بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 2090, entry [568]3,164 chars
ذكر ما جرى على طوغان نائب البيرة قد ذكرنا أن سيف الدين كراي كان قد مسك اسندمر الكرجي نائب حلب، وذلك قبل مجيئة إلى نيابة دمشق، وكان لما مسكه قال للأمراء: قد بقى أمر آخر وفيه خطر، نريد أن نفعله قبل فواته، فقالوا: ما هو؟ قال: اطلبوا إلى براج (¬١) حلب، فطلبوه، فحضر، فقال له: عندك حمام للبيرة؟ فقال: نعم،…
▸ expand full passage (3,164 chars)ذكر ما جرى على طوغان نائب البيرة قد ذكرنا أن سيف الدين كراي كان قد مسك اسندمر الكرجي نائب حلب، وذلك قبل مجيئة إلى نيابة دمشق، وكان لما مسكه قال للأمراء: قد بقى أمر آخر وفيه خطر، نريد أن نفعله قبل فواته، فقالوا: ما هو؟ قال: اطلبوا إلى براج (¬١) حلب، فطلبوه، فحضر، فقال له: عندك حمام للبيرة؟ فقال: نعم، قال: هات لي نوبة حمام، فكتب لطوغان نائب البيرة كتابًا: أن في النهار الذي وصلنا إلى حلب قبضنا على نائبها اسندمر، فهرب من مماليكه جماعة وطلبوا التعدية من الفرات، ووجهنا خلفهم أمراء وعربانًا، فحال وقوفك على الكتاب تنزل بمن معك من القلعة وتمسك المخائض، وإياك أن يفوتك فيقع عليكالإنكار من الأبواب العالية. وكان كراي قد كتب إلى والى الحجر في البيرة، وللمقدمين بها: بأني أنا واصل إليكم، فامسكوا طوغان وأنزلوه لي. فلما جاء الحمام إلى طوغان، وقرأ الكتاب الذي هو معلق بالحمام، اصفر لونه، وتغير ذاته، حتى أنكر حاله كل من كان حوله، فقالوا له: مالك؟ فقال: قبضوا على أسندمر، فقال له ابنه: فماذا يكون العمل؟ قال: تركب الساعة، أنت وكل مَنْ في القلعة، فيروح بعضكم إلى المخائض، وبعضكم إلى الطرقات، وإياكم أن يفوتكم أحد. فركبت بحرية (¬١) القلعة مع ابن طوغان، والتركمان [الذين] (¬٢) في القلعة من مماليك طوغان، ولا بقى من البحرية لا كبير ولا صغير حتى خرجوا مع ابن طوغان، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاء خادم طوغان إليه، وأعلمه بأن شحنه الجسر، على الباب يذكر أن: كراي المنصوري قد وصل إلى الجسر، ومعه مقدار خمسمائة فارس، وهو يطلب العبور. فلما سمع طوغان ذلك حار واندهش، ثم قال لمن حوله: ماذا تَرون من المصلحة؟ قالوا: الرأي رأيك، فقال: أنا ما أمكن أحدًا من العبور إلينا، فنخليهم ينزلون من ذلك الجانب، ونحن ننقل إليهم ما يحتاجون من المأكول والمشروب، فإن كان معه مرسوم السلطان بالعبور فليعبر. فقال والى الحجر وأسباسلار (¬٣): نحن ما نسمع هذا الكلام، تقول: خلوا كراي واقفًا هناك، وأمس مسك أسندمر، وهو أمين السلطان في الشام.فقال طوغان: ويل لكم يا كلاب، مَنْ يحكم عَلَىَّ ويفتح الباب؟ فقال له والى الحجر: يا طوغان، راح الذي كنت فيه من الفشر والهذيان، ثم تواثبوا عليه مثل العقبان، فضرب بيده إلى سيفه، فهجموا عليه، وقبضوه، وقيدوه على باب داره، وأخذوا مفاتيح القلعة والجسر، وودوها إلى كراي، ومعهم طوغان مقيدًا، ولم يحضره كراي، [وتحدث] (¬١) مع والى الحجر فيما جرى لهم معه. ووقع بذلك فرح عظيم في البيرة وبلادها، لأن طوغان قد زاد فجوره وطغيانه وفسقه في حريم الناس وأولادهم، وكان إش امرأة (¬٢) سمع بها أنها ذات حسن وجمال أرسل إليها وأخذها باليد، وإن كان لها رجال أهلكهم، حتى هتك حريمًا كثيرًا في البيرة، فلما كان ذلك اليوم نزلت عليهم الرحمة، ووصل الخبر إلى ابنه ومماليكه، وكانوا على المخائض، وطلبوا الهروب إلى التتار، ومنعهم سليمان بن مهنا. وأما كراي فإنه أمر لوالى الحجر أن يحكم في البيرة إلى أن يجيئها النائب، ثم سار طالبًا حلب، ووصل ابن طوغان ومن معه، فلم يمكنوهم من الطلوع إلى القلعة. وأما كراي فإنه وصل إلى حلب، وحال وصولهم جهز طوغان مع أميرين من المصريين إلى السلطان، وكتب معهم مطالعة يقول فيها: قبضنا أعداء مولانا السلطان بسعادته، وهذا وقت المغل، والأجناد ضعفاء يسألون حسن النظر الشريف في حالهم، وأقام ينتظر الجواب، ثم بعد ذلك جاء قراسنقر نائب دمشق إلى حلب نائبًا بها، وتوجه كراي إلى دمشق نائبًا كما ذكرناه مفصلا (¬٣). ثم في يوم من الأيام جاء طوغان نائب البيرة من مصر، ومعه توقيع السلطان بشد دمشق، فأعرض توقيعه على كراي واستمر به، ولكنه تعجب من أمره عجبًا شديدًا، وقال: يا لله العجب، هذا قد راح إلى مصر في قيد، وفعل في البيرة ما لم يفعله أحد، ثم رضيعليه السلطان وولاه وظيفة، إن هذا أمر عجيب.