بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1964, entry [536]7,232 chars
ذكر تجريد العسكر وراء المتسحبين إلى الكرك طالبين الناصر ولما ظهر أمر المتسحبين جرد المظفر في آثارهم جماعة من الأمراء صحبة: الأمير علاء الدين مغلطاي (¬١) المسعودي، وسيف الدين قلي، فساروا سيرًا رقيقًا قصدا في عدم إدراكهم، وحفظًا لسلطانهم وابن سلطانهم، فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أيامًا، وعادوا إلى ا…
▸ expand full passage (7,232 chars)ذكر تجريد العسكر وراء المتسحبين إلى الكرك طالبين الناصر ولما ظهر أمر المتسحبين جرد المظفر في آثارهم جماعة من الأمراء صحبة: الأمير علاء الدين مغلطاي (¬١) المسعودي، وسيف الدين قلي، فساروا سيرًا رقيقًا قصدا في عدم إدراكهم، وحفظًا لسلطانهم وابن سلطانهم، فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أيامًا، وعادوا إلى القاهرة. وفي نزهة الناظر: وجردوا وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة أخ سلار [سُمُك] (¬٢)، وقالوا له: لا ترجع إلا بهم ولو غاصوا في البحر المحيط، وكان فيهم: الأمير شمس الدين دباكُوز، وبجاس، وبشكاس، وجنكلي بن البابا، وكُري، وكَهَزداش، وأيبك البغدادي، وبلاط، وساروجا، والقرماني، وهم نقاوة عسكر مصر، فساروا، وكان نُغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان لأسلخن جلدك من كعبك إلى أذنك، وحلف عليه، ففي الساعة أحضر الذهب، وكان نُغية قد رصد أناسًا يكشفون له الأخبار، فجاءوا وذكروا أن عسكرًا عظيمًا قد وصلوا من القاهرة وهم سائقون، فعند ذلك ركب نُوغيه بأصحابه وقال لوالى بلبيس: قل للأمراء الجَايِّين خلفي، ها أنا رايح على مهل حتى يلحقوا بي، وأنا أقسم بالله العظيم لأن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يومًا يذكره أصحاب التواريخ، ولم يبعد نُوغيه حتى وصل أخو سلار وهو سُمك مع العسكر، فلاقاهم والى بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نُغيه، وما ركب نُغيه إلا من ساعة، فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخَطَّارة وبين [السعيدية] (¬٣)، فإذا بنوغية واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة، وهو واقف في القلب قدام الكل، فلما رآهم سُمُكأرسل إليهم فارس من كبار الحلقة، فاجتمع بنوغية وقال له: أرسلني سمك إليك وهو يقول: السلطان الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك: سبحان الله، أنت كنت أكبر أصحابي فما الذي غيرك عليه، فإن كان لأجل الخبز فيما يأكل الخبز أحد أحق منك، فإن عدت إليه فكل ما تشتهي يحصل لك، فلما سمع نغية هذا الكلام ضحك وقال: اش هذا الكلام الكذب [في الأمس] (¬١) سألته أن يصلح خُبزى بقرية واحدة ما أعطاني وأنا تحت أمره، فكيف سمح لي اليوم ما أشتهي وأنا عدوه الآن، فخل عنك هذا الهذيان وما لكم عندي إلا السيف، فرجع الرسول وأعلم سُمُك بما قال نغيه، ثم إن نغيه [ركس] (¬٢) فرسه وتقدم إلى سُمُك وأصحابه، فقال له: اعلم أن هؤلاء [الذين] (¬٣) معي أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم، وأنا المطلوب، فمن كان يريدني يبرز إلى وهذه الميدان، فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: يا