريد مرج حين، وكان الأفرم نازلًا عليه ومعه أمراء طرابلس، وكان أمير حسين بن جمدار (¬١) أرسل إليه من حمص يقول له: إني أريد أن أتصيد أنا وأنت والأمير قلي معنا من جبل مرج حين إلى بعلبك، وكان الأفرم قد أرسل مملوكه [ألطنغش] (¬٢)، وهو استاداره أيضًا، إلى الناعم، ومعه إقامة للأمراء، ولما وصل إلى الأفرم قاصد الزردكاش وأعلمه بقدومه، ركب هو وعسكر طرابلس فلاقوا الزردكاش، وأخذهم الأفرم إلى وطاقه، ثم أخلى الزردكاش مع الأفرم، وأوقفه على الكتاب الذي جاء إلى أرغون بقبضهم، فلما قرأه اصفر وجهه، ثم قال: ماذا تعمل؟ قال الزردكاش نروح إلى مهنا وقراسنقر ونتفق معهما على أمر نفعله، فقال الأفرم: كيف نروح وأمراء طرابلس معنا مع العسكر؟ فقال الزردكاش: نزور كتابًا على لسان أمراء الشام ونائب دمشق وأرغون والمصريين كلهم بأنهم اتفقوا كلهم على أن يسلطنوا الأفرم، وها نحن رائحون إلى حمص، وتأخذ معك مَنْ تريد من الأمراء، فإذا عدّينا هذا الجبل افتصلنا في أرواحنا، فقال الأفرم: هذا هو الرأي. وكان عند الأفرم رجل نصراني، كاتب له، يقال له: المكين، وكان أمكر النصرانية، وما كان بينهم مثله، فطلبه الأفرم وقال له: نريد أن نكتب كتابًا حتى أن من يراه ومن قرأه لا ينكر عليه، فقال له أكتب كُتُبًا وأضعُ عليها علائم الأمراء، بحيث لو وقع كتاب منها بيد المُزَوَّرِ عليه لحلف أنه خطه، ثم شرع الزردكاش يُملي ويكتب النصراني، ولما فرع قرأه على الأفرم فقال: والله، لولا علمي به لَحَلَفتُ أنه صحيح. ثم أرسل (¬٣) النصراني إلى حاله، وطلب أمراء طرابلس، وقال لهم: تعلمون لأجل ماذا طلبتكم، فقالوا: لا، فقال: إن أمراء دمشق ونائبها اتفقوا مع الأمير قراسنقر ومهناملك العرب على أنهم يسلطنونني في الشام، وقد حلف الجميع على ذلك، وهذه خطوطهم وأيمانهم، فأخرج الكتاب الذي بخط النصراني فقرأه الموقع عليهم، فإذا فيه خطوط أمراء مصر والشام كلهم وأيمانهم، فلما سمع أمراء طرابلس والساحل بذلك، قالوا: نحن لا نُخالف، وهذه أكبر شهواتنا، ثم قال الأفرم: يا أمراء، طيبوا خواطركم، فإن استمريت في السلطنة جعلتكم أقرب الأمراء إليّ، ودعوا له. ثم عين الأفرم منهم خمسة أمراء، وقال للباقي: اذهبوا إلى طرابلس لأنه ربما يخرج الإفرنج طمعًا في غيبتنا، فأجابوه بالسمع والطاعة، فعند ذلك ركب الأفرم في مماليكه والأمراء الذين عينهم معه. وأما أرغون فإنه جمع أمراء مصر، وقال لهم: إن السلطان قد أرسلنا في أمور، وما قضينا أمرًا واحدًا، وقد عولت أن أسير وأمسك الأفرم، لأنه من بعض الغرماء الذين عينهم السلطان، فقالوا: افعل ما بَدَا لك، فطلب أمير حسين بن جندار وقلي، وعين معهما ألف فارس من عسكر مصر والشام من الرجال المشهورين، وقال لهم: اقصدوا مرج حين، واهجموا على الأفرع واقبضوا عليه، فركبوا من حمص وساقوا يقطعون الأرض بغير راحة، حتى وصلوا إلى مرج حين وكبسوا المرج، فلم يجدوا فيه غير تركمان وبعض الغلمان الذي انقطع مع الثقل، فسألوهم عن الأفرم، فقالوا: البارحة رحل وسار يطلب حمص لأنه جاءه من دمشق ثلاث أمراء فأخذوه وراحوا، ولما سمع بذلك أمير حسين وقلي قالا: على أي طريق أخذوا؟ فقالوا: على هذه الطريق، وأشاروا إليها، فسارا خلفه. وكان على المقدمة أمير من أمراء دمشق يقال له: قطلوبك بن جاشنكير، وكان حامل رنك الأفرم وقد سبق العسكر جميعه، وهو واقف على عين في طرف مرج حين يسقي خيله، فطلع المصريون ورأوه، فوقع فيهم الصوت، وقالوا: جاء الأفرم، فرجعت الناس إلى ورائهم، وكان أمير حسين وأمير قلي خلف الناس، فقالا: ما للناس؟ فقالوا: قد أشرف الأفرم وهذي سناجقه، فتغيرت ألوان الناس، ولبسأمير (¬١) حسين وقلي اللبوس، وبقيا ينظران إلى السناجق وهي لا تتحرك من مكانها، فَسَير أمير حسين مَنْ يكشفها، وإذا بها سناجق قطلوبك بن جاشنكير، فغضب أمير حسين وطلبه، وأخرق به وضربه مائة، وتشوش وأحرق سناجقه. ثم نزلوا من مرج حين إلى جانب العاصي، فرأوا منزلة الأفرم، فيها جماعة من الفلاحين يفتشونها، فسألوهم عن الأفرم، قالوا: بات البارحة هاهنا، ولكن جبالهم ما وصلت إلى الصباح، فلما سمعت الأمراء بذلك ساقوا على آثارهم إلى بعد الظهر فوصلوا إلى الغسولة ولم يروا أحدًا فأيسوا منه. وجاء واحد من مماليك أمير حسين إلى خان الغسولة يسأل عن الأفرم، فأخبره واحد بأن الأفرم عبر عليهم، وهم مقدار خمسمائة فارس وجماعة أمراء، وجاء الزردكاش إلينا وأخذ خيل البريد وراحوا من ضحوة النهار، وأما جماله وثقله [فما] (¬٢) راحت. فأخبر المملوك بذلك لأمير حسين، فساروا مجدين، وقد ذكرنا أن مغلطاي كان قد انقطع مع الثقل في ثلاثين [فارس] (¬٣)، وهم سابقون مجدون، فإذا بأمير حسين قد أدركهم هو والأمير قلي، ولما رآهم مغلطاي صاح لأصحابه، فقال: إن سلَّمنا لهؤلاء يكون عيب عظيم، فقوموا واجتهدوا واتبعوني أينما رحت، ولا يهرب منكم أحدٌ، فأي من هرب ضربت رقبته. ثم إنه لما رأى أمير حسين قدام الخيل عرفه، فقال له: يا ولد الزنا وتربية الخنا، هذا جزاء الأفرم منك؟! فعارضه كالبرق الخاطف، وكان مغلطاي شجاعًا مشهورًا بينهم، ورماه بسهم فأصاب رقبة فرس أمير حسين، ثم رماه بآخر فأصاب جنبه، فوقع الحصان على الأرض، فأسرعت إليه ماليكه وأركبوه، فنجى منه، بعد أن قتل سبعة أروس منالخيل. فأخذ أمير حسين وقلي الثقل كله، وعاد مغلطاي إلى أستاذه وفي قلبه النار، فسأله عن قضيته، فأخبره بما جرى، وأن الثقل قد أُخذ، وأنه بعد جهد عظيم تخلص منه، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأما الأمراء الذين كانوا مع الأفرم فعلموا في ذلك الوقت أن الكتاب الذي قرأه الأفرم عليهم كان زورًا، وأنه راح إلى قراسنقر، وكان كل ما يملكه الأفرم كان على الجمال التي أُخِذت. ولم يزل الأفرم سائرًا حتى أتي إلى سلمية، وسأل عن مهنا، فقالوا: هو على القسطل، وكان قد جاء إليه خبر الأفرم بأنه واصل إليه، وكان قد اختفى قراسنقر وغير حليته، وكان يقول للناس إنه قد راح من عندي، وكان أرغون قد أرسل إليه يعتب عليه، ويقول له: لا تضيع ما بينك وبين السلطان لأجل قراسنقر ويكون ذلك سبب دمار العرب كلها، وعلى كل حال إن قراسنقر مملوك السلطان، فلا تدخل بينه وبين مملوكه، فأرسل مهنا إليه: أن قراسنقر راح من عنده، وكان مهنا قد قال لابنه سليمان: خذ قراسنقر وابعد عنا مسيرة يوم في البرية. ولما جاء الخبر بذلك إلى أرغون كتب إلى السلطان: بأن مهنا بأطراف البرية وقراسنقر عنده، ولولاه لأخذنا قراسنقر، وأن أخا مهنا فضلًا وولده موسى عندي مواظبين الخدمة ليلًا ونهارًا، وأخبره بجميع ما جرى، وأرسل كتابه مع ابن موسى، وكان شابًا يسمى محمد، وكتب أيضًا فضل كتابًا إلى السلطان. وأما الأفرم والزردكاش فإنهما وصلا إلى مهنا، فركب إلى ملاقاتهما، ثم أنزلهما في جواره، فسألاه عن قراسنقر، فقال: إنه مع ابني سليمان في البرية يصطادان، ثم قال الأفرم: أريد أن توقفني على الكتاب الذي جاء به سليمان، فأحضره مهنا ووقف عليه الأفرم، فإذا فيه: إلى أرغون، إنك إذا قبضت على قراسنقر اقبض على مهنا وعلى الأفرم وعلىعشر أمراء من دمشق، وعينهم بأسمائهم. فقال الأفرم: الله أكبر، هذا الرجل نيته أن لا يُخَلِّي أحدًا منا، وسمع مهنا بأن كل ما كان مع الأفرم أُخذ، فقال له: لا تضيق صدرك مما قد راح منك، فهذه أموالي كلها بين يديك، فقال الأفرم: نريد أن نبصر الأمير قراسنقر، فطلب مهنا ولده أحمد، وقال له: اركب إلى أخيك يحضر هو ومعه قراسنقر، وأعلمهم بقدوم الأمراء، فسار خلفهم. وأما أمير حسين بن جندر فإنه وصل إلى حمص ومعه ثُقل الأفرم، وأحضره بين يدي أرغون، وحدثه بجميع ما جرى له، وفي الحال جهز أرغون بَريديًا إلى السلطان يُعْلم أن الأفرم قد هرب وراح إلى مهنا، وقد ساقوا خلفه فلم يلحقوا إلا ثقله فأخذوه وأحضروه إلى