بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1995, entry [542]7,730 chars
ذكر مسير السلطان من الكرك ثانيًا وفي شعبان منها: خرج السلطان الناصر محمد من الكرك طالبًا دمشق، وترك بها مملوكه سيف الدين أرغون الدوادار، وترادفت إليه الأمراء من دمشق أولًا فأولًا، ثم سار الناصر ونزل على البرج الأبيض، ويوم نزوله جاءت الكشافة وأخبروه أنهم رأوا مقدار مائتي نفر فرسان نازلين على الزرقاء،…
▸ expand full passage (7,730 chars)ذكر مسير السلطان من الكرك ثانيًا وفي شعبان منها: خرج السلطان الناصر محمد من الكرك طالبًا دمشق، وترك بها مملوكه سيف الدين أرغون الدوادار، وترادفت إليه الأمراء من دمشق أولًا فأولًا، ثم سار الناصر ونزل على البرج الأبيض، ويوم نزوله جاءت الكشافة وأخبروه أنهم رأوا مقدار مائتي نفر فرسان نازلين على الزرقاء، قال السلطان: هم قطلوبك والحاج بهادر، وما جاء الظهر حتى أشرف قطلوبك على البرج الأبيض، فإذا عليه السلطان، فقال لأصحابه: أقيموا مكانكم وأنا آخذ معي الحاج بهادر وثلاث مماليك وسار إلى السلطان، فركب السلطان وأمر [الأمراء] (¬٤) جميعهم أن يروحوا قدام قطلوبك، فلماوصلوا سلم بعضهم على البعض، فأخذوه وجاءوا به إلى السلطان، فلما وصلوا ترجلوا وباسوا الأرض، فهم أن يترجل لهم فمنعوه، وقبلوا ركابه، وساروا تحت ركابه إلى الدهليز، فنزل السلطان وجلس على كرسي من الحديد الصيني، ووقفت الأمراء بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، وتحدثوا في أمر العبور إلى دمشق، فقال السلطان: أنا ما رجعت في المرة الأولى إلا لأمر ذكرته في قلعة الكرك، وما كان غيري يقوم بذلك (¬١)، وما كان يمكن أن أخلى أصحابي على الخان وأروح أنا، والآن قد قَضَيتُ شُغلي بروحي ورجعت فتقدم قطلوبك وباس الأرض وقال: البلاد بلاد مولانا السلطان والمماليك مماليكهـ، ومن يمانع مولانا السلطان في بلاده، ثم تقدم وأخرج كتاب سلار وناوله السلطان، فقرأه وفرح، وقال: أرجو أَمْن سَبْقه [فهو] (¬٢) أكثر من هذا. ثم إن السلطان ألبس قطلوبك خُلعة سَنية، وشد في وسطه منْطقة (¬٣) مرصعة بالجوهر بألف دينار، وكلوتاه (¬٤) زركش، وشاش (¬٥) خليفتى، وأعطاه ألف دينار، وكذلك الحاج بهادر، وأمرهم أن ينزلوا بجنب خيامه، وأمر لقطلوبك بأن يعمل استادارا وبهادر حاجبًا. وفي اليوم الثاني رحلوا طالبين دمشق، وارتجت لهم الدنيا، وأرسلوا البطائق إلى دمشق من أذرعات ومن حسبان، يُعْلِمون الأفرم بأن الحاج بهادر وقطلوبك قد ذهبا إلى الناصر، وهم سائرون إلى دمشق، فلا سمع بذلك الأفرم لطم على رأسه وقال: والله، قد حسبت هذا الحساب، وطلب الأمراء وقرأ عليهم البطائق، وبقي متحيرًا ما يدري ما يصنع.فبينما هو كذلك فإذا قد وصل بلاط، وكان المظفر يعتمد عليه في جميع أشغاله، فلما رآه الأفرم فرح به، وأخرج كتاب السلطان وأعطاه للأفرم؛ فإذا فيه: قد تواترت علينا كتبك مع البريدية [تتضمن] (¬١) نزول الناصر من الكرك، وأن معه جماعة، وأنتم خائفون منه، وليس معه إلا مائتا نفس، ولا نعرف خوفك من أي شيء؟ فكيف لو جاءكم خربندا؟ وأنت وقطلوبك كفاية له ولمن معه، خل عنك بقية الأمراء، ولولا أن الخيل في الربيع سَيَّرنا لك جريدة كفت مؤونته، وذكر في كتابه للأمراء: بلغنا قلة نصحكم ومخالفتكم للنائب، فدعوا الباطل، وما سولت لكم أنفسكم، [فكونوا] (¬٢) لأمره سامعين، وإلا أصبحتم نادمين، فلما سمع الأمراء ذلك قالوا: السمع والطاعة لله تعالى، ثم لمولانا السلطان. ثم سير الأفرم وراء القضاة، وطلب المصحف، وأراد أن يُخَلِّف الأمراء، فإذا بجماعة من الحلقة كانوا في الكشف حضروا وأخبروا أن الناصر ومعه قطلوبك نزلوا على أذرعات، فاختبط القصر وماجت الناس، وتفرقت الأمراء، ولم يبق عند الأفرم إلا مماليكه وابن صبح، فأطرق رأسه إلى الأرض وهو يتفكر، فدخل عليه أيدغدي شقير وعز الدين الزردكاش وحمزة، وقالوا له: قعودك وحدك ما ينفع، فقال لهم: وماذا أصنع؟ فقالوا: ابعث أحد الأمراء الذي تعتمد عليه يأتى لك بالأمان من السلطان الناصر، وإلا أُخِذْت، فقال: والله، لا فعلت ذلك أبدًا ولو سُقِيت كأس الرَّدَى، غير أني أبعث [وأقول له] (¬٣): أمهلني عشرة أيام حتى أسير إلى الملك المظفر، فإن حضر ورد عن بلاده وإلا سلمت إليه البلاد من غير حرب ولا قتال، وأكون قد [أخمدت] (¬٤) هذه الفتنة، وربما يرجع المظفر وسمح له بالشام وبلادها، فقال بلاط: هذا هو الكلام الذي يُعتمد عليه، فاتفقوا على أن يرسلوا إلى الناصر علاء الدين أيدغدي والزردكاشي، فركبا البريد وذهبا إلى الناصر.وأما أمراء دمشق فإنهم بعد خروجهم من القصر تشاوروا في ماذا يصنعون؟ فقال لهم آقجبا الظاهري: يا قوم، إن الناصر قد وصل وأنتم تعلمون ما هو عليه من التهجم على الأمور الصعاب التي لا يقدر عليها أحد من الملوك، ولَتَعلمون عظم صبره على الأهوال ولا سيما إذا ظهر الحق وبأن الباطل من الصدق، وقد شاهدتموه يوم حمص وثباته، وقد هربت الأمراء والفرسان من بين يديه وهو واقف، وكذلك يوم مرج الصفر، وهذا كله (¬١) يدل على أن نفسه أبية وهمته علية، وأنه بعد ما شرع في هذا الأمر ما بقى يرجع عنه حتى تعض الخيل على لُجمها يَسيل نهر من الدم، فقالوا له: هذا كله صحيح، غير أننا انضرينا ولا ندري ما نفعل، و [هذه] (¬٢) كتب المظفر واصلة إلينا بأن التجاريد جائية إلى الشام، وهو اليوم صاحب البلاد، وهذا الناصر قد هجم علينا، فقال أقجبا: يا قوم خلو عنكم هذا الكلام، فإن الظاهر عنوان الباطن، والله، ما المظفر بخصم للناصر، ولا أمثاله، ولو كان ألفًا، والله، ليأخذن المُلك منه بعد أن يُوَلَّى هو صاغرًا ذليلًا، فالسعيد من والاه والشقي من عاداه، فقال كجكن: والله، لقد صدق أقجبا، ولكن يا أمراء على ماذا عولتم؟ فقال أقجبا وأقطوان الساقي: نروح إليه ونمتثل أمره. قال الراوي: فاتفق الجميع على الرواح إليه، ثم انصرف كل واحد إلى منزله ليأخذ ما يحتاج إليه، وتواعدوا على الاجتماع في ميدان الحصى، وكان آخر النهار، فبعد ساعة قد اجتمعوا في ميدان الحصى، ولم يبق أحد إلا آقجبا الظاهري، فبقى القوم في انتظاره. وسمع الأفرم بأن الأمراء راحوا إلى الملك الناصر، فطلب بكتمر الحاجب وقال: اذهب إليهم ورُدَّهم، فركب بكتمر بمماليكهـ ومماليك النائب وراح خلفهم، فلحقهم في ميدان الحصى، فقال: يا أمراء ما هو مصلحة تروحون بغير أمر النائب، فارجعوا إليه حتى تتفقوا معه، فهو خير لكم من رواحكم هكذا، فقالوا له: اذهب في حالك وما لنا أستاذ إلا الملكالناصر، فكلما خدعهم بكتمر بالكلام لم يسمعوا منه، فقال لهم واحد من مماليك الأفرم: إن لم ترجعوا بالطيبة رديناكم بالغصب وباليد القوية، فلما سمعوا كلامه شتموه وشتموا النائب، وحطوا أيديهم على قوائم سيوفهم، وهموا أن يبطشوا به، وقالوا: يا قدِّ القِرْد من هو الذي يردنا؟ والله، لو جاء المظفر إلينا ضربنا رقبته، وحملوا على المملوك وأرادوا قتله، فما ردهم عنه إلا بكتمر الحاجب، وقال: والله، يا أمراء ما جئتكم بغضًا لكم، غير أنكم تعرفون أني ما أقدر على أن أخالف النائب، ثم إنه رجع عنهم وهو لا يصدق بالنجاة، وبقي يلوم المملوك على ذلك الكلام. فلما وصل إلى باب الجابية لقى أقبجا الظاهري، فقال له: إلى أين؟ فقال: حتى ألحق الأمراء، وكان مع أقجبا [خمس] (¬١) مماليك، فقال له الحاجب: ارجع معي، فرجع معه إلى الأفرم، فتقدم بكتمر وحدث الأفرم بما جرى له مع الأمراء، وأنهم كلهم راحوا ولم يرجع إلا أقجبا، فطار عقل النائب وأيقن بزوال دولته، ثم إنه التفت إلى أقجبا وقال له: هذا فعل جيد؟ تفسد الأمراء وتروح معهم إلى الناصر، ولا بد لي أن أرسلك إلى الملك المظفر يفعل فيك ما يشاء، فضحك أقجبا وقال له نائبه: بهذا العقل تتكلم بهذا الكلام؟ فالملك المظفر بقى له ملك، فإن سمعت مني فأنا لك ناصح، فخذ مماليكك في هذه الساعة وسر إلى الملك الناصر أستاذك، ويكون لك الخير، وينالك منه كل ما طلبت، ويشكرك كل أحد، وإن لم ترح إليه، فهو جاء إليك ويأخذك أخذ المقتدر، فتصبح حائرًا نادمًا، فلما سمع الأفرم ذلك احترق قلبه من الغيظ، فقال له: يا شيخ النحس ما هذا الكلام؟ ثم أمر بأن يأخذوا سيفه ويضربوا رقبته، فمنعه بكتمر، وقال: لا تعجل فما ندري ماذا يكون أمرنا مع الناصر، فتعود تندم على فعلك، فأخرج أقجبا من عنده، وأمر به إلى الزرد خانة ورسم عليه خمس مماليك، ثم إنه جمع مماليكهـ الذين [يعتمد] (¬٢) عليهم، وطلب علاء الدين بن صبح وقال لهم: اعلموا أن الناصر يكون غدًا عندنا، وهذه عسكر دمشق كلهم معه، وكل واحد منهم قال شيئًا، فقال له ابن صبح: هذا كله ما ينفع، احترز لنفسك من قبل ما يقع العينعلى العين، فيبقى خلاصك بعيدًا، فقال له: صدقت، فإش يكون العمل؟ فقال له ابن صبح: قم حتى آخذك وأطلع بك إلى هذا الجبل، فلو اجتمع كل مَنْ في الدنيا ما قدروا عليك، ولا يقدر أحد أن يصل إلينا، فقال له: صدقت، خذوا أهبتكم قبل الصباح. وكان بلاط حاضرًا في هذا الكلام، فقال: إذا كان الأمر على هذا، فأنا الساعة أركب البريد وآخذ حصانًا من خيلك وأروح على الطريق الجادة، وأي مكان خرج علىّ أحد ركبت الحصان وسقت، فإذا وصلت إلى مصر حرضت عليهم بخروج العساكر، فقال له الأفرم: افعل ما تريد، فقام في الحال وتجهز وخرج، وحَمَّلوا جمال الأفرم، وركب، وكان الأمير بكتمر أمير جندار قد وصل في تلك الليلة من صفد، ونزل في دار الهاروني، فسار إليه الجاولى والطشلاقي، وقالوا له: هذا الأفرم هارب في هذه الساعة، فركب بكتمر بمماليكهـ، ومعه عسكر صفد، وجاءوا على باب القصر، وإذا بالأفرم طالع، فلما رأى بكتمر قال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال له: يا أمير، لا تفعل، فهذا الفعل لا يليق بك، ولا يخوفك أحد من الناصر، فوالله ما عنده أعز منك، وأنت أكبر مماليك أبيه، واعتماده عليك، فقال له: يا سيف الدين، كلكم تعملون عَلَىَّ، وصاح على مماليكهـ، فخرج وخرجوا معه، وكلهم غائصون في الحديد، ومعه ابن صبح وأجناده، وبقي بكتمر والجاولي والطشلاقي واقفين حائرين، وسار الأفرم طالبًا المزة (¬١).