بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 2009, entry [548]12,091 chars
ذكر خروج الناصر من دمشق لما اجتمع النواب في البلاد الشامية عند الملك الناصر في دمشق طلب قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك والحاج بهادر، وقال لهم: أقوش الأفرم حضر، وما بقى لنا إلاالرواح إلى مصر، لأنا إذا عاجلناهم أخذناهم، وإذا طاولناهم كشفونا، ولا نأمن أن يكون الأمر علينا، فقال له قفجق: صدقت، والمصلحة أن…
▸ expand full passage (12,091 chars)ذكر خروج الناصر من دمشق لما اجتمع النواب في البلاد الشامية عند الملك الناصر في دمشق طلب قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك والحاج بهادر، وقال لهم: أقوش الأفرم حضر، وما بقى لنا إلاالرواح إلى مصر، لأنا إذا عاجلناهم أخذناهم، وإذا طاولناهم كشفونا، ولا نأمن أن يكون الأمر علينا، فقال له قفجق: صدقت، والمصلحة أن تجهز ألفي فارس إلى العريش وتقطع الطريق، ونحن نرحل خلفهم، ونجهز في هذا الوقت قُصادا إلى الديار المصرية، إلى أمرائها، وتبصر جوابهم، فقال قراسنقر: يا أمراء، كل مَنْ كان له صاحب يكتب إليه، فقال السلطان: أنا أكتب إلى الأمير سلار، وقال قراسنقر: أنا أكتب إلى [برلغي] (¬١)، وقال قفجق: أنا أكتب إلى أخوة سلار، وقال اسندمر: أنا أكتب إلى قتال السبع، فكتبوا الكتب. وكتب السلطان مع كل كتاب كتاب أمان، ووعدهم بكل ما يريدون، ثم قال السلطان: أبصروا لنا قاصدًا خبيرًا، فقال اسندمر: عندي كرديّ، وهو خبير يروح ويقضي شغل السلطان كما يجب، فأحضره، وأعطاه السلطان خمسمائة درهم برسم النفقة، وكان يقال له: بهاء الدين الأزقي، فخرج من دمشق في الليل وسار يطلب مصر. وفي صبيحة تلك الليلة جرد السلطان تمر الساقي بألفي فارس، وأمره بأن يمسك يزكًا (¬٢) على العريش، وقال له: إياك أن تمكن أحدًا من الرواح. ثم خرج الملك الناصر من دمشق في الساعة الثانية من يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان، وقال ابن كثير: تاسع رمضان، وكذا قال بيبرس في تاريخه (¬٣)، وفي صحبته: نجم الدين بن صصري، والقاضي صدر الدين الحنفي، وهو إذ ذاك قاضى العساكر، قد باشرها من مدة قريبة، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين الزملكاني، والموقعون، وديوان الجيش، وجيش الشام بكماله من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، وندب إلى غزة: الأمير كراي المنصوري السلحدار، ونائب حمص تمر، ليحفظا الطريق، فوصلاها مقدمة للعساكر السلطانية، واجتمع إليها جموع من التركمان والعربان.وقال بيبرس في تاريخه: وأما السلطان الملك الناصر فإنه سار من مدينة دمشق بالعساكر بعد أن شملهم بالنفقات وأوسعهم بالصدقات، وأضرب حينئذ عن المكاتبات وأقصر عن المراسلات، فكان كما قال أبو الطيب المتنبي: ولا كتبٌ إلا المشرفية عنده … ولا رسلٌ إلا الخُمَيْس العَرَمْرَم (¬١) وأما القاصد الأزقي، فإنه لما سار أرسل الناصر إلى تمر يقول له: أوصل هذا إلى حد القاهرة على أي حال كان، فانتخب تمر من الألفين التي معه مائة