دمشق، ونحن نازلون على حمص، هم نزول على القسطل، وكشافتهم عندنا ليلًا ونهارًا، وربما يكاتبهم بعض الأمراء الذين عندنا، وقد اجتمعت عندهم جماعة كثيرة، قيل: إنهم أكثر من خمسة آلاف نفس. وأما قراسنقر فإن الأمراء قد اجتمعوا به وتشاوروا فيما بينهم فيما يعملون به، ومهنا معهم، وكل واحد منهم رأي رأيًا: فقال الزردكاش: اعلموا أن كل شيء فيه تأخير يكون للشيطان فيه تدبير، وعندي من الرأي أن نركب جميعًا ونسوق ونكبس العسكر الذي على حمص مع أرغون، ثم نعبر دمشق وقد انتظم لنا الأمر كما نريد، وينضم إلينا كل مَنْ في الشام، وما دمنا نحن في هذه البرية لا يجئ إلينا أحد ويقل عددنا ونضعف، فقال الأفرم: والله، صدقت. فقال مهنا: هذه هي المصلحة، غير أنا نخاف أن يهلك بيننا مسلمون، ونعدم شيئًا كثيرًا، فيتعلق ذلك برقابنا، بل الرأي عندي أن نكاتب الأمراء الذين على حمص، فلعلهم يوافقوننا، ونعدهم بكل جميل، فإذا مالوا إلينا هان أمرنا بغير حرب ولا قتال مع المسلمين. فقال الزردكاش: هذا الأمر لا يتم لكم، وسوف تعلمون قدر كلامي. فقال مهنا: أنت يا أيبك رجل جاهل، وهذا ما هو بمصلحة. فبينما هم في الكلام جاء حاجب مهنا، وقال لهم: جاء علاء الدين بن دبيس ومعه مملوك السلطان، فقال له مهنا خَلِّه يحضر، فأذن لهما، فدخلا على مهنا، وسلما عليه وعلىالأمراء الحاضرين، ثم أخرج المملوك كتاب السلطان وناوله لمهنا، ثم أخرج كتابًا آخر، وقال: هذا لقراسنقر،، ثم قال أين قراسنقر حتى أعطيه كتابه؟ فقال له مهنا: أنت ما تعرف قراسنقر، قال: بلى، أعرفه، ولكنه ما هو عندكم هنا. قال له مهنا: هذا هو قراسنقر، فأشار إلى رجل بجانبه، فنظر إليه "مملوك السلطان ومعه" (¬١) ابن الدبيس، فإذا هو بدوي عليه ثياب البدوية، وقد تلثم بلثامين، وكان هو قراسنقر قد غير حليته، فكشف عن لثامه فعرفه المملوك، فقام إليه وقبل يديه، ثم أعطاه كتاب السلطان، فأخذه، وقال لمهنا: نقرأ كتابك أولًا أو أقرأ كتابي؟ فقال مهنا: لا، إلا كتابي، ففتح مهنا كتابه، وإذا فيه يقول لمهنا: يا والدي، كنت أحسب كل حساب، ولكن ما كنت أحسب أنك خيرت قراسنقر عَلَيَّ، فيا سبحان الله، بلغ قراسنقر إلى هذا الحد حتى يجاوبني ويقابلني بهذه المقابلة، وأنت ترضى له بهذا الفعل، هذا قط ما خطر بخاطري، فأريد من شفقة الوالد، كما أعرف منه قديمًا، أن لا يرضى بشق العصى ولا بخلال النظام، لأن هذا الأمر الذي فعله قراسنقر يطمع غيره في المملكة ويضر في الدولة، فأريد من إحسان الوالد، إن لم تقبض عليه وتسلمه إلى مملوكي أرغون، فابعده عنك إلى مكان، ثم أرسل إلى أرغون وأعلمه بمكانه فيروح هو إليه ويكبس عليه ويأخذه، ويكون لك اليد البيضاء. فوقف مهنا على ما في الكتاب جميعه، ثم طواه وشاله، ثم فتح كتاب قراسنقر، وإذا فيه يقول: من ولده محمد بن قلاوون، والله العظيم، لقد أتْعَبْتَ نفسك وأتعبتنا من غير شغل، أنا أعطيك حلب وبلادها على عادتك فأنت ترسل إليّ وتطلب مني البيرة، وإش البيرة؟ فوالله، ما أرضاها لبعض مماليكك، لكن الأغراض تُنفق السِّلع، وقد أجبتك إلى ما طلبت وأعطيتك البيرة تقيم فيها، وخّبزك الذي في حلب معك، ولا تُخَلِّ نائبًا في حلب إلا مَنْ تريده أنت، وإن أردت أن تكون في البيرة وتُعَين نائبًا في حلب منمماليكك، وكل شيء في خاطرك أشرحه حتى أزيل الذي لا ينفعك، وهذا الخيال الذي تخيلت به ما وقع في [خاطري] (¬١)، والله العظيم، فانظر بين يديك ومن ورائك، ولا تشمت بك أعداءك، فقرأ الكتاب على الأمراء جميعهم. ثم إن قراسنقر التفت إلى مملوك السلطان، وقال: بطل حكم هذا الكتاب، لأني كنت أولًا وحدي، والآن صرنا جماعة، فقال مهنا للمملوك ولابن الدبيس: رُوحَوُا الآن واستريحوا، فقاموا وراحوا، وبعد خروجهم قرأ مهنا كتابه على الأمراء، فقال الأفرم: يا لدين محمد، ما يأمن إلى هذا السلطان إلا مَنْ ليس له عقل، أين هذا الكتاب من هذا