أمراء ما أنا باغي ولا عاصى على أحد، ولا خرجت من شيء عبثًا ولكنني مغبون وأنتم أغبن مني ولكن ما تظهرون، وها أنتم سمعتم منى الكلام، فمن أراد الخروج إلى فليخرج، وإلا احملوا علىّ بأجمعكم، وكان آخر النهار، فلم يخرج إليه أحد، فرجع إلى أصحابه، ونزل سُمُك في ذلك المكان. ولما أمسى الليل رحل نغيه بأصحابه، فسار طول الليل وثاني النهار إلى آخره، ثم نزلوا وأراحوا دوابهم وأكلوا شيئًا، ثم ركبوا وساروا، فما أصبح الصبح إلا وهم في قطيا (¬٤)، وكانوا قد أرسلوا البطاقة إلى [قطيا] (¬٥) بأن نغيه خرج هاربًا إلى الملك الناصر في الكركفلا تمكنوه من الجواز، وكان والى قطيا قد جمع عربانًا كثيرة قريب ثلاثة آلاف نفس، فلما رآهم نغيه قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطمع فيكم وتأتي الخيل التي وراءنا، فحملوا عليهم، وكان مقدم القوم نوفل بن حايس البياضي، فحمل بخمسمائة فارس وعليهم اللبوس وحملت الأتراك، فوقع بينهم قتال عظيم، فترجحت الأتراك، عليهم وولت العرب هاربين، وطلبوا البراري والقفار، ولحق نُوغيه والى قطيا وطعنه برمح فألقاه في الأرض وأخذه أسيرًا، ثم رجعت الترك من خلف العرب بعد ما لّموا الخيل الشاردة، وأما سُمُك بعسكر مصر فلم يزالوا يتبعونهم منزلة بمنزلة حتى وصلوا إلى قطيا فرأوها خرابًا، وسمعوا ما جرى بين نُغيه وبين العرب، فقال للأمراء: الرأي عندي أن تسيروا إلى غزة وتشاوروا نائب غزة وتدبروا أمرًا يكون فيه المصلحة، [فساروا] (¬١) إلى غزة فلقاهم نائبها البدري (¬٢)، وأنزلهم على ظاهر غزة، ونقل إليهم جميع ما يحتاجون إليه، فقال له سُمُك: نحن ما جينا إلا لأجل نُغيه، وإنه من العريش سار يطلب الكرك، فما رأيك فينا؟ فهل نسير إلى الكرك أو نرجع من ها هنا؟ فقال لهم البدرى: رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة، وأنتم حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم في الطريق فما قدرتم عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضموا إلى الملك الناصر، وازدادت قوتهم أكثر فأكثر، والرأي عندي أن ترجعوا إلى مصر وتقولوا للسلطان: ما كانت المصلحة في تغليظ الكلام على نُوغيه، والرأي عندي مداراته بكل ممكن وأنا أعرف الناس به، وينبغي أن لا [يتعرض] (¬٣) السلطان إلى خبزه ولا إلى بيته، فباتوا تلك الليلة في غزة، ولما أصبحوا ركبوا وساروا طالبين مصر. فلا تمثل سُمُك بين يدي المظفر أخبره بجميع ما جرى في الطريق، وأن نائب غزة أشار عليهم بالرجوع إلى السلطان، فلما سمع المظفر بذلك انزعج واحترق قلبه وأمر[ساعتئذ] (¬١) أن يُكتب كتاب إلى الملك الناصر وفيه: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، ومن قبل وضعه من يدك، ارسل لَنا نُغيه ومغلطاي ومماليكهما، وتبعث المماليك [الذين] (¬٢) عندك في الكرك، ولا تخل منهم عندك سوى خمسين مملوكًا والباقي أرسلهم فإني اشتريت الكل من بيت المال، وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم، وسير الكتاب مع بريدي إلى الملك الناصر. وأما نُغيه فإنه سار إلى الكرك فوجد السلطان في الصيد، فقال نُغيه لمغلطاي: أنزل أنت ها هنا وأنا أسير إلى السلطان، ثم إنه ركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك، وسار إلى ناحية عقبة