بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 2087, entry [567]4,331 chars
ذكر توجه كراي إلى دمشق نائبًا بها وفي صبيحة غده ركب كراي، بطُلْبه، وركب قراسنقر بمماليكه وودع كراي، ثم رجع إلى حلب، وسار كراي ومعه بهادر آص. وكان كراي رجلًا دينًا جيدًا، وأوصى لمماليكه وغلمانه وحاشيته أن لا يتعرضوا لأحد بغير حق، ولا يأخذوا من أحد شيئًا، وإذا جاب أحد شيئًا لا يأخذوه، ثم نزل على حمص ف…
▸ expand full passage (4,331 chars)ذكر توجه كراي إلى دمشق نائبًا بها وفي صبيحة غده ركب كراي، بطُلْبه، وركب قراسنقر بمماليكه وودع كراي، ثم رجع إلى حلب، وسار كراي ومعه بهادر آص. وكان كراي رجلًا دينًا جيدًا، وأوصى لمماليكه وغلمانه وحاشيته أن لا يتعرضوا لأحد بغير حق، ولا يأخذوا من أحد شيئًا، وإذا جاب أحد شيئًا لا يأخذوه، ثم نزل على حمص فأخرجوا له الإقامات وأشياء كثيرة، فلم يقبل منها شيئًا، ثم طلب الذين أتوا بهذه الأشياء من الحكام وغيرهم، فأنكر عليهم بذلك، فقالوا: أنت مخدومنا الآن وخدمتك واجبة علينا، فقال لهم: ما عرفتم أن كراي لا يأخذ من أحد شيئًا، وكل من لا يسلك الطريقة المستقيمة لايلتقى مني خيرًا، ثم رحل من حمص، ولما قرب من دمشق قال لمماليكه وغلمانه: ها نحن قد وصلنا إلى (¬١) دمشق، وأنا أقسم بالله العظيم أنه إذا بلغني عن أحد منكم أنه تجوه (¬٢) على أحد، أو حمى شيئًا، أو أخذ من أحد شيئًا، أو ظلم أحدًا، أو تعرض إلى أحد بغير حق، لأسمرنه على جمل، ولأعاقبنه عقابًا شديدًا. ثم تلقته أهل دمشق من الأمراء المقيمين وبقية عسكرها، ومن الأعيان والحكام إلى القطيفة، ومعهم أنواع الحلاوات والفواكه، ومدوا له سماطًا هائلًا، فامتنع من الأكل، فقال له بهادر آص: كل واجبر خواطر الناس، فقال: مالى بهذا عادة، أنت قط رأيتني أني أَكلت لأحد شيئا، قال: لا والله، ثم رحل، ورأى أهل دمشق من الرجال والنساء مثل الجراد المنتشر، قد لاقوه بشموعات وأعلام، وقد أظهروا الفرح الزائد، فقال كراي: إش هذه البدعة؟ لا سيما خروج النساء، فقال بهادر آص: قد علموا ما في الأمير من الدين والعدل والإنصاف وحسن السيرة، فلذلك لم يبق أحد من الكبار والصغار إلا وقد خرج لملتقاك فرحًا بك، ولما دخل المدينة نثروا عليه الذهب والفضة، ولما قرب من القصر بسطوا شقق الحرير تحت حوافر فرسه، ولما وصل القصر قالوا له تنزل هاهنا؟ قال: لا، بل ننزل في دار الجاولي، وكانت إلى جانب الميدان، وفتح له الباب إلى الميدان فنزل فيها. وفي تلك الليلة اجتمع أعيان الشام وأكابرها وجاؤوا إلى القاضي وقالوا له: نجمع من بيننا شيئًا ونقدمه إلى كراي على جاري العادة للنواب، فرأى القاضي ذلك مصلحة، فجمعوا من بينهم: مبلغ ألفي دينار، وشيئًا كثيرًا من الثياب الحرير، فأتوا بها وقدموها له: فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا لأجل غلمان مولانا الأمير، لأنه جاء في غير وقت المغل، وإقطاع