الكتاب؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم تحدث كل واحد منهم على مقدار عقله، وقال لهم مهنا، وأنا ما أمكنكم من الرَّوَاح إلى بلاد العدو أبدًا، ونفسي دون نفوسكم، فنقيم في هذه البلاد على هذه الصورة، وأكتب إلى السلطان بأن يعطيكم الرحبة وقلعة البيرة وقلعة الروم وبهنسي، وأنتم تدركون الأطراف، وأخبازكم على حالها، فإذا أجاب وأقمتم في هذه الأطراف أمنتم شره، وأنا ظهركم، وتكون البرية حصننا، فأي وقت ظهر لكم منه شرٌ، اخرجوا من البلاد إلى البرية، وهي قريبة منكم، فقالوا: هذا رأي جيد، غير أنها تريد أن تحلف لنا أنت وأخوك محمد وابنك سليمان، فقال لهم: نعم، فاجتمعوا، وحلفوا كلهم بأيمان مغلظة على أنهم يد واحدة، يعيشون جملةً واحدة ويموتون جملةً واحدة، ولا يتخلف بعضهم عن بعض. ثم كتب مهنا إلى السلطان، وطلب هذه الأماكن المذكورة، وذكر في كتابه أيضًا: أما ما ذكره مولانا السلطان أني خيرت قرا سنقر عليه، فهذا شيء لا يكون أبدًا، ولولا مولانا السلطان ما عرفت أنا قراسنقر ولا غيره من الترك، غير أن قراسنقر قد جاز على المملوك وهو في بيته، وقد لزم المملوك أن يؤدي حقه بكل ممكن لأن[عادة] (¬١) العرب من قديم الزمان أن لا يُضام نزيلهم، ولو كان هذا غريبًا أجنبيًا جاز على بيتي بذلت روحي دونه، ولاسيما هذا رجل كبير أمير من الأمراء الكبار، فكيف كان يليق بالمملوك أن يغدر به أو يشوش عليه وهو نزيله، ومع هذا المملوك ما عمل شيئًا قبيحًا فإنه عوقه عنده، ولولا المملوك لكان قد ذهب إلى بلاد العدو من زمان، ومما يذكره المملوك أن جماعة من الأمراء أيضًا قد وصلوا إلى المملوك وفيهم الأفرم والزردكاش وغيرهما، وقد سألوا المملوك بأن يسأل مراحم مولانا السلطان ويتصدق عليهم بالقلاع المذكورة التي في أطراف البلاد التي لا يحصل لمولانا منها فائدة، وهم يتدركون البلاد ويكونون تحت ظل هذه الدولة القاهرة، والمملوك يضمنهم في كل ما يجري منهم، فإن قبل مولانا السلطان كلام المملوك وسؤاله هذا يرسل مملوكًا من مماليكه فيُخْلِي لهم هذه القلاع، والمملوك يوديهم إليها، وإلا فهم مصممون على الرواح إلى بلاد العدو، ويكون المملوك قد عَرَّف المصلحة وما قُبل منه، فإن نقل ناقل خلاف ذلك فقد كذب، فإن المملوك على حلفه للسلطان بأن لا يتخلَّى عنه ولا يخونه. ثم إن مهنا أوقف الأمراء على هذا الكتاب، ثم سلَّمه إلى حاجبه وأمره أن يُسيَّره إلى السلطان، ثم يأتي بجوابه، فركب المذكور وسار. ثم بلغ مهنا أن أرغون سائر إليه وإلى الأمراء الذين عنده، فكتب إليه: يا أرغون، لا يلعب أحد بعقلك بالركوب إلينا، والله العظيم، ما أخلِّي أحدًا يخرج معك، فاسكن في موضعك، فإني كتبت إلى السلطان كتابًا وأنا مُنتظر جوابه، فإذا حضر الجواب كان لنا الرأي بعد ذلك فيما يُفعل. وأما قرا سنقر فإنه أرسل إلى بيبرس العلائي والأمراء الذين على حمص مع أرغون لكل واحدٍ منهم كتابًا ومعه ألف دينار، وقال لهم: أنتم تظنون أن الملك الناصر إذا أخذني يخلِّي منكم أحدًا؟! والله، بعد أن يأخذني ما يخلي منكم ذقنّا، فهلموا بنا حتى نتفق ونملك الشام، فأي وقت حلفتم لي ووافقتموني، أطاعنا الشام كلها، وإن خالفتم فأناخَلَّيت ورُحت، فبعد ذلك يقبض عليكم كلكم، فتندمون ولا ينفعكم الندم، وقد ظهر لكم فعله بغيركم، وإن أمراء دمشق كلهم كاتبوني، وكذا كاتبني نائب دمشق، والمعول عليه كله أنت، يقول (¬١) لبيبرس العلائي. ولما وصل القاصد إلى بيبرس بالذهب طلب كجكن وغرلو وغيرهما من الأمراء الذين على حمص، وقرأ عليهم الكتاب، فقال لهم: والله، إنه لصادق فيما قاله، وفرق عليهم الذهب، فأعطى ألف دينار لطوغان، وألف دينار لبرواني، وألف دينار لبيبرس المجنون، وألف دينار للتاجي، وألف دينار لكجكن. وسَيَّر قرا سنقر أيضًا قاصدًا إلى نائب دمشق، جمال الدين أقوش، وسير له معه جملة من الذهب قيل مقدار