بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 2126, entry [574]5,233 chars
ذكر القبض على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطان بالديار المصرية قال ابن كثير: وفي يوم الجمعة سادس (¬٤) عشر جُمادي الأولى أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير بكتمر الجوكندار وعلى ألزامه، فقُبض عليه وعَلَى: صهره سيف الدين أَلُكْتَمُر (¬٥)، وصهره الآخر علاء الدين أيدغدي النعماني (¬٦)، وشمس الدين (¬٧)…
▸ expand full passage (5,233 chars)ذكر القبض على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطان بالديار المصرية قال ابن كثير: وفي يوم الجمعة سادس (¬٤) عشر جُمادي الأولى أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير بكتمر الجوكندار وعلى ألزامه، فقُبض عليه وعَلَى: صهره سيف الدين أَلُكْتَمُر (¬٥)، وصهره الآخر علاء الدين أيدغدي النعماني (¬٦)، وشمس الدين (¬٧) بكمش الساقي، وعز الدين أيدمر الصفدي، وأيدمر الشَّيخي، وسيف الدين مَنْكُوَتُمر الطباخي،فاعتقلوا كلهم إلا الطباخي فإنه قُتل لوقته لكلام تكلم به (¬١). وكان السبب في ذلك (¬٢). ما ذكره صاحب سيرة الناصر: أن الأمير بكتمر الجوكندار لما رأى ما يحل بالأمراء، وأن حرمته قَلَّت خاف على نفسه، فطلب إليه بتخاص، الذي كان نائب صفد، وغيره ممن يلوذ به، فقال لهم، قد علمتهم ما يفعل السلطان بالأمراء، فمنهم من يأخذه بحق، ومنهم من يأخذه بغير حق، وأنا خائف منه، وما أدري ما أصنع؟ فقالوا له: والله، نحن كذلك، قال، فابصروا ماذا نعمل؟ فقال بتخاص: ما في الأمر إلا أنك توافقنا عليه، وكلنا نحلف لك أنك سلطاننا، فقال لهم الجوكندار: وعلى ماذا عزمتم؟ قالوا: نُكاتب: قطلبك، وكراي، وقطلقتمر، وقراسنقر، ونجتمع كلنا على كلمة واحدة، ونقبض هذه السلطان ونخصمه في دار، وله ما يأكل وما يشرب، وما نُخرجه إلى الممات، فقال لهم: هذا هو الرأي، فاتفقوا على هذا الاتفاق. وكتب الجوكندار إلى الأمير كراي نائب الشام، وكان خشداشه، وذكر له صفة ما هم عليه، وكذا كتب إلى قطلو بك نائب صفد، وإلى قطلقتمر نائب غزة، وما كتب إلى الأمير قراسنقر نائب حلب، لأنه قال: هذا خائف ولا نأمن أن يُعرِّف بحالنا إلى السلطان، ويتوجه إليه. ورجع قصاد الجوكندار إليه، الذين أرسلهم إلى الشام، وقد وافقه: قطلو بك نائب صفد، وقطلقتمر نائب غزة، وأما كراي، نائب دمشق، فإنه سَيِّر إليه، ويقول: يا أخي، قد عَلِمت ما الذي جرى على غيرك، وكانوا أقدر منك، فلا تُدِر هذا في ذهنك فتَهلك ونَهْلك معك، وهذا ابن أستاذنا وقد أخذ المُلْك وهو خائف. فلما قرأ الجوكندار الكتب التي جاءت من الشام على الأمير برلغي وبتخاص قالا: نحن نعرف كراي إنه ما يوافق، وما نحن بمحتاجين إليه، ونحن نقضي الشغل، فإذا قضيناالشغل وافقتنا الناس كلهم، لأن الناس خائفون من هذا السلطان. واتفق رأيهم على أن يدخلوا عليه بمماليكهم، فإن رأوا أنهم مستظهرون عليهم قبضوا عليه وإلا قتلوه، واتفقوا على أن يكون هذا يوم الخميس، وكان الاتفاق يوم الثلاثاء، ولم يطلعوا أحدًا على هذا الأمر، وباتوا تلك الليلة ومن الغد على هذا. وطلع بكتمر الخدمة، لأنه نائب ولا يقدر على الانقطاع، فوقف في الخدمة إلى قريب الظهر، وكان قد طلع معه مملوك صغير، ابن عشر سنين، يحمل سرموجته، وكان السلطان أمرهم أن لا يعبر أحد عليه بمملوك صغير، وكان هذا المملوك واقفًا بين الأبواب عند الخدام، فجاء إليه مملوك من مماليك السلطان، صغير مثله، فلعب