أيلا، وإذا بالسلطان نازل في موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك، فلما رأوا نُغيه وقد أقبل من صدر البرية أرسل إليه خيلًا ليكشفوا حاله وخبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان، فرجعوا وأعلموا الناصر أنه نغيه، فقال السلطان: الله أكبر، ما جاء هذا إلا عن أمر عظيم، ولما حضر باس الأرض بين يدي الناصر ودعا له، فقال له السلطان: أراك جئت في مثل هذا الوقت إلى هذا المكان، حدثني بحقيقة أمرك، فأنشأ نُغيه يقول: أنت الملك وهذه أعناقنا … خضعت لِعز عُلاك يا سلطاني أنت المُرجَّى يا مليك فمن لنا … أسد سواك ومَالِكُ البُلْدَاني يا مرتجى عند الشدائد كلها … يا ناصرٌ منصور بالرحماني جئناك يا بطل همام فقم بنا … فالمُلك مُحتاج إليك عَيَاني ارحم بلادك والرعيةَ كلَّها … وعواتقُ الفتيان والنسياني ثم قال: يا خوند، لما توجه مولانا السلطان إلى الكرك ما كان يقدر المملوك علىالركوب لأجل المرض، فلما أفاق المملوك من مرضه جمع خشداشيته وحلفوا لمولانا السلطان، فقلت لهم: قوموا بنا نروح إليه، فنحن ما يقوم لنا صورة لأن ما فينا رأس نتبعه، فسمع بذلك بيبرس وأراد أن يقبض علينا، فخرجنا من القاهرة على حمية، ثم سَيَّر خلفنا أخا سلار سُمُك ومعه أربعة آلاف فارس، فلحقونا في كورة العباسة (¬١) وجرى له معنا كذا وكذا، ولم يزالوا خلفنا إلى العريش، فقال له السلطان: ومن جاء معك؟ قال ملغطاي القازانى وثلاثمائة مملوك، فقال له السلطان: يا نُغيه كيف خلفت قلوب الأمراء والرعية؟ فقال: الناس كلهم داعون لمولانا السلطان ومنتظرون له. وفي تلك الساعة ركب السلطان وسار يطلب الكرك، ونُغيه إلى جانبه، وقد أركبه جنيبًا من جنائبه، وهو يحدثه ويبشره برجوع المُلْك إليه، إلا أن السلطان لما سمع أن أخا سلار جاء خلفهم داخله الريب، وقال في نفسه: لا يكون حيلة دبروها عَلَيَّ. ليحيلوا بيني وبين الكرك، فساق سوق المستعجل، ولما أشرف على الكرك ركب مغلطاي القازاني بمن معه، فلا عاينوا السلطان ترجلوا وباسوا الأرض، وجرى مغلطاي وباس يد السلطان، فأركبه جنيبا من جنائبه وطيب قلبه وقلوب مَنْ معه، ووعد الجميع بكل خير، ولم يزالوا قدامه حتى طلع السلطان إلى الكرك. ونزل نُوغيه ومغلطاي ومن معهما في وطاقاتهم وأمر السلطان بالإقامات والعلوفات لهم، وباتوا تلك الليلة، ولما أصبحوا طلبهم السلطان، فحضروا وباسوا الأرض ودعوا له، فأمرهم بالجلوس وخلع عليهم، ثم قَرَّب الأمراء والأكابر إليه، فشاورهم فيما يصنعون، فقال نغيه: من ذا الذي يعاندك ويقف قدامك والجميع مماليكك؟ والذي خلق الخلق إذا كنت معي ألتقى وحدى كل مَنْ في مصر والشام، فقال له السلطان: صدقت فيما قلت، ولكن مَنْ لم ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب. وقال ابن كثير: ووصل المتوجهون إلى الكرك إلى الملك الناصر في الحاديوالعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقبلهم الناصر أحسن قبول، وكان حين [دخلوا] (¬١) القاطيه أخذوا ما بها من المال، ووجدوا أيضًا في طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان (¬٢) النائب بقلعة البيرة، فأخذوها بكمالها، وأحضروا الجميع بين يدي الناصر محمد، ولما وصلت الأمراء أمر بالخطبة لنفسه، ثم كاتب النواب (¬٣).