خمسين ألف دينار، وكتابًا يذكر فيه على لسان الأمراء المماليك: قرا سنقر، وأقوش الأفرم، وأيبك، وبلبان الدمشقي، ومن معهم من الأمراء، يقبلون الأرض وينهون أن المماليك قد اتفقوا مع أمراء الشام وحلفنا كلنا بأنا قد رضينا بأن تكون أنت سلطانًا علينا لما نعلم من دينك وعقلك ومروءتك ورفقك بالرعية، وحلف معنا أيضًا مهنا وجميع أمراء العربان، ونحن منتظرون الجواب. فلما قرأ نائب الشام كتاب قراسنقر ورأى الذهب (¬٢) الذي مع قاصده إليه صدقة في نفسه، فكتب جوابه: بأن المملوك رجل غريب في الشام، وما أظهر بيبرس لأحد من أمراء الشام، ومهما [عملتم] (¬٣) أنتم فأنا موافق لكم. ولما جاء الجواب بهذا إلى قراسنقر فرح فرحًا شديدًا. وأما مماليك الأفرم ومماليك قراسنقر ومماليك بقية الأمراء اتفقوا مع التركمان الذينمعهم، وقالوا: والله، إن عيشنا عيش قدر (¬١) نكد، ونحن في هذه البراري قلا نشبع ولا نستريح، فلماذا نُضَيِّع حالنا وأولادنا وأوطاننا ونخالف السلطان، فالرأي أن نكبس بالليل على الأمراء وعلى مهنا أيضًا ونقتلهم، ونأخذ رؤوسهم ونذهب بها إلى الملك الناصر، فتحالفوا على ذلك [وفوضوا] (¬٢) أمرهم إلى أمير التركمان علاء الدين بن الدربساكي، واتفقوا على أن يكون عملهم بهذا ليلة الجمعة، وكان اتفاقهم يوم الثلاثاء. فخرج ابن الدربساكي واجتمع بالأفرم وحكى له جميع ذلك، فاجتمع الأفرم بقراسنقر وأعلمه بذلك، وكانت عدة المماليك نحو ألف وخمسمائة مملوك غير [التركمان] (¬٣)، فلما سمع قراسنقر بذلك تَحَيَّر، ثم قال: قوموا بنا إلى مهنا، فجاءوا إلى مهنا وأخبروه بذلك، فقال مهنا، والله حسبت هذا الحساب، والرأي عندي أن نفرق هؤلاء المماليك فإنهم مضرة غير منفعة، ثم قال لبعض عبيده: اطلب لي سليمان، فلما حضر حكى له الحكاية، ثم قال له: البس أنت وعبيدك وأعمامك وإخوتك، وألبس معك ثلاثة آلاف فارس من العرب، وتحضر بهم عندي قبل العصر، وإياك أن تعلم به أحدًا فخرج سليمان من عنده على هذا، ومكث قراسنقر والأفرم عند مهنا إلى العصر، فحضر سليمان ومعه ثلاثة آلاف فارس في عدد كاملة. ثم طلب الأمراء مماليكهم، فلما حضروا كلهم، قال لهم الأفرم وقراسنقر: اعلموا يا أولادي بأنكم ما قصرتم فيما فعلتم، وخدمتم كما ينبغي، حيث تركتم أولادكم وحريمكم وجئتم معنا إلى هذا المكان، وهذا المكان فيه شقاء وتعب وجوع وعدم راحة، وهلكت خيولكم وتلفتم أنتم، والمطلوب نحن، وما عليكم شيء، وقد رأينا المصلحة أن تروحوا إلى أهليكم وأولادكم، فإن انصلح أمرنا كنتم مماليكنا على عادتكم، بل نعمل معكم خيرًا أكثر مما في خواطركم، وإن كانت الأخرى كنتم أنتم عند أولادكم.فنظر المماليك بعضهم إلى بعض، ورأوا العرب ملبسين مستعدين وسليمان على مقدمتهم، فعلموا أنهم علموا بحالهم، [فقالوا] (¬١) السمع والطاعة، غدًا نروح، فقال مهنا: والله، ما أخلّي أحدًا منكم يمشي في هذا المكان، فَشيَّعُوا الجميع، غير أن كل أمير منهم خلَى عنده عشر مماليك أو اثني عشر ممن يثق بهم ويعتمد عليهم، وكذا شَيَّعُوا التركمان. وقال الأفرم لابن الدربساكي: أنت اليوم مقدم التركمان، وربما تنفعنا في يوم آخر. فركب ابن الدربساكي وأخذ التركمان معه، وسار يطلب حمص، ولما وصل إليها راح إلى أرغون واجتمع به، فقال بيبرس العلائي: هذا قد كان مع الأفرم، والآن قد جاء ومعه خلق من التركمان، فأوهم أرغون من ذلك، فقال له أرغون: كيف كان رواحك إليهم ثم مجيئك عندنا؟ قال لا شك أن الأفرم كان حاكمًا علينا، وكنا تحت أوامره، فلما طلعنا معه إلى مرج حين أخرج كتابًا مزورًا بأن الأمراء الذين على حمص قد اتفقوا على أنهم يسلطنوني، وأنا رايح إلى حمص، وأن أرغون قد حلف معي، فاعتقدنا أنه صحيح، فلما نزلنا من الجبل أخذنا وراح إلى ناحية مهنا، وكنا عاجزين في ذلك الوقت، لأنه كان معه جمع كثير، فصرنا معه حتى وصلنا إلى مهنا، فلما كان أول أمس أعطى الأمراء لمماليكهم دستورًا فتفرقوا، وما بقى عندهم أحد، فركبت أنا في الليل وخرجت من عندهم بالتركمان الذين كانوا معي، فقال له أرغون: طيب قلبك ورح استرح، فخرج من عند أرغون، فقالت الأمراء: لم ما مَسَكتَ هذا الشيطان، هذا هو (¬٢) الذي أثار الفتنة؟ فقال لهم أرغون: إذا جاء وقت العصر مسكناه، فسمع بذلك بعض تركمان حمص، وأعلم لابن الدربساكي بذلك، فركب يطلب حلب، لأن بيوته كانت قريبة من حلب، وسمع أرغون بأنه هرب، فأركب وراءه الخيل، وأرسل بطاقة إلى حلب، إلى الأمير قرطاي الحاجب، بأن: ساعة وصول ابن الدربساكي تقبض عليه. وأما ابن الدربساكي فإنه سمع في الطريق أن بيوته راحت إلى بلاد مرعش، فسارإليها، ولما وصل إلى بيوته رَحَّلها إلى جبال منيعة في بلاد سيس وحَصَّنها هناك، وكان معه خمسة من أمراء التركمان ومعهم خمسمائة بيت. وأما قرطاي فإنه لما جاء له بطاقة ركب في مائتي نفس من عسكر، فلم يقدروا عليهم، ورجعوا خائبين، ثم أرسل قرطاي إلى أرغون بأن ابن الدربساكي ما جاء إلى حلب، بل أخذ بيوته وراح إلى جبال منيعة في بلاد سيس، فالآن ما يقدر عليهم أحد. وأما ما كان من حاجب مهنا الذي أرسله إلى السلطان، وابن موسى الذي أرسله أرغون، فإنهما لما وصلا إلى مصر وحضرا قُدَّام الملك الناصر، فقرا الملك الناصر أولًا كتاب أرغون وفهم ما فيه، ثم قرأ كتاب مهنا، ثم قال لحجابه، وهو مُغضب، إش مهنا؟ وإش مقداره حتى يكتب لي كل وقت مثل [هذه] (¬١) الكتب التي ليس تحتها طائل، ويأمرني أن أفرق البلاد على هؤلاء الكلاب، ولولا مهنا ما خرجوا عليَّ، وهو الذي أطمعهم فيَّ، دعه يأخذهم ويروح بهم إلى [أي] (¬٢) موضع شاء، ثم أمر في الحال أن يُخلع علي ابن موسى، وأمر أن يُكتب له نصف إمارة العرب، ونصفها لفضل بن عيسى، فكتب الإمرة بين الاثنين، وكتب إلى أرغون يقول: حال وقوفك على هذا الكتاب، وقبل وضعه من يدك، تركب بعسكر مصر والشام وتسوق خلف الأفرم وقراسنقر ومهنا أينما كانوا، إما أنك تجيبهم، وأما تهلك أنت ومن معك في البراري. ثم أمر لابن موسى بالرجوع، وأرسل معه كتبًا لموسى وفضل ومشافهة كثيرة لهما، فقال ابن موسى: والله، لنحضرنهم بين يدي مولانا السلطان وهم أذلاء صاغرون، ولو غاصوا في الأرض السابعة، فشكره السلطان. وأما حاجب مهنا فإنه طلب جواب كتابه، فقال السلطان: خَلُّوه يروح، وليسلمهنا ولا لقراسنقر عندي ولا الأفرم جواب، دعهم يفعلون ما يريدون، فعليهم الهرب وعَلَىَّ الطَّلَب. فخرج ابن موسى وحاجب مهنا من مصر طالبين، فوصل ابن موسى ومعه منشور إلى عمه بالإمرة، ومعه كتاب إلى أرغون بأنه يسوق خلفهم أينما كانوا، ووصل حاجب مهنا وليس معه جواب، وأخبر لمهنا أن خبزَه قد خرج لفضل بن عيسي وشُطِب على خُبز سليمان. فقال مهنا: أنا خرجتُ من الخبز وعن البلاد من اليوم الذي جرى هذا الأمر، وجاء له الخَبر بأن السلطان أرسل إلى أرغون بأن يسوق خلفهم، ولا يرجع عنهم، وأنه مع الأمراء في تجهيز الروايا والقِرَب، فقال قراسنقر: كيف يكون احتيالنا؟ قال مهنا: إش جرى؟ إن جاءوا يرجعون مثل الكلاب، وأنا لي كشافة عندهم يكشفون أخبارهم ليلًا ونهارًا، فكلما يتقدمون نتأخر نحن إلى البريَّة ولا نبالي نحن، لأن معنا الأكل والشرب، فالشرب من ألبان الإبل والأكل من فصلاته (¬١)، ثم أمر سليمان ابنه أن يأخذ معه خمسمائة فارس يكونون وراءهم، فأي من تقدم منهم للكشف يأخذونه، فإن كان من الأجناد لا تؤذونه لأنه خرج غَصْبًا، وأي من ظفرتم من العرب فاقتلوه. ثم إن مهنا رحل من القسطل. وأما أرغون فإنه جرد ثلاثة آلاف فارس مع كجكن وغرلو، وقال لهم: سوقوا خلف مهنا، فساروا إلى سلمية، ومنها شالوا الماء في القِرَب والروايا ورحلوا، ثم نزلوا على الشجيرة، ثم رحلوا طالبين القسطل، فلقوا في ذلك اليوم مشقة عظيمة، وكان يوم صيف شديد الحر، وحَمى عليهم البر، وقل الماء، وهم يرجون أن يكون في القسطل ماء، وسار بهم العرب مسيرة ثلاثة أيام حتى جاءوا إلى الماء، ثم من أين للجند راوية يجيب فيها ما يسقي خيله؟ فأخذهم سليمان، وبات العسكر في [القسطل] (¬٢) في[أشأم] (¬١) بيات، وعند الصباح رحلوا راجعين، ولم يزالوا حتى وصلوا إلى حمص، فتلقاهم أرغون، وقال لهم: ما جرى؟ فأخبروه بأن مهنا ضرب في البرية ومعه الأمراء، وسرنا خلفهم ثلاثة أيام حتى هلكت خيلنا من العطش، ورجعنا ونحن في أَسْوَأ حال. ثم إن مهنا أرسل إلى سليمان، يقول له: إن العسكر قد رجع إلى حمص، ورجع هو من المَرْبَعة ونزل على الشجيرة، بجنب سلمية. وأرسل أرغون بريديًا إلى مصر يُعلم السلطان بأن العسكر راحوا خلف مهنا ومن معه ثلاثة أيام، فلم يظفروا بهم، لكونهم دخلوا في البرية، وهلكت خيول الناس، فرجعوا، فما وصلوا إلى حمص حتى عاد مهنا بمن معه إلى سلمية، وبهذا الحال ينكسر عسكر السلطان ولا يحصل المقصود، وأنهم لا يقدرون على العرب إلا بعسكر يركبون الهجن ويجنبون الخيل، ويكون معهم روايا وقرب كثيرة. فأرسل السلطان إلى أرغون، وهو ينكر عليه، ويقول: مَن هلك من الأمراء، ومن خَرج منهم؟ فوالله العظيم، إن لم يروحوا وراءهم ويسوقوا خلفهم أخربت ديارهم وأعدمت أرواحهم، فَجَرِّد كل من عندك وتبقى أنت وحدك على حمص. فلما وقف أرغون على هذا في كتاب السلطان قال للأمراء: هذا مرسوم السلطان يأمركم أن تخرجوا وراءهم ولا ترجعوا عنهم إلا أن يخرجوا من البلاد وتهلكوا أنتم كلكم، فقالوا: السمع والطاعة. فعند ذلك جَرَّد أرغون: الأمير كجكن، والأمير غرلو، والأمير جنكلي [بن] (¬٢) البابا، ومعهم خمسة آلاف فارس، ومعهم: محمد بن أبي بكر، وآل علي، وموسي بن مهنا، فركبت العساكر، وبلغ الخبر إلى مهنا، فرحل من الشجيرة ونزل على القسطل. قال الراوي: بلغني أن في ذلك النهار بينما وصلوا إلى سلمية هلكت مائة وخمسونفرسًا، ثم رحلوا من سلمية إلى قدم وقديم، [وبقوا] (¬١) يومين وثلاثة ما رأوا نقطة من ماء، فهلكت الناس، وسليمان مع العرب يذبحون الجمال ويرمونها في الماء، فيأتي العسكر عليه، فأي من يشرب منه يرميه في الحال من فوق وأسفل. وخرجت جماعة من آل علي يُدّوِّرون على الماء، فأخذهم سليمان بن مهنا، وما بقى أحد من العرب يستجرئ أن يخرج (¬٢) إلا ويأخذه، فيصادف أصحاب سليمان جماعة من الجند فيقولون: ما جاء بكم هاهنا؟ فيقولون: العطش، فيقول لهم أصحاب سليمان: دُلونا على العرب الذين معكم ونحن نسقيكم، فيدولونهم عليهم، فيحصلونهم، ثم لم يزل سليمان يعترض العسكر تارة من اليمين وتارة من الشمال، فكلما يطردونه يَرُدُّ عليهم فيكسر منهم، فلم يزل العسكر سائرين كذلك حتى وصلوا إلى عُرْض، وهم في أسوأ حال من العطش، وقد انقطع أكثرهم من العطش والسوق، [وتلف] (¬٣) منهم في ذلك النهار خلق كثير وخيل كثير، ولما وصلوا إلى عُرْض وقعوا على قناتها مثل القطا، وكان ماؤها قليلًا فصاروا يتضاربون عليها بالسيوف، وعم الأمر بين المصريين والشاميين، وسليمان واقف من بعيد ينظر إلى أحوالهم، ولو أراد الكبسَ عليهم لكبسهم وأخذهم، ولكن أباه مهنا ما كان يُمَكنه من ذلك، وما كان يريد أن يؤذي مسلم، ثم رحلت العسكر يطلبون الرحبة. وأما مهنا فإنه نزل على جانب الفرات على أرض فيها ماء ومرعى وكلأ، وبقي هو مع الأمراء يتصيدون، وسمع أهل عانة والحديثة بهم، فجلبوا إليهم القمح والشعير وكل ما يحتاجون إليه. ونزلت عسكر السلطان مع كجكن على الرحبة، وتلقاهم نائب الرحبة الأزكشي، وجاز سليمان وراءهم من الرحبة، وأرسل يقول للأزكشي أحسن إلى ضيوفك، وجاء إلى أبيه وأخبر بأن العسكر وصلت إلى الرحبة، وهم في أسوأ حال، وتلف منهم خيل كثير،وهلك منهم ناس، وتضاربوا على الماء بالسيوف، فقال مهنا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا والله نقص في المسلمين، وما ينال المشقة إلا الأجناد المساكين والغلمان والخدام، وأما الأمراء فإنهم لا