بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]
full-text— · 1 entry
- full passagepage 1936, entry [529]3,955 chars
ذكر إرسال قرا سنقر ولده إلى الملك الناصر بالكرك ولما خرج الأميران المذكوران أيبك وسَاطِي من عند قرا سنقر على وجه غير مرضٍ كتب كتابًا إلى الملك الناصر وهو بالكرك يلومه على نزوله عن الملك وكيف وقع ذلك ولم يشاوره في أول الأمر، ووعد له برجوع المُلْك إليه عن قريب، وإنه هو والأمير قفجق نائب حماة والأمير أ…
▸ expand full passage (3,955 chars)ذكر إرسال قرا سنقر ولده إلى الملك الناصر بالكرك ولما خرج الأميران المذكوران أيبك وسَاطِي من عند قرا سنقر على وجه غير مرضٍ كتب كتابًا إلى الملك الناصر وهو بالكرك يلومه على نزوله عن الملك وكيف وقع ذلك ولم يشاوره في أول الأمر، ووعد له برجوع المُلْك إليه عن قريب، وإنه هو والأمير قفجق نائب حماة والأمير أسندمر نائب طرابلس ما حلفوا للمظفر وأنهم مقيمون على أيمانهم له، وأرسل إلى قفجق (¬١) وأسندمر نظير ما كتب ليكتبا مثله إلى الملك الناصر، ثم عين ولده ناصر الدين محمد أن يأخذ كتابه وكتاب نائب حماة ونائب طرابلس ويذهب إلى الملك الناصر، فأخذ كتب الثلاثة وسار مسرعًا ومعه نجاب يسمى [مَعَن] (¬٢)، وكان خبيرًا بتلك الأراضي ومنازلها ومناهلها من جهة البرّ، فلم يزالا سائرين في البراري والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك وناصر الدين عليه زي النجابة. ولما وقفا على باب قلعة الكرك، وسألوهما من أين أقبلتما؟ فقالا: من مصر، فدخلوا وأعملوا الملك الناصر بأن على الباب نجابين من مصر، وهما يطلبان الحضور، فقال: أحضروهما، فلما تمثلا بين يديه كشف ناصر الدين لثامُه عن وجهه فعرفه السلطان الملك الناصر، فقال له: محمد، فقال: لبَّيك، فقبل الأرض وقال: يا مولانا السلطان، لابّد من خلوة، فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف، فعند ذلك حَدَّث ناصر الدين بما جرى لأبيه وقفجق وأسندمر، وأنهم اجتمعوا في حلب وتحالفوا بأنهم على قلب واحد، [وبأنهم] (¬٣) مقيمون على الأيمان التي حلفوها للملك الناصر، ثم دفع الكتب الثلاثة إليه فقرأها، ثم قال: يا محمد، فما لهم قدرة على ما اتفقوا عليه لأن كل مَنْ في مصر والشام قد اتفقوا على سلطنة المظفر بيبرس، ولما سمع بذلك ناصر الدين حلف بأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة كفؤ لأهل مصر والشام ومولانا السلطان أخبر بذلك مني، فتبسمالسلطان الملك الناصر وقال: صدقت يا محمد، ولكن القائل يقول: كن جريًا إذا رأيت جبانًا … وجبانًا إذا رأيت جريًّا لا تقاتل بواحد أهل بيتٍ … فضعيفان يغلبان قّويًّا وهذه البلاد كلها دارت مع بيبرس ولا يتم لنا الحال إلا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور، ثم إنه أنزله في موضع وأحسن إليه، وقال له: استرح اليوم وغدًا، ثم سافر. فأقام عنده يومين، ثم طلبه الناصر في صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب وقال له: سلّم على أبي وقل له: اصبر، ثم خلع على ناصر الدين خُلْعة سَنية وأعطاه ألف دينار مصرية، وخلع على مَعَن النجاب أيضًا وأعطاه ألف درهم، فخرج ناصر الدين والنجاب معه وأسرعا في السير إلى أن وصلا إلى حلب، قيل: إنهما وصلا في ثلاثة أيام، فدخل على أبيه ودفع له كتاب الملك [الناصر] (¬١)، ففتحه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، حرم الله تعالى نعمة المقر العالى الأبوي الشمسي ومتعنا بطول حياته، فقد علمنا ما أشار به وما عوّل عليه، وقد علمنا قديمًا وحديثًا [أنه] (¬٢) لم يزل على هذه الصورة، وأريد منك أن تطول روحك عَلَىّ فهذا الأمر [ما ينال] (¬٣) بالعجلة، فإنك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام في سلك واحد، ولاسيما الأفرم ومن معه من اللئام، فهذه عقدة لا تنحل إلا بالصبر، وإن حضر إليك أحد من جهة المظفر ويطلب (¬٤) منك اليمين [له] (¬٥)، فقدّم النيّة بأنك مجبور [و] (¬٦) مغصوب واحلف، ولاتقطع كتبك عني في كل وقت، وعرفني بجميع ما يجري من الأمور قليلها وكثيرها. وكذا كان كتب في كتاب قفجق وأسندمر. ثم بعد قليل جاء تقليد قرا سنقر بحلب وبلادها دّرْبَسْت على يد أمير من أمراء مصر. ومن مضمون الكتاب الذي معه من الملك المظفر إلى قرا سنقر: أنت خشداشي لو علمت أن هذا الأمر صعب عليك ما عملت شيئًا حتى أرسلت إليك وأعلمتك به لأن ما في المنصورية أحد أكبر منك، غير أنه لما نزل ابن أستاذك عن الملك اجتمع الأمراء والقضاة وكافة الناس واتفقوا، وقالوا: ما لنا سلطان إلا أنت، وأنت تعلم أن البلاد لا تكون بلا سلطان، فلو لم أتقدم أنا كان غيري تقدم، وقد وقع ذلك، فاجعلني واحد منكم فدبّرني برأيك، وهذه حلب وبلادها دربست لك وكذا لخشداشيتك الأمير قفجق والأمير أسندمر فحماة وبلادها دربست للأمير قفجق، وطرابلس مع سواحلها دربست للأمير أسندمر. وسَيَّر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة خُلْعة بألف دينار، وفرسًا بقماشه بألف دينار، وحياصة بألف دينار، فأرسل قراسنقر إلى قفجق وأسندمر وأعلمهما بأمر التقليد والخُلع والخيل وطلب الأيمان، فاتفقوا على أن يحلفوا وهم مُكرهون على ذلك، فحلفوا بهذه النية ثم أعطى قرا سنقر للأمير الذي جاب له التقليد خُلعة وعشرة أروس من الخيل وألف دينار، وكذا عمل قفجق وأسندمر، ثم رجع الأمير إلى مصر بنسخة الأيمان، فلما وقف عليها الملك المظفر فرح غاية الفرح، وقال: الآن تم لى الملك، فخلع عليه وأعطى له شيئًا كثيرًا، ثم شرع في كشف أحوال البلاد وإزالة المظالم والنظر في أحوال الرعية.