فارس، وطلب نجابًا كان عنده يقال له: مقلزون، وكان خبيرًا بالبر، وقال له: إني أريد أن تأخذني من العريش، ولا تطلع بي إلا من العباسية على غير الطريق، فقال: سمعًا وطاعة، ثم إنه عمد إلى ناقة كانت لتمر تسمى الغيداء، فركبها مقلزون وسار بتمر الساقي وأصحابه خلفه، ولم يزالوا حتى توسطوا البر، وجاء الليل، فأنشأ يقول: دعي النوم غيداء ثم جدي واجهدى … وصبرا على طول النهار مكررا وكوني على خوض الفيافي جليدة … وخوضي سهولًا مع جبال توعُّرا ودلي بنا نحو الشعيب وأثلةٍ … وبانات زيَّاد وسفح بن عكبرا فحولك فتيان كرام ومعشر … طخام تثير النقع في الجو أغبرا دعوا القال يا فتيان مصر ومن بها … وقولوا لمن أضحى عليها مظفرا غداة يجئ ابن المليك ورهطه … وكل غلام كالقضيب مُثمرًا ينادون اسم الناصر الملك الذي … له في سماء العلاء يناديك مخبرا فدع عنك بيبرس البلاد وملكها … فبينكموا مثل الثُّريا إلى الثَّرىثم إنهم جدوا السير في قفار وبراري ليس بها أنيس إلا النعام مع الغيلان، لا ينزلون إلا لأكل الدواب وقضاء الحاجة، وكلهم ركاب الهجن، وبعض الخيل مجنبة، وأما ناقة النجاب مقلزون فإنها أربعة أيام لا أكلت ولا شربت، فخاف عليها تمر، فقال النجاب: لا تخف يا أمير، فإن جنسها يسمى الصوامات، إذا أبصرن البرية لا يأكلن ولا يشربن حتى يقطعوا المفاوز، وفيها من تبقى سبعة أيام لا تأكل ولا تشرب. وفي اليوم الخامس رحل النجاب بهم بعد غروب الشمس، فقال: يا أمير نحن في نصف الليل نكون في العباسة، ففرح تمر وأمرهم بالنزول، فنزلوا وعلقوا، ثم ركبوا فسار بعض شيء حتى قال له: هذه العباسة وأراضيها، فساروا إلى جانب ما هناك، فنزلوا فيه، وطلب تمر مقلزون وقال: خذ هذا الرجل وأوصله على هذا الهجين ولا يصبح الصباح إلا وأنت على المحرس، ثم تعود إلينا بالهجن، فركب، وركب بهاء الدين عمر الأزقي، وسارا طالبين المحرس، وقد جعل تمر الساق بينه وبين الأزقي علامة، وقال له: إذا وصلت إلى المحرس سَيِّر إلىَّ هذه العلامة، ثم أخذه مقلزون وسارًا، فلم يأت الثلث الأخير إلا وهما في المحرس، فنزل الأزقي عن الهجين، وسلمه إلى مقلزون، وأرسل العلامة معه. قال الأزقي: وسرت أنا طالبًا للقاهرة سيرًا مجدًا، فساعة أمشي على هينتي وساعة أجرى وأنا خائف، فوصلت إلى القاهرة، ولَمَّا دخلت رحت إلى السوق، وبعت القماش الذي عَلَىَّ، واشتريت لبس الفقراء، وقلت في خاطري أول ما أروح إلى دار جمال [الدين] (¬١) قتال السبع لأنه شيخ كبير، وهو أهون عَلَىَّ من غيره، فسأل عنه، فقيل: هو في القلعة، قال: فقعدت على الباب وأنا متعلق، فتقدم إلىَّ البرددار وبعض المماليك فقالوا: يا فقير ما حاجتك بالأمير؟ قلت: لي به معرفة وله عَلَىَّ صدقات، وأنا من المجاورين بيت المقدس، فقالوا: اقعد الساعة يجئ. قال: فأنا معهم في الحديث، فإذا بالأمير وقد جاء، فتقدم إليه البرددار وقال: ياخوند، قد حضر فقير من بيت المقدس يزعم أن له معرفة بالأمير، فقال: أين هو؟ فقال: هذا هو، فلما رآه الأمير عرفه بالفراسة، وقال إن [صدقت] (¬١) فراستي، فهذا من قصاد الملك الناصر، ثم قال له: أهلًا ومرحبًا بالشيخ يوسف، كيف خليت الفقراء؟ فقال يا خوند، بخير، وهم داعون للأمير في كل الأوقات، ويسألون من الله الاجتماع، قال: ثم دخل به الدار، وأحضر له شيئًا للأكل، ثم أخرج جميع مَنْ عنده، ثم قال له: هات حدثني بأخبار الملك الناصر وأصحابه وما هم [عليه] (¬٢)، فحدثه جميع ما معه من المشافهة، ثم أخرج الكتاب وناوله إياه، فأخذه وقرأه، ثم قال: هل معك كتاب إلى سلار؟ قال: نعم، فقال: قم بنا إليه، ثم أخذه وطلع به إلى القلعة ومضى إلى سلار، فدخل عليه، فقال له سلار: جئت في غير وقت العادة، قال جئت لأجل قاصد وصل من عند الملك (¬٣) الناصر وعلى يده كتاب إليكم، فاصفر وجه سلار، فقال: وأين القاصد؟ فقال له: على الباب، فقال: عَلَىّ به، فأدخلوه عنده، فلما حضر سَلَّم، فأبلغ في (¬٤) السلام، ثم قال له سلار: من أين الشيخ؟ فقال: من الشام. قال: وفيما أتيت؟ قال: أرسلني إليك الملك الناصر، فقال له: وكيف أرسلك إلىّ وهو جاء إلينا قاصدًا حربنا وأخذ بلادنا، فقال له: أنا رسول إليك، يقول لك السلطان: أنت أكبر مماليك أبي، وأنت الذي ربيتني، وأنت الذي سلمت إلى الملك، وأنت تعلم ما بيني وبينك في السر والجهر من الذي لا يطلع [عليه] (¬٥) أحد، ولقد حذرتني من بيبرس مرارًا فما قبلت، فأنا واصل بعساكر الشام، فأشر علىّ برأيك كما جرت عوائدك. قال: ثم أخرج الكتاب ودفعه إليه، فأخذه سلار وفهم ما فيه، ثم التفت إلى قتال السبع، وقال: خل الفقير عندي ورُحْ أنت، فقال: السمع والطاعة، فأقام الأزقيعند سلار ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع: طلب منه الجواب. فقال: اذهب أنت وأنا أبعث الجواب بقاصد عن عندي، فأعطاه خمسمائة درهم وخرج من عنده وذهب. ثم كتب سلار إلى [برلغي] (¬١) يقول فيه: إن الملك الناصر قد (¬٢) توجه إلينا بعساكر الشام ومعه أمراء كل واحد منهم يُخرب إقليمًا، وأنه قد كاتب إلى جميع أمراء مصر فغدًا لو جاء إليك ألف فارس من الشام هرب كل مَنْ معك إليهم، وربما أخذوك أسيرًا، وأنت أولى بطاعة ابن أستاذك، فإن سمعت مني، فحال وقوفك على هذا الكتاب حَلِّف الأمراء الذين معك واذهب إلى الناصر ليكون لك اليد البيضاء عنده، وأنت تعلم أن بيبرس ما تتم له السلطنة ولا هو خصم الملك الناصر، وقد نصحتك، والسلام. وكتب كتابًا آخر وأرسله إلى الملك الناصر، مع مملوك له يقال له: زنكي، وقال له: إن رأيت برلغي قد أجاب إلى ما قلت إليه، فاذهب إلى الملك الناصر وإلا فارجع إلىَّ سريعًا، فخرج زنكي على الهجين، فما أمسى إلا وهو عند برلغي، فأعطاه كتاب سلار، فلما قرأه بقى مفتكرًا يتقدم ويتأخر، فبينما هو في ذلك، فإذا باستاداره قد حضر وأخبره بأن مماليك أقوش الرومي قتلوا أستاذهم على درب السويس، وراحوا إلى الملك الناصر، فلا سمع بذلك قوى عزمه على الرواح إلى الناصر، ثم قال لزنكي: اذهب وقل للأمير سلار، خرج زنكي من عنده وأخذ طريق غزة. وأما الأمير سيف الدين تمر الساقي فإنه أصبح في أرض العباسة، وجاءته خفراء البلد وقالوا له: يا أمير، مِن أين جئت؟ فقال: من القاهرة، جئت لأحرس هذا الطريق، فقالوا: مرحبًا بالأمير، ولكنا خائفون عليك لأن جماعة من صيادينا كانوا في البرية جاءوا الساعة وأخبروا أنهم رأوا البارحة عند أبيار مسامة مائة رجل، وهم ركاب هجن ومعهم خيول مجنبة، فنخشى عليك من أن يدهموك على حين غفلة، فضحك تمر وقال: إنهم يأخذوننا من وسط بلادنا، فقالوا: لا تقل هكذا يا أمير، فاليوم فرسان الشام كلها معالسلطان الناصر، فقال تمر: ومن معه؟ قالوا يا مولاي، أولهم الأمير قفجق الذي زلزل الشاميين، والأمير قراسنقر، واسندمر، والحاج بهادر، وقطلوبك، وتمر الساقي، وبهادر آص، وبيبرس العلائي، وبيبرس المجنون، والجاولي الذي ما (¬١) على وجه الأرض أذرى منه، ولا أكثر حيلة، وبقى الأمير تمر يطول معهم في الحديث وهو ينتظر مقلزون الهجان، ولما أبطأ عليه (¬٢) قال لهم: ما تجيبون لنا شيئًا من المأكول لنا ولدوابنا؟ فقالوا: بلى والله، فأمر واحدًا من مماليكه وأعطاهم مائة درهم، فقال لهم: اشتروا لنا عليقًا يكفينا أربعة أيام، فذهبوا إلى قرية هناك بالقرب منهم، فاشتروا كل ما أراد تمر ورجعوا إليه، وقد مضى نصف النهار، واستراح هو وأصحابه، ثم ركب وقت العصر ولم يحضر مقلزون، خاف من أمر حدث عليه، فنظر يمينًا وشمالًا، فإذا بخيول الأمراء وهي مربوطة على البرسيم، فقال لأصحابه: لا بد لي من سوق هذه الخيول. فبينما هو في ذلك الحديث فإذا بمقلزون قد حضر، فقال تمر لأصحابه: اركبوا، فركبوا، ثم ساقوا الحيل التي هناك، وكانت قريبًا من ألف [فرس] (¬٣)، فوقع الصياح وجاءت الخفراء إلى تمر وقالوا: ما هذا يا أمير؟ فقال لهم: أنا الذي كنت بالأمس على آبار [مسامة] (¬٤)، وأنا تمر الساقي، وأنا جاليش (¬٥) قفجق، وغدا يكون عندكم، ثم توجه هو وأصحابه نحو البرية، والخيل تُساق قدامه. وقد ذكرنا أن الأمير برلغى على [بلبيس] (¬٦)، فجاءه الخبر، وركب وسار إلى أن وصل إلى العباسة، جاء إليه الخفراء وأخبروه بما جرى جميعه، وذكروا عن تمر أنه قال.غدا يكون قفجق عندكم بخمسين ألف فارس، فقال برلغي: هذا هو الصحيح، فما بات تلك الليلة إلا في قرين، ثم سير البريدي إلى المظفر يُعلمه بأن تمر الساقي وصل إلى العباسة وأخذ ما عليها من الخيل والدواب، فلما جاء هذا الخبر إلى القاهرة ارتجت ديار مصر، ووقع الخبر بأن الشاميين أغاروا (¬١) على خيل عباسة وعلى بلبيس، فحار المظفر في نفسه ولم يدر ما يفعل، ثم جهز لبرلغي عشرين ألف دينار يجهز بها حاله، وقال: أنا أيضًا واصل إليك في هذه الأيام، وفي تلك الساعة وصل قاصد من عند الملك الناصر إلى برلغي وهو يقول له: بالله، إذا كنت أنت الذي عليك الاعتماد، وأنت أكبر مماليك أبي خرجت عَلَىّ، فبالله، فعلى مَنْ أعتمد بعدك؟ ضاعت والله تربية الملك المنصور فيك، فدع ما أنت عليه وجل قدومك إلى غزة، فقد خرجت من دمشق، ونيابة مصر عينتها لك، وأطمعه بالعطايا الجزيلة، فلما سمع بذلك افتكر، ثم رأى الناس كلهم مائلون إلى الناصر، وكل ليلة يهرب منه جماعة إليه، وهو في ذلك، فإذا بقاصد من عند قراسنقر وصل إليه ومعه كتاب، وكذلك جاء إليه كتاب من اسندمر، وكان مجردًا على العريش من حين وصل الناصر، فعند ذلك طلب الأمراء الذين معه، وقال: ما تقولون؟ وهذا الملك الناصر قد وصل، وربما اليوم هو في العريش، وهذا الملك المظفر ما له قابلية للملاقاة، وقد تبين لنا عجزه، وما يكون التدبير؟ فقال كلهم: الذي تختار. فقال: الرأي عندي أن نسير إلى الملك الناصر، ومماليك أقوش الرومي قد قتلوه [وذهبوا] (¬٢) إلى الملك الناصر، ولا نأمن أن تكون مماليكنا كذلك، فقالت الأمراء: الذي تقوله حق، فاتفق الجميع على الرواح، ثم قال لهم برلغي: كل منكم يروح ويجهز حاله، فخرجوا من عنده، ثم طلب الأمير برلغي الأمير دباكوز والأمير [بجاس] (¬٣)، ولم يكونا حضرا مع الأمراء لأنهما كانا عينًا للمظفر عليه، فلما حضرا قالا له: ما لخيلكمشدودة وجمالك محملة؟ فقال: جاء مرسوم المظفر بأنه خرج من القاهرة وأمرني أن أرحل إلى العريش، فصدقاه على ذلك وذهبا وحملا أيضًا جمالهما، ثم اجتمع الجميع وساروا، ثم شرع بعض الناس يتحدثون بأن هؤلاء رائحون إلى الملك الناصر، فسمع بذلك بعض مماليك دباكوز ويجاس وأعلموا أستاذيهم بهذا الخبر، ثم نهضا وجاءا إلى برلغي فقالا: يا أمير، إلى أين رائحون نحن؟ قال: إلى الملك الناصر. فقالا له: من وافقك على هذا؟ فقال: جميع الأمراء طوعًا وكرهًا، وأى مَنْ قال لا ضربت عنقه، ثم أنه أمر بأن يأخذوا سيوفهما، ورسم عليها، فبكى دباكوز، وكان أشد الناس حيلة، وقال: يا أمير سيف الدين، ذهبت الشفقة من بين الخشداشية؟ بالله عليك، لا تكن سبب هلاكنا، فنحن نعلم أن الملك الناصر لا يرحمنا دون الناس، ونريد من إحسانك أن تخلينا لنروح إلى القاهرة، وأنت تأخذ لنا أمانًا من السلطان الناصر، وترسله لنا، فقال: أطلقوهما، فأطلقوهما، وأخذا أطلابهما وعادا إلى القاهرة. وأما برلغي فإنه سار بمن معه حتى وصلوا إلى العريش، وجاء الخبر إلى اسندمر وهو نازل على العريش كما ذكرنا، وقالوا له: إن برلغي واصل ومعه عشرة أمراء وعشرين من مقدمي الحلقة وخمسة آلاف فارس، ففرح اسندمر بذلك ولاقاهم، ونزل الجميع على العريش، ثم أطلق البطاقة إلى غزة يعلم بقدوم [برلغى] (¬١)، ثم إنه ركب مع اسندمر، وخليا الأثقال وغالب العسكر على العريش، وذهبا إلى السلطان في غزة، ولما وصلا إلى تل العجول لاقاهما الأمير الحاج بهادر والأمراء، ولما قربوا من غزة ركب السلطان إلى ملاقاة [برلغي] (¬٢) ومعه قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك وساروا بين يديه، فوصل برلغي وقبل ركاب السلطان ورجليه، وأمر السلطان أن يركب فرسًا من جنائبه، فركب وساروا إلى أن نزل السلطان في دهليزه، ثم طلب [برلغي] (¬٣) وأصحابه، فخلع عليهم. وأما دباكوز وبجاس، فقد وصلا إلى المظفر، وأعلماه بما فعله برلغي، فضرب بيدهعلى يده، وقال: الله أكبر، راح الملك منا، فمن كان يقول: إن برلغي يفعل هذا الفعل. وأما تمر الساق فقد ذكرنا أنه ساق خيل العباسة، ثم وصل إلى العريش واجتمع بالأمير اسندمر، فلما رآه قال: هذا دليل النصر، ثم راح إلى الملك الناصر ومعه الخيل، ففرح الناصر بذلك، وقال له: حدثني بما جرى لك، فحدثه، فتعجب السلطان من حيلة تمر وحسن تدبيره، فخلع عليه.