يبالون بذلك، وهذا كله في ذمة الملك الناصر، فقال سليمان: والله، لولا خوفي لكنت كبستهم في الليل، وما كنت أخلِّي منهم ذقنًا. ثم طلب مهنا ولده أحمد، فقال له: خذ معك مائتين من العرب واذهب بهم إلى المشهد، واعمل لنا يزكًا، ولا تغفل عن كشف القوم ليلًا ونهارًا، وأمر ولده الآخر أن يأخذ معه خمسمائة فارس ويمسك يزكًا (¬١) على قُبَاقب، وأمر مفرج بن هلال أن يأخذ معه مائتي فارس ويمسك يزكًا على السُّخْنَة، وقال لهم: اجعلوا بالكم من ناحية تدمر، ثم سير أخاه محمدًا مع خمسمائة فارس إلى قائم العنقاء، فقال له قراسنقر: ما الحاجة إلى أن ترسل هؤلاء إلى قائم العنقاء وهو في الشرق؟ ومَنْ يجيء إلينا من الشرق؟ فقال نَعم: من الشرق ومن الغرب فلا تهملهما، وأنا أَخْبَرَك بالملك الناصر وبحيلته وبمكره، وفَرَّق العربان في أقطار الأرض، ثم استدعى مهنا حاجبه وهو عُبيّد بن جلال، وقال له: سر إلى هؤلاء الأمراء الذين نزلوا على الرحبة، وأعطاه كتابًا، وأمره أن لا [يقرأه] (¬٢) حتى [يجتمعوا] (¬٣) كلهم، فأخذ عبيد الكتاب وسار حتى وصل إلى الرحبة، واجتمع بنائها الأزكشي، وكانت العسكر نازلين عليها وهم أكثر من أربعة آلاف فارس، والرحبة ما تحمل أكثر من مائتي نفس، وهم في قلق شديد من جهة المأكول، فنزل الأزكشي ومعه عبيد حاجب مهنا، وجاء إلى خيمة لاجين، واجتمعت الأمراء جميعهم، فقال: يا أمراء، مهنا يُسَلِّم عليكم ويقول لكم: كلما تأخرنا إلى وراء وأنتم تتبعوننا، وأنا، والله العظيم، ما تأخرت عنكم فزعًا وخوفًا منكم، وأنا لو جاءني كل من على وجه الأرض وتبعني أهلكته في هذا البر، ولكنني ما أريد أذى مسلم، ولو أني أردت قَتْلكم قَتَلتكم من زمان، ولكن أنا أعلم أنكم مجبورون على خروجكم، وقد طولت معكم إلىهاهنا، فصار العذر واضحًا عند كل أحد. ثم إنه أخرج كتاب مهنا وناوله لقرا لاجين، ففتحه وقرأه على الأمراء، فإذا فيه يقول: من أخيهم مهنا، أراكم يا أمراء قد زاد طمعكم فينا، وكثير جهلكم بنا، وقد تعذيتم طوركم، وزاد علينا أمركم، ولو أردت من [أول] (¬١) يوم فرقت جمعكم، وشتت شملكم، ولكن ما أردت أن يُقال عني أنه أفسد البلدان وقَطع الطرقات وخَوَّف الناس في جميع الجهات، فلمَّا تأخرت عنكم ظننتم أني عاجز، وفي قلبي خوف، وأنا، والله العظيم، ما فعلت هذا إلا إخمادًا للشر وإصلاحًا للأمر، ولو أردت الفساد كَبَستُ عليكم في حمص، لكن كان يحصل الأذى للأجناد الصعاليك والفقراء، وإنا قد حلفنا برب السموات والأرض، إن أَمْسَى منكم أحد على الرحبة لأذقنه طعم السيوف والرماح، وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حَذَّر، والسلام. وهم في الحديث، فإذا بالكشافة التي كانوا على قَبَاقِب قد جاءوا وهم عرايا مشلِّحين، فسألهم الأزكشي عن حالهم، فقالوا: نحن وقوف عند طلوع الشمس، وإذ أقبل علينا سليمان بن مهنا ومعه فرسان كثير من العرب ملبسين، فقبضوا علينا وجابونا إليه، فأخذ خيلنا وقماشنا، ثم قال: رُوحُوا، غدًا نرد عليكم خيلكم وقماشكم إذا جئنا إلى الرحبة، فبينما هم في ذلك، فإذا بّراج الرحبة قد جاء ومعه بطاقة، فقال الأزكشي: من أين هذه البطاقة. قال من قائم العنقاء، وكان هناك كشافة من جهتهم، ففتح الأزكشي البطاقة فقرأها على الأمراء، فإذا فيها: يذكر أن محمد بن عيسى وصل ومعه ألف فارس، وأنه قد مَسَك جميع الطرقات، وأنا قد هربنا منه إلى زور الفرات، فقالت الأمراء: [لَيْكون] (¬٢) في نية مهنا الغدر بنا، ويمسك علينا الدروب والطرقات، فقال بيبرس العلائي: والله، لو أراد مهنا أذيتكم ما خَلَّى أحدًا منكم يصل إلى هذا المكان، فتشاوروا فيما بينهم، وقالوا: نرجع بحرمتنا، وهؤلاء قد وصلوا إلى الفرات وما بقىعلينا لوم، وهم في حكم بلاد التتار، وقد خرجوا من بلاد السلطان. واتفق الأزركشي معهم على ذلك، ثم قاموا ورحلوا، ولم يبت منهم أحد في تلك الليلة على الرحبة.