بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1992, entry [541]4,044 chars
ذكر ما جرى في مصر بعد حركة الناصر الحركة الأولى قد ذكرنا أن السلطان الناصر لما سار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء في حركته الأولى أرسل الأفرم إلى المظفر أن الأمراء والعساكر قد فسدت بواطنهم وتغيرت ظواهرهم، والملك الناصر قد تحرك من الكرك ووصل إلى الموضع الفلاني، ولا بأس أن تمدنا بعساكر وتعجل بإرسال…
▸ expand full passage (4,044 chars)ذكر ما جرى في مصر بعد حركة الناصر الحركة الأولى قد ذكرنا أن السلطان الناصر لما سار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء في حركته الأولى أرسل الأفرم إلى المظفر أن الأمراء والعساكر قد فسدت بواطنهم وتغيرت ظواهرهم، والملك الناصر قد تحرك من الكرك ووصل إلى الموضع الفلاني، ولا بأس أن تمدنا بعساكر وتعجل بإرسالهم لنستطيع على دفعه، فأظهر المظفر الاهتمام للتجريد عند وصول هذا البريد، وجرد الأمراء الذين ذكرناهم (¬١) وهم: الأمير سيف الدين برلغي، والأمير عز الدين البغدادي، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، والأمير (¬٢) جمال الدين أقوش الأشرفي، ومعهم أربعة آلاف فارس (¬٣)، فبرزوا للوقت، وشرع في النفقة العامة للعساكر كافة، وتكملت في سبعة أيام، فقال أكثر الأجناد بعضهم لبعض: ادعوا لمولانا السلطان الناصر، فما سمحت نفس المظفر بهذه النفقة إلا بحركة الناصر، ولاحصل لكم هذا الخير إلا ببركته، فكان حاصل المظفر يخلو وذكر الناصر يعلو، وعين جماعة من مماليكه للإمرة بالطبلخانات والعشرات. ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان نزلوا إلى المدرسة المنصورية (¬١) ليلبسوا خُلع الإمرة كجاري العادة، واجتمع لهم النقباء والحجاب والعامة بالأسواق والأبواب ينتظرون طلوعهم القلعة، وكل منهم لابس الخُلعة، فاتفق أن شخصًا من المنجمين كان بين يدي النائب يذكر أن الطالع غير موافق، وهذا الوقت لركوبهم غير لائق، والمصلحة تأخير ذلك، في وقت يستقيم طالعه ويزول عكسه ومانعه، فصادف كلامه محلًا للتأخير، وكان ذلك بما جرى به فأل المقادير، فلما تأخروا أوسعت العامة إرجافًا وقولا، وكثرت الأراجيف، إذ لم يلبس هؤلاء التشاريف. ثم ركب بعضهم يوم الاثنين الآتي، وهو مستهل شهر الصيام، فاستزراهم الأنام، واستبرد طلبهم العوام، وركب بقيتهم يوم الخميس ركوبًا ليست له حلاوة، ولا للأنفس منه طلاوة، وكانت عادتهم حول ثلاثين نفرًا (¬٢)، منهم أصحاب الطبلخانات سبعة عشر نفرًا، فيهم من مماليكهـ ستة وهم: صنقيجي، وصديق، وطومان، وقرمان، وغُرْلُو، وبهادر، ومن المماليك السلطانية سبعة هم: قراجا الحسامي، وطرنطاي المحمدي، وكيتمر الساقي، وبهادر قفجاق، وانكبار، وطشتمر أخو بتخاص، ولاجين أيتغلى، وممن عداهم: جرمك، وتمر، وبهادر، وحسن بن الردادي (¬٣)، وأصحاب العشرات من مقدمي الحلقة وغيرهم، وكثر الهرج بالمدينة وتهافت الناس على تحصيل العدد، وخشي من تسلل بعض المماليك السلطانية، فجردوا إلى البلاد القبلية: منهم قوم إلى بلاد البَهْنَسي، وقوم إلى منفلوط، وقوم إلى قوص، وجردت جماعة إلى البحيرة.وقال بيبرس في تاريخه: ولما وصل السلطان إلى البرج الأبيض كما ذكرنا رأى أن الرأي قبل الشجاعة، وأن في الأمثال السائرة: الشجاعة صبر ساعة، فخطر بباله أن يعود، فعاد، وكان ذلك من وجوه الحزم والسياسة التي دبرها بفكرته وما اهتدى إليها [الذين] (¬١) كانوا في خدمته، بل تتمت أفكارهم لرجعته وظنوا رجوعًا إلى التأخير أو جنوحًا إلى التقصير، فتبرموا وتندموا وتفاوضوا فيما بينهم، وتكلموا، وقالوا: إن السلطان قد عاد وعساكر مصر في التجهيز والاعتداد، ومتى ما جاءوا إلينا وقع الصلح علينا، ويسلمنا إليهم بأيدينا، والمصلحة أنَّا ننظر في أمرنا ونحتال في خلاص أنفسنا، فهذه أمور غير مرضية لنا (¬٢): غابت عواقبها عنهم وما علموا … ما يعلم الله في العُقْبى من الخير حتى بدا عن قليل وجه حكمتها … كما حكى الله عن موسى مع الخضر فاهوا بأشياء ما يدروا مغَّبتها … وكان ذلك من مستحكم الضَّجَر واتصل بالسلطان كلامهم، فبقي في باطنه كامنًا، وفي كمينه باطنًا، وأظهر المظفر العزم على تجهيز العساكر والجد في لقاء الملك الناصر، ونحن نلوح له إن هذا موقف الندامة، [ونشير] (¬٣) عليه بأن في المسألة السلامة، ولسان الحال ينشد قول أبي أسامة: فيا ابن أسيد لا تُسام ابن حاتم … فتقرع إن سَامَيْتَه كفَّ نادم هو البحر إن كلفت نفسك خوضه … تهالكت في آذيه المتلاطم وعَيَّن طائفة ثانية من بطانته للإمرة، يقصد بذلك الكثرة.وكتب السلطان إلى الأمراء بالديار المصرية كتبًا تذكرهم بما له ولأبيه الشهيد عليهم من الحقوق، وإعلامهم بأن تقاعدهم عنه من العقوق، ويطلعهم أن [أمراء] (¬١) الشام قد ألقوا [المعاداة] (¬٢) ووافقوا على الإرادة، وأرسلها على يد شخص من المماليك اسمه بهادر السرسماني، كان مبعدًا وبعزه مجردًا، فلما اتفقت هذه الأمور توجه إلى الكرك مهاجرًا، فانتدبه السلطان بالمكاتبات فحضر بها إلى القاهرة، واجتمع بأحد خشداشيته يسمى بكتمر، وأوصلا الكتب إلى أربابها، فمنهم من كتم الأمر وستره، ومنهم مَنْ أذاعه خيفة وأظهره، فلما غشي الخبر وبلغ المظفر، طلب بهادر وبكتمر الواصلين بالكتب، فأحُضرا وضُربَا ضربًا أليمًا وقُرِّرًا، فاستعاد بعض المكاتبات السلطانية من أربابها، وجَدّ في استدعائها وطلابها (¬٣). ثم جدد الناصر المكاتبات إلى الأمراء الشاميين، فأعادوا إليه جوابًا مرضيًا. وحرضوا على حركته.