معه، فتضاربا، فاجتمع الصغار من مماليك السلطان عليه وضربوا مملوك الجوكندار، فجاء خادم من الخدام وخلصه منهم، وبقى مملوك الجوكندار ما يرجع عنهم والخدام يردونه، وهو ما يرتد، فضربه زمام الدار وقال له: ما ترجع عن مماليك السلطان، يا شيطان، فبكى، وقال: يا عبد النحس راحت دولتكم، غدًا أقول لكم. ولما سمع زمام الدار بذلك المقال منه مسكه، ودخل به إلى السلطان، وقال له من حيث لا يسمعه أحد: جرى من الأمر كذا وكذا، فلما سمع السلطان ذلك طار عقله، وقال له: هات المملوك، ثم سَيَّر عشرين مملوكًا، وقال لهم: إن طلب بكتمر النائب الرواح، لا تمكنوه، فخرجوا إليه من حيث لا يعلم بهم، وطلب السلطان المملوك وقال له: ما معنى ما قلت: رَاحَتْ دولتكم غدًا أريكم؟ ففزع المملوك، فقال له السلطان لا تفزع، أنت اليوم مملوكي، وضحك في وجهه، فحكى له المملوك كل ما جرى بين أستاذه الجوكندار وبين بتخاص وبرلغي، فقال السلطان: "هل معهم آخر، قال: كانوا يقولون إن معهم أمراء آخرين، ولكن أنا ما أعرفهم، فقال السلطان" (¬١): اطلبوا بكتمر النائب، فطلبوه، وهو على غاية الاحتراز، وقد حمل أثقاله، وذلك أنه كان له عند السلطان مَنْ يخبره بكل ما جرى عند السلطان في غيبته، ولما بلغه أمر مملوكه أمربشيل الأثقال والخزائن، وطلب مماليكه، وحكى لهم بالقضية، فلما سمعوا بقوا مفكرين ساعة من غير جواب، فقال لهم [خُذِلْتم] (¬١) با مخانثة من حديث؟ فالله يدري أهو صحيح أو كذب، فلعن الله من يرجوكم لدفع شدة، ثم إنه دمدم ونخر (¬٢)، وقال كَمْ نحمل الضرر ولا نثبر الغُبن، وهم يبلوننا بها، فيظنون أنني مثل مَنْ أخذوه قبلي، هيهات هيهات، والله، إن الوصول إلىَّ بعيد، والقُدوم عَلَيَّ صعب شديد، وأنا أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، لئن لم تنتهوا عني لأثيرن حربًا تعثر الخيل فيها بالجماجم وتقطع فيها الزرادم (¬٣)، ثم التفت إلى مماليكه، وقال لهم: الساعة لا بد من ركوب الخيل ولبس العُدد. قال الراوي: فبينما هو يقول ذلك، إذْ سَيَّر إليه السلطان يطلبه، فما قدر على المخالفة، فلما حضر، أمرهم السلطان بأن يأخذوا سيفه، فأخذوه، ثم قال له: ما عملت معك من القبيح حتى إنك تجازيني بمثل هذه المجازاة؟ فقال له بكتمر: والله، ما ضَرَّيْني، إلا أنك ضريت الناس وأهلكتهم وقتلتهم بغير حق، فقال السلطان: أصحيح ما قالوا عنك؟ فقال له: نعم، فقال السلطان لمماليكه: شيلوه إلى أسند مر. قال الراوي: فشالوه إلى الجب، ثم سير السلطان خلف بتخاص بعض مماليك الجوكندار، لأنه بعد مسكه طلب مماليكه كلهم، وخلع على أعيانهم ووعدهم بما يسرّ قلوبهم، وطيب خواطرهم، فباسوا الأرض، ثم قال لهم: من كان فيكم يرسله أستاذكم إلى الأمراء؟ فأشاروا إلى مملوك، وقالوا: هذا الذي كان يروح إلى الأمراء، ثم أرسل إلى برلغي، فجاء إليه ذلك المملوك ورآه وهو قائم يصلي الظهر، فلما سَلَّم، قال له: إن الأمير يطلبك، فقال له برلغي: من عنده؟ فقال: عنده بتخاص، ولما سمع نهض طالبًا بيت بكتمر، وكان السلطان قد أرسل إلى بيت بكتمر مائتي مملوك، وقال لهم: إذا دخل برلغي اقبضوا عليه.قال الراوي: فلما دخل برلغي ومعه مملوكه يحمل السرموجة، دارت عليه المماليك من خلفه، وقبضوا عليه قبضًا باليد، وساروا به إلى السلطان، فلما وصلوا به إليه، قال لهم: ودُّوه إلى الجب. وكان السلطان قد أرسل أيضًا مائتي مملوك إلى بيت بتخاص وأمرهم بالقبض عليه. ثم إن السلطان أرسل بكتمر الجوكندار إلى الكرك وحُبس فيها إلى أن مات (¬١).