المخدوم ما فيها شيء اليوم، فأقبل هذه منا واعذرنا، فدعا لهم وشكرهم، ثم قال لهم: خذوا، مالي بهذه حاجة، وأنا لا آخذ من أحد شيئًا، وما أحل الله لي أموالكم، وأنتم عندي أعز من نفسي ما دمتم على الاستقامة والصحبة، وقد بلغني أن بعضكم يتقرب إلى النواب ويتجوه بهم ويفتحأبواب الظلم، فيحصل بذلك حيف وعسف على الضعفاء المساكين، وأنا فما عندي شيء من ذلك، وأي من لا يمشي في الطريق المستقيم عاقبته وأشهرته في دمشق، ولو كان ولدي من صلبي، فخرجوا من عنده ولم يأخذ لهم شيئًا يساوي درهمًا. ولما أصبح شرع في الكشف عن الظلامات وخلاص الحقوق وإعانة المظلومين وردع المفسدين، وكان معه جماعة من الأجناد الصالحين فأعلموه بأن في دمشق منكرات كثيرة، وفيها حانات عليها رنوك الأمراء تباع فيها الخمور والحشيش وفيها الخواطى، فلما سمع بذلك طلب حاجب الحجاب وأمره أن يدور على هذه المواضع ويبطلها، وأي مَنْ كان فيها يأخذه ويحلق ذقنه ويضربه ثم يشهره، وأي مَنْ تجوه أو يمانع فأعلمني به. فركب الحاجب وفعل ما أمر به. وكان للأمير بيبرس المجنون زقاق فيه إصطبل تباع فيه الخمر، فجاء الحاجب إليه وسَدَّ باب الإصطبل، وأخرب الزقاق، ومسك كل من فيه من غلمان بيبرس وحلق ذقونهم وضربهم، ونادى عليهم: هذا [جزاء] (¬١) من باع في بلاد الإسلام خمرًا، فجاء بعضهم إلى بيبرس وأخبروه بذلك، فقال لهم: روحوا واسكتوا، فإن هذا النائب ما هو لعب، وهو نائب جديد، وربما يكاتب السلطان فينا فيخرب بيوتنا، وقد علمتم ما جرى على الأفرم. ثم أرصد كراي أُناسًا يرصدون من يشتري خمرًا أو يبيع أو ينقل من موضع إلى موضع، أو [يرون] (¬٢) سكرانًا [يمسكونه ويأتون] (¬٣) به إليه، ثم طلب والى المدينة وقال له: إن أصبح أحد في دمشق من المخنثين وسطتك، ولما سمعوا بذلك [وما يجري] (¬٤) عليهم، فهجُّوا من دمشق حتى لم يبق فيها أحد منهم. ثم إنه طلب رؤساء الضياع التي يُعمل فيها الخمر، وتحول إلى دمشق وإلى غيرها،فكتب عليهم إشهادات بالقسامات أن لا يَعْصر أحدٌ عنبًا للخمر، ولا يستعمل بضيعتها، فمن ظهر عليه بذلك كان عند ألف دينار لبيت مال المسلمين، بعد الضرب الشديد والتشهير. ونشر العدل، ورفع الظلم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر. ثم طلب الولاة والدواوين والعمال، وقال لهم: بلغني أنكم تأخذون الرشى والبراطيل، وتضيعون حقوق الناس، وأنا أقسم بالله العظيم أن أي مَنْ بلغني عنه أنه أخذ من أحد درهمًا فردًا بغير حق قطعت يده. قال الراوي: وبقيت مدة سبع شهور ما يعرف له مملوك، لقلة حرمتهم بين الناس، وأي من اشترى شيئًا من مماليكه يبيع له السُّوقي ما يساوي الدرهم بدرهمين، فشكي المماليك ذلك إلى كراي أستاذهم، فقال لهم: أما البيع والشراء فمراضاة، وأما الحرمة فتريدون منى أن أعمل مثل غيري، وأدخل جهنم بسببكم؟ لا كان ذلك أبدًا، ونهاهم عن مخالطة الناس، وقال: لا جاه إلا جاه الله الدائم الباقى.